أمّا على مستوى المجتمعفإن الأدب يعد من أهم الظواهر الاجتماعية ، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات الاجتماعية ، ومن هنا فإن معوقات تحوله ترتبط بالأساس بالمجتمع ، وما يموج به من تيارات .
وفى حالة مجتمعاتنا نجد عملية التحوّل صعبة فى حد ذاتها ، لأن قبول الغالبية العظمى بما يتخلق داخل المجتمع من تحولات ليس سهلا ، وهناك من يمارس عملية الوأد للتحولات وهى فى مهدها .
فالمجتمع كثيرا ما يكرّس ما هو مألوف ، وتبدو بنيته الثقافية تميل إلى الاستقرار الاجتماعى ، وعدم الدخول فى تحولات قد تزلزل أركانه ، وهنا تلعب مؤسساته دورا فاعلا فى تهميش نصوص ، وشهرة نصوص أخرى .
وتكرّس ما تود تكريسه ، وتمارس باستمرار عمليات إزاحة وعمليات إحلال .
فالمؤسسة الدينية ـ وهى ذات تأثير بالغ ـ تنظرفى الأعم الأغلب بعين الريب إلى الظاهرة الأدبية ، وترى أن النص الدينى فيه ما يكفى ، والرؤية الغالبة على هذه المؤسسة ترى فى الماضى بقعة الضوء الألقة ، وتقف بقلق واضح ضد كل تغيير فى المجتمع ، وكل تطور لا يتوافق مع الأفق الدينى المعروف يكون بالنسبة لها بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة فى النار.
ذلك على الرغم من الدعوة الواضحة التى يطلقها ديننا الحنيف حيث يدعوإلى ضرورة التفكير فى الكون ، واستعمال أغلى ما وهبه الله سبحانه وتعالى لنا ، وهو العقل .
وهناك معارك طاحنة مشهورة كانت فيها المؤسسة الدينية تشهر سيفها الذى لا يرحم فى وجه المبدعين .
ولذا وجدنا احتفاء هذه المؤسسة الواضح بالنص الأدبى الذى يتماشى مع ما هو معروف من نصوص سابقة ، وانحيازها للنصوص القديمة فى مقابل النصوص الجديدة.
وقد تجلى موقف هذه المؤسسة بصورة قاسية فى غلق باب الا جتهاد ، لأن عقولنا فى هذا العصر لا تمتلك الكفاءة الكافية لتمارس حقها الطبيعى فى الاجتهاد .
وهى تقف بعنفوان ضد من يأتى بجديد ، لأنها ألفت ماهو سائد. هذا على مستوى الرؤية فى الأمورالعامة .
وينعكس هذا بالضرورة على الأدب ، وتحولاته .
ومن هنا فقد سمعنا كثيرا عن تطوير الخطاب الدينى ، وقد نادى بذلك بعض من ينتمون إلى المؤسسة الدينية نفسها.
أما ظاهرة الفضائيات المنتشرة فى زماننا فإن عنايتها بالجانب الأدبى ضعيف جدا ، وما يهتم منها بالأدب لا يروى الغليل .
فى حين نرى المجلات الأدبية ـ فى الغالب ـ لها توجهها ، فتنشر نمطا معينا من النصوص ، وترفض نشر أنماط أخرى .
وفى المقابل فإن هناك مجلات تفضل هذه الأنواع الأخرى ، ولا تتقبل غيرها من الأنواع ، فتمارس هى الأخرى دورها فى الإزاحة والإحلال .
وهنا تبدو مأساة المبدع المتفرد الذى يغرد خارج السرب ، ومدى معاناته فى نشر إنتاجه، حيث يجد صعوبات بالغة فى العثور على منفذ ينفذ من خلاله إلى عالم الشهرة العريض، أو يحقق تواصلا مع الجمهور، لكن من حسن الحظ فإن الوسائط الحديثة تبدو فاعليتها فى مثل هذه الحالة ، حيث يجد المبدع ضالته فيما أتاحه له العصر من وسائط حديثة يستطيع أن يعوض بها ـ إلى حد كبير ـ تجاهل النشر الورقى له فى حالة عجزإمكانياته المادية عن النشر الخاص.
وهنا تأتى أهمية الشهرة البالغة فى عدم التحول ، لأن الشهرة تكرس لوضع معين ، فهى تجعل كاتبا يتربع على عرش الأدب ، وتزيح آخر من على هذا العرش. فيجد اللاحق صعوبة كبيرة فى زحزحة هذا الوضع المتمكن. ويحتاج التغيير منه إلى بذل الجهد المضاعف .
