بيروت ـ «القدس العربي»: صورة أم عزيز وصدرها الحاضن لصور أبنائها الأربعة الذين اختطفوا أمام عينيها صبيحة 17 أيلول/سبتمبر 1982 بالقرب من السفارة الكويتية في بيروت، حفرت عميقاً في كل وجدان حي. داهم المنزل أفراد من القوات اللبنانية، وكان الشباب يهمّون لتناول طعام الفطور. أمسكوهم وأصعدوهم إلى شاحنة تحمل وسم الجيش اللبناني. وصارت الشاحنة تسكن قلب أمهم. ومع هدير أي شاحنة كانت تنتظر عودتهم. لازمت أم عزيز المكان حيث غاب أبناؤها، كل صباح وحتى المساء، تنتظر الشاحنة. عاشت انتظارهم برداً وحراً.
أم المفقودين الأربعة هكذا عرفها العالم. وعندما رحلت في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 عرفنا بأنها «أم عزيز» الديراوي آمنة بنات، اللاجئة من فلسطين إلى لبنان. تركت انتظارها للشاحنة لتنضمّ إلى لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين منذ اطلق النداء الأول للتجمع بالقرب من جامع عبد الناصر في كورنيش المزرعة. وصارت أم أيقونة الأمهات الباحثات عن المصائر المجهولة. أم المخطوفين الأربعة رحلت عن عمر 93 سنة، قضت عمرها تنتظر عودتهم، وعندما خانها جسدها سلّمت الراية لحفيدتها. رحيلها أكد لأبنائها أنها أيقونة بحق. اتصالات التعزية انهمرت عليهم من فلسطين وكل العالم، ورافقها إلى مثواها الأخير حشد غير مسبوق.
40 عاماً مرّت على تأسيس لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. حكى عن تلك السنوات معرض في الطابق الأرضي من جريدة السفير تواصل بين 16 و 26 آذار/مارس. مطبوعات وصور أيقظت المواجع التي لم تستكن منذ الحرب الأهلية. فمع بوسطة عين الرمانة بدأت الميليشيات بالتكاثر. وبدأت أعداد المفقودين والمخطوفين بالتزايد مع جولات المعارك. وبلغ الخطف مداه المرعب مع اجتياح الصهاينة للبنان سنة 1982 وشمل كافة المناطق التي احتلوها. خطف مباشر من العدو للبنانيين وفلسطينيين ومقيمين، وخطف نفّذته الميليشيات العميلة.
كل من مراحل وجولات الحرب اللبنانية كانت تُنتج «أبطالاً» من الميليشيات، يتنوعون بين منطقة وأخرى. لهذا يسرد الأهالي وقائع ومعلومات واسماء من أختطف أحبتهم.
وولدت لجنة أهالي المفقودين
حين طرق مسلحون منزل عدنان حلواني في رأس النبع مساء 24/9/1982 قالوا أنهم «الدولة» و«تفضل معنا ع التحقيق خمس دقائق وبترجع». 40 سنة والدقائق الخمس مستمرة. في اليوم التالي بدأت زوجته وداد طرق الأبواب لكشف مصيره. جواب المسؤولين «في متلك كتير مدام». أطلقت نداء عبر إذاعة محلية للقاء تعارفي مع «الكتار أللي متلا» أمام جامع عبد الناصر على كورنيش المزرعة. فوجئت وداد بحضور المئات من النساء. وسرن في تظاهرة باتجاه القصر الحكومي في الصنايع، فقمعهن الجيش اللبناني. رئيس الحكومة شفيق الوزّان وافق على استقبال وفد منهنّ. جواب المسؤول كان «العين بصيرة واليد قصيرة».
انتهى الاجتماع الخيبة ومباشرة في 24/11/1982 تشكلت لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وبدأت تستقطب مزيداً من الأهل الباحثين عن أبنائهم وأحبتهم.
رحلة الأربعين سنة للجنة الأهالي والتي صارت عائلة ممتدّة بكل معنى الكلمة داهمتها مُلمات كثيرة. فوالدة المخطوف عبد السلام أم نبيل ابو الهيجا تعرّضت للابتزاز المالي في سبيل الكشف عن مصير ابنها. واختتمت مشوارها مخطوفة ومقتولة.
نايفة علي حمادة الأرملة والأم الصبية لطفل وحيد في عمر 13 سنة، فقدت اثره في طريق عودته من منزل جديه في القماطية إليها في بيروت. أمضت تسعة أشهر تبحث عنه، تطرق الأبواب وتستجدي المسؤولين بأن يعيدوا لها علي. يئست ولم يعد للحياة معنى بدونه، انتحرت وصارت الشهيدة الأولى لأهالي المخطوفين.
في 9/7/1984 وبعد جهود كبيرة أطلقت القوات اللبنانية 33 مخطوفاً لديها، وتبرأت من الباقين. أعطى المحررون أملاً لبعض الأهل ونقلوا لهم أخباراً عن أبنائهم، ولكن، وبعد هذا التاريخ تنوعت أشكال الحرب الأهلية ودخلتها ميليشيات أخرى، وأزدادت أعداد المخطوفين والمفقودين في كافة المناطق اللبنانية.
