معرض «وجوه من البازلت» للمصري محمود مختار: التراث الفرعوني وروح العصر

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بعيداً عن تقليد الموضات الفنية والسعي المتهافت دون وعي وراء ما يُنتجه الغرب ويتجاوزه، تأتي قِلة من الفنانين المصريين الذين يحاولون الاستناد إلى التراث المصري الراسخ، خاصة في مجال (النحت) ومن هؤلاء الفنان محمود مختار مواليد عام 1986، الذي يتصادف أن يحمل اسم نحات مصر العظيم. ويأتي معرض مختار الشاب بعنوان (وجوه من البازلت) والمقام حالياً في قاعة (الباب) في دار الأوبرا المصرية في القاهرة. وبعيداً عن التقليد الأقرب من النسخ، تبدو المنحوتات كأنها تحاول التواصل بين التراثي والحديث، من خلال المزج بين أسلوبي الواقع والتجريد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى محاولة خلق شكل فني يمتلك بنية هندسية توحي بأجواء ورؤى فلسفية لطالما جسدتها الحضارة المصرية القديمة، من خلال شواهدها، وأهمها فن النحت.

الرسوخ والحركة

من الوهلة الأولى تبدو المفارقة في أعمال الفنان ما بين رسوخ وقوة الكتلة التي يتكون منها جسم التمثال، سواء كان إنسانا أو طائرا، والحركة التي تأتي من خلال التكوين ككل، فبعض المنحوتات تتكون من مجموعات متشابهة مختلفة الأحجام، بحيت يتوسطها تكوين في حجم كبير راسخ، تحيطه منحوتات تتمثله في حجم أصغر، وتبدو أكثر ميلاً ـ أشبه بالتجهيز في الفراغ ـ وما بين هذا الثبات وهذا الميل يبدو فعل الحركة، إضافة إلى شكل المثلث الذي يتقاسم التكوين بشكل عام. ومن هذا الشكل المقدس لدى المصري القديم، الذي يجسده الهرم من خلال زواياه، يصبح الشكل الهرمي بدوره هو المسيطر، كمجموعة من المثلثات قاعدتها إلى أسفل، وقمتها في الأعلى.

التراثي والمُعاش

ومن المفارقة نفسها تأتي فكرة السمو، ومحاولة التواصل مع السماء، رغم رسوخ الكتلة وقوة ثباتها على الأرض، فالقامة المرتفعة للجسد توحي بمحاولات دائمة من الحركة ـ الأجساد الأصغر حجماً ـ للوصول إلى هذه الدرجة من الوصول إلى الأعلى، وهو أمر يوحي بمدى استمرارية التجربة وتواصلها، حتى يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الوصول إلى المطلق.
لكن هل يبتعد الفنان بذلك عن فلسفة قريبة نسبياً من فلسفة المصري القديم؟ نجد أنه من جهة أخرى يحاول اختلاق تواصل أكثر شعبية مما يعيشه المصريون الآن، ليبدو الأمر أشبه بالحلقات الصوفية ـ الصوفية الشعبية ـ هذه الأجساد التي تتحلق المُنشد الصوفي، وتأتي بحركات مكرورة حتى تتوحد معاً، وحتى لا يصبح الموضوع مباشراً واستهلاكياً، فقد حافظ الفنان على الخطوط الحادة في التكوين، دون أن ينجرف وراء الشكل الدائري. هذه الفكرة أيضاً تؤكدها حالة التوحد مع الطبيعة والمخلوقات، فلا تفرقة بين جسد إنساني أو طائر تتمثله بجعة، أو جسد طائر برأس إنسان، وهي الصورة الأساس في الميثولوجيا المصرية، حيث الطيور والكباش وما شابه.

التجريد والإيحاء في الواقع

يجرّد الفنان شخوصه من ملامحهم، وهو بذلك يفرّ من وطأة الزمن، فلا فارق بين ملكة مصرية، نلمحها من تاجها المجرّد أيضاً ـ الأفعى ــ وفلاحة مصرية، يبدو غطاء رأسها المعهود وكأنه تاج عصري بديل عن تاج ملكات مصر القديمة، فلا فارق هنا بين عصر مضى وآخر نعيشه ونحياه. وما بين التمجيد الرسمي للمرأة/الملكة، الأقرب إلى البورتريه، نجد الاحتفاء الكبير بالمرأة المصرية/الفلاحة في شكل منحوتة كاملة لجسدها الواقف في صلابة وكأنه بدوره يتحدى الزمن وتحولاته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية