معلم تاريخي وروحي جمع حسنات الصيام في «مسجد الحسن الثاني» في الدار البيضاء

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط – «القدس العربي»: أكثر من 800 ألف مصل يؤدون التراويح في مسجد الحسن الثاني في مدينة الدار البيضاء في رمضان 2023، الأرقام ليست رسمية، بل تناقلتها مواقع إخبارية مغربية، كما الحال بالنسبة لصفحات على فيسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها.
صور التراويح اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، والآلاف يقتصّون من وقت ما بعد الفطور مدة زمنية ليست بالهينة ليعبروا المسافات من منازلهم إلى حيث المسجد الشهير.
ألا يوجد في الدار البيضاء مسجد آخر يقصده الناس لصلاة التراويح؟
بلغة الأرقام هناك مساجد في العاصمة الاقتصادية تسد عين الشمس، لكن ليس هناك مسجد شبيه بـ «الحسن الثاني»، تلك البقعة الأصيلة التي شيدت بعشق المغاربة ودعائهم ومساهمتهم أيضا، وكانت في ذلك نية الملك الراحل الحسن الثاني أن يتشارك الجميع في بناء أحد أكبر المساجد في العالم، حيث المعمار المغربي الأصيل والرحابة وفخامة الحضور الروحي المتجلي في أدق التفاصيل التي خلفها فنانون في النقش على الجبس أو الخشب أو صانعوا فسيفساء الزليج الذي يزين تلك النافورة البهية في الوسط ومعظم الأرضية التي تمتد على مرمى النبض الإيماني.
إلى جانب كل ذلك نجد، الإمام الذي يقود الحشود في صلاة التراويح، الشيخ عمر القزابري، صاحب الصوت الشجي والبحة المغربية والتلاوة الأصيلة، وصاحب الحظ أن يكون إمام مسجد الحسن الثاني. يتذكر المغاربة مرحلة كوفيد 19، بقلوب وجلة ودعاء صادق بعدم عودتها، حين أغلقت المساجد وغابت صلاة التراويح، تلك كانت لحظة ستصبح حكاية لدى الجيل الذي عاشها. العودة إلى ذاكرة الوباء، فيها لهفة تحقيق الوصال بعد أن رفع المنع الصحي وعانق الجميع صلاة التراويح في المساجد، وعادت الأمواج البشرية لتؤثث ليالي مسجد الحسن الثاني.
الحكاية بسيطة، تبدأ بالرغبة في أداء الصلاة في مكان تنفتح فيه الروح وينفتح له القلب والخاطر أيضا، ومسجد الحسن الثاني يوفر كل هذه العوامل والظروف المؤطرة لجاذبية لا مثيل لها ولا يقاوم يدفع كل مؤمن أن يركب سيارته أو «الترام» أو غيرها من وسائل النقل العمومي، ليصل عاجلا ويحجز مكانه وسط الحشود ويعيش تفاصيل يسجلها في ذاكرته.
بالنسبة للمسجد الشهير مغربيا وعربيا ودوليا، فقد سمي على اسم الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان صاحب المبادرة بالتفكير في إنشاء معلمة حديثة بمقومات مغربية أصيلة تحافظ على الإرث وتواصل إشعاع التاريخ المغربي.
مثلما كانت المسيرة الخضراء سنة 1975 ملحمة مغربية مئة بالمائة، فقد أريد للمسجد أن يكون مغربيا أكثر من أي معلمة أخرى، والفكرة بدأت بالمساهمة ولو بدرهم من طرف أي مواطن، الهدف ليس جمع المال أو الحاجة إليه، بل كانت الرغبة في المساهمة والإحساس بامتلاك جزء من معلمة ستظل شاهدة على عصر أناسها، والأهم من ذلك الانتماء إلى «التمغرابيت».
ذلك الانتماء هو الذي يجعل من مسجد الحسن الثاني قبلة المصلين في مدينة الدار البيضاء، بل منهم من يفضل قضاء شهر رمضان في العاصمة الاقتصادية لغرض واحد، وهو حضور التراويح في هذا المسجد الفسيح والجميل والأصيل، الذي ساهم في بنائه 2500 عامل و10 آلاف حرفي تقليدي، وامتدت عملية التشييد لمدة تقارب الست سنوات، ليفتح أبوابه امام المصلين عام 1993.
من مميزات مسجد الحسن الثاني، انه يتربع فوق المحيط الأطلسي، أمواج البحر تلاطفه يوميا، وتحاول التقرب من بنائه العملاق ومئذنته العالية جدا حتى قيل في وصفها شاهقة، ناهيك عن توفيره للعديد من الخدمات التعليمية والمكتبة الوسائطية.
أبناء الدار البيضاء وهم يقصدون المسجد ذاته طيلة شهر رمضان المبارك، ينوبون عمن لم يسعفهم الزمان والمكان في القيام بهذه الخطوات المباركة، من مغاربة في مدن أخرى لبوا نداء ملكهم وساهموا بما تيسر في اكتتاب وطني اكدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن المجموع حوالي 500 مليون دولار.
اليوم، تجد رواد مواقع التواصل الاجتماعي من أبناء العاصمة الاقتصادية يفاخرون الجميع بمسجد الحسن الثاني، ويتنافسون في التقاط أكثر الصور تعبيرا عن الإقبال الكثيف على تراويحه، ومن زوايا مختلفة، إنهم يوثقون لتاريخ حديث بطريقة رقمية لم تكن متاحة للجيل الذي سبقهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية