«مع الحب والشراسة» لكلير دوني: العلاقة في واقعيتها ومعاصرتها

حجم الخط
0

تدخل المخرجة الفرنسية كلير دوني في فيلمها الجديد، مساحة لم تكن على شدة تعقيدها، بعيدة عن السينما الفرنسية تحديداً، ثم العالمية. في الفيلم تدخل البطلة في علاقتين متوازيتين، في حب صريح في كلا الجانبين، قبل أن تختار أخيراً، بغير إرادة واضحة، واحداً منهما. أي حديث عن علاقة مزدوجة كهذه تتخذ من فيلم فرانسوا تروفو «جول وجيم» (1962) أساساً مرجعياً لها، أو يحال إليه بذلك لمكانته السينمائية تاريخياً، ولطرحه علاقة ثلاثية بشكل بدا طبيعياً ومنسجماً في ما بين أطراف الحب الثلاثة.
هنا، في فيلم «مع الحب والشراسة» (Avec amour et acharnement) الذي نالت عنه دوني الدب الفضي، وكان لأفضل إخراج، في مهرجان برلين السينمائي هذا العام، لا تكون العلاقة ثلاثية بانسجام أطرافه الثلاثة، بل كانت أكثر معاصرة وأقل رومانسية، ففيلم تروفو تجري أحداثه في القرن الثامن عشر. أما فيلم كلير دوني، فكان بعناصر في الحياة اليومية للزمن الراهن – تجري خلال فترة الجائحة الأخيرة مع كمامات على الوجوه – من مشاكل البطالة والعمل المتفرق، إلى حضانة ولد أمه في بلد آخر ومن عرق آخر، وذلك بالنسبة للرجل الذي يعيش في بيت حبيبته، وهو استديو صغير نسبياً لشخصين، على سطح أحد أبنية باريس، أما هي، فتعمل إذاعية حيث تمضي معظم وقتها، تعود مساء ليخرج هو إلى عمله الليلي، بالكاد يلتقيان، وإن التقيا يحتمل الحديث نهايات متوترة يعكسها نمط حياة مديني ورأسمالي بعيد عن بورجوازية وريفية العلاقات في فيلم تروفو.

الفيلم الذي نزل أخيراً إلى الصالات الفرنسية، يصور لحظات العلاقة بين طرفيها (فانسان لاندون وجولييت بينوش) يبدأ بتصوير عاطفي ومثالي للحب الجامع بينهما، في إجازتهما في البحر، ثم عودتهما إلى بيتهما، بتصوير مديني لباريس، من طرق المترو ومحطاته إلى سطوح المدينة إلى شوارعها، عميقاً في أمكنتها الحقيقية وبعيداً عن التصويرالمتعارف عليه سينمائياً للمدينة، والأشبه بالبطاقات البريدية. تلتقي المرأة بحبيبها السابق، وهو صديق لحبيبها الحالي، يقترح السابق على الحالي العاطل عن العمل، العملَ عنده، بطيب نية يتسبب الحالي بلقاءات بين حبيبته وحبيبها السابق. تبدأ من بعدها حساسيات وأحداث تنخل في العلاقة الحالية للمرأة التي تصرح بأنها تحب كلاً من الرجلين، حباً تاماً.
لم تستعد المخرجة هنا ما كان غائباً منذ تروفو حتى اليوم، فقد تخللت الفترة هذه أفلام عديدة تناولت ازدواجية الحب وتمامه في غالبه، تجاه طرفين، منها «سيزار وروزالي» (1972) للفرنسي كلود سوتيه، وفيه كذلك تلتقي امرأة بحبيبها السابق وتدخل معه في علاقة موازية لتلك التي مع حبيبها الحالي، مع تقاطعات عديدة له مع فيلم هذه المقالة، باختلافات سياقية تتعلق بباريس السبعينيات وباريس اليوم، والظروف المحيطة في كل من الحالتين وتأثيرها في كل منهما. في العام التالي لفيلم سوتيه، نزل فيلم الفرنسي جان أوستاش «الأم والعاهرة» وهو كذلك يدور حول علاقة ثلاثية يكون فيها الرجل متعلقاً بامرأتين، تلاهما إلى اليوم العديد من الأفلام المتفاوتة في جودتها.
الفيلم، وله عنوان عالمي غير الفرنسي هو «حدا الشفرة» ليس في مستوى الفيلمين المذكورين وهما من الكلاسيكيات الممتازة للسينما الفرنسية اليوم. هو أقرب إلى فيلم معاصر قارب الفكرة ذاتها، هو «فيكي، كريستينا، برشلونة» للأمريكي وودي ألن، الذي صور الحالة بنوع من السياحية والرومانسية المنفصلة عن الواقع، بما هو أقرب إلى حكايات فانتازيا لا تعقيدات حياتية فيها، وذلك بمعزل عن الجمالية السردية والبصرية للفيلم. أما فيلم كلير دوني فأبرز ما فيه كان واقعيته، بل طبيعيته، ومعاصرته، دون رتوش وفلاتر للحب الجامع بين امرأة ورجلين، وكذلك الطبيعية في التصوير ما تسبب، غالباً، في منحها جائزة الإخراج.
استعانت دوني بالإضاءة الطبيعية، التصوير في البيت كان في مشاهد كثيرة مظلماً، الكاميرا كانت متحركة دون دواعم، كأن اهتزازاتها تشي بالحالة المسيطرة على طول الفيلم، بما فيها من توتر وشكوك وقلق، من بعد مشاهد الحب الأولية. أداء فانسان وبينوش كان كذلك تلقائياً مع تقطعات في الحوارات والملافظ، كأن الحياة تجري كما هي دون فريق تصوير، وحصل أن وجدت الكاميرا وكانت تصور.
لم تأت كلير دوني بحكاية جديدة، وهو ما يصعب الإتيان به عموماً، لكن الأساس في هذا الفيلم هو أسلوبه وجمالياته الواقعية مقاربةً وتصويراً وأداءً.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية