في سياق تحرير الحداثة لمنهجية القراءة من انغلاق دوائرها الدلالية، وأيضا، في سياق تأكيدها على واقع التعدد النصي الموازي لتعدد جمالية تأويله وتفسيره، خيمت أجواء اللعنة على مسكن المعنى، فأمسى منبوذا من قبل كل قراءة تتحاشى التعرض إلى تهمة وإهانة تموضعها خارج مدار الحداثة، حيث تجاوز الأمر حدود التحذير من مغبة تبني المعنى الأحادي البعد، إلى مستوى تكفير المعنى وتبخيسه، ولقد وجدت العامة المندسة في أوساط العارفين من المفكرين والمبدعين، في هذا الموقف ضالتها المنشودة، كي تتطاول على إشكالية المعنى، بإفراده إفراد البعير الأجرب، حيث أمسى التشهير به بمثابة جواز مرور إلى صالون الحداثة. وفي هذا الإطار سنحاول تقديم بعض الإضاءات حول هذا الموضوع المندرج ضمن اهتماماتنا الجمالية، لسنوات طويلة من البحث والمساءلة، سواء على مستوى الإبداع الشعري والتشكيلي، أو على مستوى المقاربات التنظيرية والتأملية، ذلك أن إشكالية استجلاء المعنى لا يمكن أن تنفصل عن إشكالية طرح السؤال. لأنهما معا متعالقتان، حيث تستدعي كل منهما الأخرى، بغاية تحقيق نوع من التكامل الوظيفي المتبادل بينهما، انسجاما مع القناعات التي يتعزز بها تواصل الكائن مع عوالمه القريبة والبعيدة، باعتباره طارحا للسؤال، وفي الوقت نفسه باعتباره باحثا عن المعنى أو نقيضه. فثمة القناعات المنغلقة على محيطها، الذي تستمد منه دلالة وجودها، بما هو مجال اختبار حقيقي لرهاناتها المتمحورة كلية حول هاجس التفاعل التام والقوي، مع ما يتخلله من اختيارات واقتراحات.
ففي هذه الحالة تحديدا، يكون المعنى هو الأفق المركزي الذي تحرص الذات على استشرافه. أو بالأحرى، الضوء الذي تهتدي به في مسالك هذا المحيط المعتمة، باعتباره غاية ووسيلة، ودليلا مرشدا في آن. فكينونتها مكرسة أساسا لإضفاء معنى واضح على اختيارات معلومة ومعطاة، ضمن الشروط والقوانين المتحكمة في دائرة ذلك المحيط الضيق والمحدود. كما أن مجموع نصوصه المادية واللامادية، الطبيعية والمافوق طبيعية، المدونة والشفاهية، متحركة كانت أو جامدة، هي موجهة بمنطق المعنى الواحد الأحد، الذي لا تروم الذوات المتعقبة غيره من الإبدالات المحتملة، وكل حديث عن اللامعنى هنا، هو في حد ذاته ضرب من المصادرة المتهورة لخصوصيته، حيث يكون المحيط بموجب ذلك، منظورا إليه من نقطة تقع خارجه. أي خارج قوانينه وحيثياته وملابساته. فالكائن يعيش من خلال الحقائق التي تمده به يد المعنى، باعتباره دليله إلى ما يروم بلوغه من غايات، فضلا عن كونه مجموع تلك المسالك المعتمدة في السير بالاتجاه الصحيح، الذي يفترض فيه أن يكون واضحا معلوما ومتفقا عليه.
يكون المعنى هو الأفق المركزي الذي تحرص الذات على استشرافه. أو بالأحرى، الضوء الذي تهتدي به في مسالك هذا المحيط المعتمة، باعتباره غاية ووسيلة، ودليلا مرشدا في آن.