كما تبدو بوضوح ظاهرة استخدام المال كمعوق من معوقات التحول فى الأدب ، حيث رأينا رصد عديد من الجوائز لتكريس نوع معين من النصوص، فى مقابل إزاحة نصوص أخرى، ومحاولة كثير من المبدعين الفوز بهذه الجوائز لتحسين وضعهم المادى رغم أن شروطها قد تكون منافية لرؤية المبدع الحرة.
ويبدو الدور السلبى للجوائز بوضوح كمعوق من معوقات التحول فى الأدب ، فهناك علامات استفهام كثيرة وحقيقية عن هذه الجوائز وكيف تعطى ؟ لأن الحاصلين على الجوائز ليسوا بالضرورة أكبر مستحقيها ، وهذه الجوائز تمارس سلطة واضحة على القراء ، لأن من يحصلون عليها يراهم الكثيرون هم الأفضل ، فتكون النتيجة تكريس هؤلاء الحاصلين عليها باعتبارهم أهل الصفوة فى الأدب ، وإنتاجهم هو الأفضل عند الكثيرين غير الممحصين.
وقد كتب العقاد وهو فى لجنة الشعر جملته الشهيرة ‘ يحول إلى لجنة الشعر للاختصاص ‘ على من تقدم لنيل جائزة الشعر من شعراء شعر التفعيلة، فقد مارس عنفا واضحا ضد هذا النوع من الشعر الذى لم تتقبله ذائقته النقدية.
واحتاج الأمر إلى صراع مرير من أصحابه حتى تم التحول.
كما يبدو الذوق المتحكم فى وضع مناهج الأدب ونصوصه ،واختيار نصوص معينة ذا دور فاعل فى إعاقة التحول فى الأدب ، وهذه النقطة بالذات لها خطورتها الكبيرة ، وتأثيرها الفاعل لأن الأطفال والناشئة يغرس فيهم منذ الصغر نماذج لنصوص على أنها هى النماذج العليا فى الأدب ، ويتم ضخ كثير من أحكام القيمة ، من قبيل شوقى أمير الشعراء ، وغير ذلك فينشأ المتلقى وقد تكونت قناعته بأن شوقى هو أمير الشعراء، فيكون من الصعوبة بمكان زحزحة هذا المفهوم عنده ، فيتكرس وضع ربما يوجد وضع آخر مواز له .
كما أن الجامعات ـ فى الغالب ـ تسير بنمطية غريبة فى درس الأدب ، ونقده ـ ولا يمنع ذلك من وجود نماذج ألقة بطبيعة الحال ـوتبدو عملية التطوير متعثرة جدا ، وهناك نظرة سائدة تكرس ماهو معروف ، ومستقر ، ولا يبذل المعنيون بالدرس الأدبى جهدا خلّاقا من أجل التغيير، أو التحوّل الأدبى .
فالنصوص المدروسة لا تتغير ، ومحاولة العثور على نصوص أخرى واكتشافها ليست واضحة ، وطريقة المعالجة ـ فى الغالب ـ تسير فى النمط العادى ، والتسليم بالمقولات السائدة لا يلاقى مساءلة منهجية .
فتكون النتيجة تكريس ماهو سائد ، وتكرار دراسة النصوص نفسها على مدار أجيال متعددة ، بنفس الطريقة فى التلقى ، ويبدو التهميش الواضح لإنتاج فى غاية النصاعة والألق .
وهنا أتذكر أن كتاب ألف ليلة وليلة الذى يعده الغربيون إلياذة العرب ينظر إليه فى دراساتنا الجامعية على أنه فى الهامش ، وليس فى المركز.
وهنا تطل بقوة طريقة معالجة النماذج ، وطريقة التفكير الدائر فى تلقيها ، فنجد معوقا كبيرا من معوقات التحول فى الأدب ، لأن ضخ طريقة موضوعية فى التفكيروالتناول له أهميته البالغة فى تكوين الأفق المعرفى ، وأفق التلقى لدى القارئ.وليس هذا بالشئ الهين ، لأن كثيرا من عوامل التأخر تكون نتيجة واضحة للانبطاح أمام ما هو سائد ، وعدم بذل الجهد الكافى لمساءلة ما هو مستقر وثابت.
كما تبدو التقاليد ذات دور فاعل كمعوق من معوقات الأدب ، فسطوتها واضحة فى الحفاظ على المستقر الثابت .
كما تبدو أيضا قوة المجتمع الثقيلة كمعوق من معوقات الأدب ، فتقبل المجتمع للجديد ليس من السهولة بمكان ، فهو يقف دائما فى وجه زعزعة الاستقرار، ولديه دائما دائرة ذات خطوط وهمية خطوطها حمراء لا يجب أبدا من وجهة نظره الخروج عنها ، ومن يمتلك الشجاعة فى الخروج من هذه الدائرة فإن المجتمع دائما ما يجد تحت يده الأسلحة الفتاكة التى يهاجم هذا المبدع بها.
