القاهرة ـ «القدس العربي»: تعد السخرية من أهم أساليب المواجهة، انتقاد تتراوح درجاته من الاعتراض وصولاً إلى التعريض بسلوك وقرارات شخص ما، هو دائماً ممثل للسلطة، التي لا يجدي معها نفعاً حوار أو حديث عما يفعله أصحابها. السلطة هنا تأتي بشكل عام، دون اقتصارها على نظام الحُكم. قد تكون السخرية تعرية للفساد الاجتماعي ومظاهره، من عادات وأعراف متوارثة، أو انتقاداً لتصرفات اقتصادية على مستوى النظام والأفراد. ويأتي فن الكاريكاتير ليُجسد هذه السخرية من خلال رسومات تحمل القدر الكبير من الفن والصياغة الفكرية المُحكَمَة، التي تحمل في طياتها فلسفة هذا الشعب أو ذاك، فالفنان أحد شخوصه، وأحد المُعبرين عما يدور وما يحدث.
فن الكاريكاتير أيضاً يُضمّن الكثير من فلسفته كما في (المُزحة) فلا بد من تركيز الفكرة وصياغتها في حِرفية وجمالية، ولا بد من مُتلق لديه الكثير من الفطنة ليلتقط رسالة الفنان، وبالتالي يحقق الفعل أو الحالة الساخرة هدفه، بأن يُثير الضحك أو الإعجاب بالعمل وصاحبه. ويٌقام الآن في غاليري (ديمي) في القاهرة معرض يضم بعض أعمال من (متحف الكاريكاتير) في الفيوم، هذه الأعمال التي تستعرض تاريخاً طويلاً من هذا الفن وأصحابه من الفنانين، وكأنه قراءة تاريخية للمجتمع المصري في فترات متباينة.

من الاستقلال وحتى الرقابة
تأتي اللوحات التي نُشرت في الصحف والمجلات المصرية على اختلاف عصورها، لتعبّر عن قضايا سياسية في الأساس، كانت حديث الساعة وقتها، وبعضها للأسف لم يزل يمثل أزمات تتكرر بين حين وآخر. مشكلات الاستقلال وحزب الوفد على سبيل المثال، إضافة إلى الأزمات السياسية وقتها، سواء بين رجال حزب الوفد ـ الحزب الحاكم وقتها ـ أو بين خصومه من السياسيين. نجد ذلك في أعمال عدة فنانين، مثل خوان سانتيس وصاروخان الذي ابتكر شخصية (المصري أفندي) وجعله المواطن الناقد والساخر من تصرفات الاحتلال الإنكليزي ورجال بعض الأحزاب السياسية المصرية، كاشفاً ألعاب التواطؤ بينهم وبين المُحتل. ثم نصل إلى بعض من مظاهر قمع الحريات، الذي تمثل في الرقابة على المصنفات الفنية، وهو ما سخر منه صلاح جاهين في بعض رسوماته.
العادات والأعراف
وللجانب الاجتماعي تأتي أغلب أعمال فناني الكاريكاتير، بداية من مأمن يتمثلونه في عدم الاقتراب المباشر من الموضوعات والقضايا والشخصيات السياسية. مع ملاحظة مدى التراجع في تناول هذه الموضوعات منذ انقلاب يوليو/تموز 1952. فكانت العادات والأعراف الاجتماعية هي الملاذ، فجاءت السخرية والتنبيه لخطورة بعضها.. كزواج القاصرات، خاصة في الريف المصري شماله وجنوبه، أو حفلات الأثرياء المترفة، والكثير من الآفات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع المصري ولم يزل.

المظاهر الاحتفالية
لم يغفل فنانو الكاريكاتير التعبير عن العديد من المظاهر الاحتفالية للمصريين، وتسجيلها في رسوماتهم، كالموالد الشعبية، وألعاب الحواة في الحارات، والأفراح الشعبية بروادها ومطربيها وراقصاتها. وربما نلمح الكثير من تأثير هؤلاء في العديد من الفنانين المصريين الحاليين، سواء جاءت أعمالهم في شيء من المبالغة التي تقرّب الأمر من فن الكاريكاتير، أو في رسومات تحافظ على سمات الواقع في نقل المشهد وشخوصه إلى اللوحة، فالتأثير لا يُنكر، وذلك بما أن فن الكاريكاتير هو فن شعبي بالأساس، بعيداً عن لوحات المناظر الطبيعية ونساء الأرستقراطية والبورتريهات الكلاسيكية المعهودة، التي في أغلبها كانت تتوسل بالأسلوب الغربي في الرسم لوناً وتكويناً.
ناجي العلي
ومن مفاجآت المعرض وجود لوحتين للفنان (ناجي العلي 1936 ــ 1987) وشخصيته الشهيرة (حنظلة). والحديث عن ناجي العلي يتطلب موضوعاً خاصاً، ولكن وجود رسومات للرجل كان استكمالاً للمناخ العام ـ عربياً ـ لما كان، وللأسف ما هو كائن أسوأ بكثير من أيام السيد حنظلة.