اتفاق الطائف شكّل بشارة للأهالي، ربما وقف الحروب المتنقلة ينهي مأساتهم ويعطيهم إجابات. وعندما بدّل قادة الميليشيات ملابسهم العسكرية بربطات العنق كانت الصدمة الكبرى. فهل سيدين هؤلاء انفسهم؟
خط زمني 150 محطة
في معرض «عود على مسار نضال لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» والذي سُمي «خط زمني» جهد مدروس يحترم سيرة المفقودين وذويهم. قُصاصات صحف، ورسائل الأهل، وصور تحكي سيرتهم. صور المفقودين تلاصقت مع المعلومات الخاصة بهم. جهد انتقل من الكتابة باليد، إلى العمل والحفظ على الحاسوب، وتالياً إلى الرقمنة.
في «خط زمني» حكاية عن امرأة جميلة كان عمرها 30 وصار 70. كانت تبتسم مطمئنة للحياة قبل أن يعْلق الوجع على وجهها كالغسيل المنشور. كابوس يداهمها ليل نهار: تختنق كأن شيئاً يفترسها من الداخل. تشعر بحالة انتظار لا تنتهي، فلا الوقت يمر ولا الجرح يندمل.
و»خط زمني» عن دولة لم تشأ يوماً البحث عن مفقوديها، لا المواطنين منهم ولا المقيمين. عفت عن المجرم واحتضنته وفرعنته. ظنّت أن الأهالي محكومون بالنسيان وقابلون للشراء. فاتها أن الوحش سيدمّرها، وقد فعل، وأن معالجة قضية المفقودين فقط تضمن إعادة بنائها. إذاً يشكل المعرض باقة ورد لمن سقط من الأهالي ومن أصدقاء القضية خلال العقود الأربعة الأخيرة.
وفي مسار الـ40 سنة واصلت اللجنة عنادها إلى أن صدر قانون المفقودين والمخفيين قسراً سنة 2018 والذي نصّ على إنشاء هيئة وطنية للبحث عنهم وتحديد مصيرهم. القانون ما يزال حبراً على ورق، والدولة ما تزال تواصل عرقلة مسيرة الهيئة الوطنية للمفقودين بدل تسهيلها.
لا مفقودين أحياء
توصلت حملة «من حقنا أن نعرف» سنة 2000 إلى تقرير رسمي يقول بعدم وجود مفقودين أحياء بل مقابر جماعية. معرض خط زمني أشار إلى أماكن تلك المقابر الجماعية بدءاً من جنوب لبنان اثر اندحار الصهاينة، وصولاً إلى الجبل وكافة المناطق التي انتشرت فيها الميليشيات المتقاتلة مقابر وزّعت بأسمائها على هيكل عظمي.
ولأن معرفة المصير حق تمّ تطريز 120 لوحة بخيوط ذهبية حملت أسماء المفقودين. جمعت وصارت جدارية مطرّزة بوجع الفقد. شارك في التطريز زوجات وأخوات وبنات مفقودين وأبناء ذكور واثنين من الأباء.
«وماعدت شفتو»
أهالي المفقودين والمخطوفين يزورون المعرض بمواعيد مسبقة، ففي لبنان أكثر من 17 ألف مفقود. والدة المفقود نزار قرطاوي وصلت برفقة ابنتها من طرابلس. وعلى شريط الفيديو الذي يعرض صوراً للمفقودين والمخطوفين وجدت صورته فأخذت ابنتها نسخة منها. قالت لأمها: هيدي صورة نزار. ردت الأم: «هو بزاتو يقبر عضامي ريتني متت وهو بقي». وعادت لتخبرني: «خلصو الصور من عندي وين ما اسأل عنو من لبنان إلى سوريا يطلبو صورة». تستعيد يوم اختفائه: «قللي يا ماما صار اليوم عمري 18 وبعد سنتين بصير 20. خرج وهيدا وج الضيف. كان يوم جمعة وما في شغل». أخبرني «مش مطوّل». علمت أنه «رافق شاباً وصل من ألمانيا ومعه سيارة من طرابلس إلى الكورة بحثاً عن رفراف. نزار والشاب اختفيا على حاجز البحصاص للجيش السوري سنة 1981».
أم نزار صارت وجهاً دائم الحضور في لقاءات لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين منذ سنة 1983 في الحر والبرد. تقول: «مشوار يومي كان يريحني نفسياً ويشعرني وكأني أتيت كي آخذ نزار معي إلى البيت. ضربتني الشمس ومرضت لأشهر، وانقطعت عن المشاركة لأشهر».
يقول السائق الذي يقلّ أم نزار وابنتها من طرابلس إلى بيروت للمشاركة في فعاليات للجنة أهالي المخطوفين والمفقودين: «أعيش مع هذه العائلة ذاكرتها المعذّبة بفقدان ابنها. وفي الشمال كثير من العائلات فقدت أبناءها ولم تتابع البحث كما حال ام نزار، وخاصة في المجتمع الفلسطيني الذي انتمي إليه. وجميعهم تقريباً يعرفون أسماء الحواجز التي خطف عليها أبناؤهم، وقد اعتبروهم في عداد الشهداء أو الأموات».