وهذه الأسلحة قد تكون صكوكا جاهزة منها العمالة والتكفير والاغتيال ، دون وقوف حقيقى أمام إنتاجه ، ومساءلته نقديا .
وليس حادث محاولةالاغتيال الفاشل لقامة أدبية شاهقة مثل نجيب محفوظ بغائب عن الأذهان ، ومن الغريب اللافت أن الشاب الذى طعنه فى الرقبة لم يقرأ أعمال نجيب محفوظ، ورغم ذلك فقد كانت قناعته كبيرة بضرورة قتله لأنه من وجهة نظره ـ التى أسهم الآخرون ممن لاينتمون إلى الحقل الأدبى فى تشكيلهاـ كافر.
وقد مارس هؤلاء دورهم الغريب فى منع رواية أولاد حارتنا من النشرلأنها من منظور قراءتهم تتعرض للأديان ، وتسئ إليها ، وإلى رموزها الأنقياء .
فنشرت فى لبنان فى الوقت الذى كانت فيه ممنوعة من النشر فى مصر ، فبدا قول شوقى الشهير :
يا ابنة اليم ما أبوك بخيل ماله مولع بمنع وحبس
أحرام على بلابله الــــدوح حلال للطير من كل جنس
عنوانا لهذه الحالة الغريبة .
وفى كثير من الأحيان يكون هذا الموقف من المجتمع من أشد الأشياء فى صناعة الشهرة للعمل وصاحبه ، فتأتى النتيجة على عكس ما يريدون ، لكن الإرهاب الذى يشعر به المبدع يكون بمثابة الحبل الذى أحكم فتله ، والذى ينهض ـ فى كثير من الأحيان ـ بخنق العملية الإبداعية نفسها .
كما تلعب السياسة دورا واضحا كمعوق من معوقات التحول فى الأدب ، فهناك ارتباط وثيق بين السياسة وأنشطة الحياة بصورة عامة ، ومنها بطبيعة الحال النشاط الأدبى ، ومن هنا فإن عدم وجود رؤية خلاقة للأدب باعتباره نشاطا ضروريا فى المجتمع لدى السياسيين ينعكس بالسلب بطبيعة الحال على الأدب .
فنرى مدى المعاناة والعنت التى تلاحق الأديب المبدع ، فينشغل بالبحث عن لقمة العيش التى يحصل على الفتات منها بصعوبة شديدة ، ويصل الأمر أحيانا إلى تكميم الأفواه والمطاردة الشرسة لكتاباته ، والتضييق عليه فى النشر والرزق ، فتكون النتيجة دخول الأديب المبدع فى نفق مظلم ، لا يستطيع الخروج منه بسهولة, وشعور الأديب الضاغط بأنه غير مقدّر من مجتمعه .
ويرتبط بهذه الحالة الجانب الخلقى لبعض الأدباء ، فنراهم يسيئون التصرف حينما يمالئون السلطة من أجل حفنة من الجنيهات تسد رمقهم ، أو من أجل الحصول على جائزة ، أومنصب ، فيتحولون إلى كائنات مدجنة تثير الشفقة أكثر مما تثير الاحترام.
كما تلعب الرؤية الخلاقة للسياسيين دورها الواضح فى عملية البعثات ، لأن التلاقح الفكرى ، والاحتكاك بالآخر من خلال البعثات يكون له أكبر الأثر فى عملية التحول فى الأدب ، وقد كان هناك اهتمام كبير بالبعثات إلى الخارج منذ عصر محمد على باشا ، لكن الاهتمام بالبعثات انحسر الآن بصورة واضحة ، مما ساهم بدوره فى إعاقة عملية التحول فى الأدب .
كما تبدو حركة الترجمة ذات خطر بالغ فى هذا السياق . وعلى الرغم من الاهتمام بها من خلال مؤسسات تنهض بعبء الترجمة ، والتعريف بالآخر وإبداعه فإن هذه المؤسسات لم تنهض بدورها على الوجه الأكمل ، وتبدو المكتبة العربية وهى تعانى من نقص حاد نتيجة لذلك .
فالكتب المترجمة التى يصدرها المركز القومى للترجمة مثلا ـ فى مصر ـ غالية جدا ، ولا يستطيع كثير من المبدعين أن يرووا غلّتهم من هذه الكتب ، لضيق ذات يدهم فى الغالب.
كما أن حركة المتابعة لإنتاج الآخر تعانى بطئا واضحا ، ونقصا حادا .
من هنا تبدو معوّقات التحول فى الأدب منها ما ينتمى إلى المبدع ، ومنها ما ينتمى إلى المتلقى الفرد ، ومنها ما ينتمى إلى السياق الاجتماعى .
الأستاذ المساعد بكلية الإعلام جامعة
العلوم والتكنولوجيا