تأسيسا على ذلك، يكون مجال استحضار المعنى، هو مجال استحضار المعلوم، المؤطر بالعرف والعادة، أو مجال استحضار القوانين التي يتم ترسيخها بفعل المعايشة الاختيارية أو القسرية، وأيضا بفعل التكرار والتكيف، فضلا عن فعل القياس المعتمد عند مقاربة المعاني المشتركة المتخللة لشبكة العناصر المتشابهة والمتناظرة. ومن المؤكد أن هذا الاستحضار يكون منطقيا وموضوعيا، كلما دعت إليه ضرورة طارئة في مجرى الحياة العامة، لأن الفضل في تيسير مسطرة التفاعل المجتمعي، يعود أساسا إلى الاستفادة المباشرة من الخدمات المجانية التي لا يبخل المعنى بإسدائها إلينا. وهي مهمة صعبة، تتحقق أهدافها تدريجيا وعلى مراحل، فلا تكون جاهزة بصورة قبلية، بقدر ما تشرع في التشكل التدريجي، من صلب الاصطدام بعائق المجهول، الذي يجسد الرحم الأصلي لتشكل المعنى. ذلك أن كل القضايا الغامضة التي تواجهنا بها الحياة اليومية، يظل فهمها وقفا على شرط مغادرتها لدائرة المجهول، والتحاقها بدائرة المعلوم، كي تكون في متناول فهمنا ووعينا، خاصة حينما يصبح فك لغزها مطلبا ملحا ذا طبيعة عامة، وواجبا مجتمعيا لا يحتمل التأجيل أو التأخير. مع العلم أن الأمر يتعلق بمقامات وأنساق، تتدرج مستوياتها من البسيطة القابلة للاستيعاب العفوي، إلى المستويات التركيبية والتجريدية، التي يقتضي التفاعل معها توافر شرط الاختصاص، كالفيزياء والرياضيات، وغيرها من للحقول المعرفية، ذات البعد التجريبي الخالص. غير أننا وفور مغادرتنا لمحيط وفضاءات المعنى الأحادي البعد، والمقنن بقناعاته العملية، سوف نجد أنفسنا في قلب الوجود الكبير، المنفتح على تخوم اللامتناهي، بكل ما يجوب مداراته وأفلاكه من أجرام وكواكب وحقائق، وخطابات، وجينات دلالية لا حصر لتنوعاتها وتعدداتها. ذلك أن المقيمين في رحابات هذه العوالم، يجدون أنفسهم عرضة لتناثر مجرات دوامية ومتناسلة من المعاني، المشعة تباعا من أجسام تلك الأجرام، ومن أجسام تلك الحقائق والوقائع والأحوال، حيث لا مجال للانكفاء على سر مطلق من أسرار الكون، كما لا مجال للسقوط في شراك معنى ما، يشي بانتمائه إلى شيء، حركة، أو صوت، تتردد أصداؤه على هذه الأرض، أو في رحم أي سماء من تلك السماوات المتعالية. وبالتالي، فإن تخوم اللامتناهي هاته، المتميزة بانفتاحها الكبير على المنسي والمفكر فيه، كما على المرئي واللامرئي، بمجموع ما يمتلكه من أسرار متخفية، سوف تقترح علينا فكرة تقمص روح الخفة، كي نحظى بالتملي الرمزي والنسبي في ما تيسر من معاني تلك الإشارات القزحية التي تلتقطها ملكاتنا، خلال أسفارنا في متاهات ومدائن الوجود الكبير، حيث ليس للمعنى الواحد حق ممارسة سلطته الشمولية علينا، في غمرة الفيض الهادر للدلالات وللمعاني.
إن الوجود الكبير، بكائناته المصطخبة فيه، يتحول إلى نص مؤثث بجغرافياته المجتمعية، وتضاريسه النظرية، وساكنته المتعددة الأجناس والأعراق والأنواع، وكلها عوامل تفرغ إشكالية المعنى من زخمها التقليدي، باعتبار أن الانشغال بالبحث عن المعنى المفرد والمنفرد، سوف يصرف الذات عن جمالية تلقي الإشارات التي تبثها أرخبيلات الوجود الكبير، وهي بالمناسبة مترعة بفيوضات المعاني المتعددة التي يتعذر تطويقها، أو الإلمام بمساراتها وأبعادها، ما يؤدي إلى تراجع أهمية المعنى، وتراجع جدوى مطاردته العبثية، على حساب جدوى الانتشاء بالإقامات العابرة للدلالات الجمع، وللمعاني المتشظية .
هكذا شخصيا، أتمثل إشكالية التعدد اللامتناهي للمعاني التي يزخر بها نص الوجود الكبير، والتي لا قبل للمقاربة بتسييج أي موقع من مواقعها، مادامت الهزات الدلالية المقبلة من كل حدب وصوب، جاهزة للإطاحة بأي سياج يهدف إلى اقتطاع بقعة دلالية محددة من جغرافية النص. ربما بسبب ذلك، يتضخم الحديث عن اللامعنى الذي نعتبره موضوعيا ومنطقيا، في حالة إحالته مجازيا على استحالة حصر فيوضات المعاني وتأطيرها في خانة ثابتة ومغلقة. غير أنه سوف يتحول رأسا، إلى مجرد لغو وهرطقة، فور إحالته على بياض أخرس، مجرد من أي أثر للمعنى أو الدلالة .إن الكائن يسعى دائما إلى المراوحة في ما يعلم، غير أن ما لا يعلمه لا يكف عن التربص به، كي تظل رحلته في الكون رحلة أبدية في رحم المجهول. كما لو أن ما نعلمه ليس في الواقع سوى إطار عام وشامل لما لا نعلمه، أي لما هو بحاجة ملحة إلى شحنة إضافية من مادة المعنى.
٭ شاعر وكاتب من المغرب*