طائفة عابرة للطوائف والمذاهب
رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني دخلت كل بيت، وصارت مألوفة الوجه لدى الجميع. بعد 40 سنة من الجهود المتواصلة ماذا تقول لنفسها عندما تخلد للنوم؟ تتريث وتجيب: ليس فقط عندما أخلد للنوم، الحزن والغضب يرافقاني، وهذه المشاعر تتضاعف ليلاً. ومنذ لاحت أمامي سنة 2022 بدأت بمراجعة ذاتية لمسار الـ40 سنة، فولدت فكرة المعرض. انه شريط بدأ مع خطف عدنان «زوجها» ودون تخطيط مسبق كانت لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين قد ولدت في 24/11/1982 أي بعد شهرين من اختطافه. ففي هذا التاريخ غادرنا مكتب رئيس الوزراء شفيق الوزّان الذي أجاب «العين بصيرة واليد قصيرة». وعلى درج مكتبه قررنا كأهالي متابعة القضية. وفي هذا المعرض نقدّم التحية لكافة أهالي المفقودين المستمرين في النضال من أجل معرفة مصير أحبائهم، ولأرواح من غادرونا من بينهم. والتحية لكافة الأمهات والأخوات والإخوة والأبناء في كل الدول العربية الذين يعيشون ما نعيشه. فكافة الأنظمة العربية على السواء تعاملت وتتعامل إزاء هذه القضية باستخفاف، وبقمع، وبفرض الصمت وكتم الأنفاس. وبعض تلك الأنظمة شاركت وتشارك في الإخفاء وعدم الإعتراف.
○ وماذا عن محاولات إغراءكم بالمال؟
•في لبنان والدول العربية. ففي الجزائر صدر قانون بدفع البدائل عن المخفيين. وجرت محاولات مماثلة في لبنان لتقريش هذه القضية. بعضهم قال «اعطوهم كم قرش ويخلصونا».
○ نحن وطن عربي منكوب بالمخفيين قسراً هل من جهود لعمل مشترك؟
•نحن في علاقة تشاركية مع هيئات مماثلة في دول عربية ونتبادل الخبرات. جريمة الخطف والإخفاء ظاهرة عالمية في الدول التي عاشت حروباً. ثمة دول تحترم شعوبها حلّت هذه القضية بما يعيد الاعتبار والكرامة للضحايا وذويهم. وقبل سنتين ساهمنا بتأسيس شبكة دولية للضحايا والناجين من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي تُسمّى اختصاراً INOVAS وتضم مشاركين من لبنان، وسوريا، وتونس، والمغرب، ومن دول أمريكا الجنوبية. والباب مفتوح للانضمام، فالشبكة لا تزال جنينية.
○ وماذا عن تعاون الصليب الأحمر الدولي معكم؟
•هو الحليف الأساسي لقضيتنا منذ بدئها. ويدعمنا بقدر ما تسمح أنظمته الداخلية. وهو من بدأ منذ سنة 2016 بجمع العينات البيولوجية من أهالي المفقودين، ويعتبرها هوية وطنية من واجبات الدولة القيام بها، وعندما تقاعست كافة الحكومات، فأخذ المهمة على عاتقه. فالزمن يعاكسنا كأهالي وسنوياً نخسر أفراداً. عملياً يراهن حكّام لبنان على النسيان ومرور الزمن. نخبرهم أنها مراهنة خاسرة. ترحل الأم وتسلّم مكانها لإبنها أو ابنتها.
د. قصي الحسيني:
الطغاة لن يكشوا المصير
الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور قصي الحسيني رد على سؤالنا حول أثر بقاء قضية 17 ألف مفقود ومخطوف جرحاً مفتوحاً بالقول: إنها قضية عظمى اجتماعية ووطنية وعائلية. لن تُمحى من النفوس لأنها تتعلّق بالروح والدم. نسيان المخفيين غير ممكن منذ بدايات الحرب حتى آخر فصولها، ستبقى من القضايا الكبرى التي يعاني منها لبنان.
○ كيف تنظر إلى حق الأهل بمعرفة المصير؟
•الإخفاء القسري جرح ينزف على مرّ السنوات. الأم والأب والأخت والأخ يتذكرون المخطوف. وكذلك زوجة وأطفال المخطوف. حق المعرفة تقره القوانين الدولية، ومصير الـ17 ألف مفقود يحتاج لبحث جدي، بحيث تُختم هذه المأساة بما يشفي النفوس ويعطي كل ذي حق حقّه.
○ ماذا تقول عن المسؤولين الذين يراهنون على تعب الأهل وحتى موتهم؟
•أي تعريف لهؤلاء المسؤولين يجب أن يأخذ بالاعتبار قسوتهم. يستحقون تعريف الطغاة المستبدين. قتلوا القتيل وحملوا نعشه. برأيي علينا التصالح مع واقعنا، فهؤلاء المسؤولين غير موثوقين. وكشف مصير المفقودين لن يكون على أيديهم.