جوبا ـ «القدس العربي»: بعد انطلاقها الإثنين الماضي، في جوبا، تم تأجيل مفاوضات السلام بين «الجبهة الثورية» والحكومة السودانية، بهدف التوصل إلى اتفاق وقف عدائيات شامل، ووضع جداول زمنية، وإطار عام للتفاوض، بسبب تعليق الحركة «الشعبية لتحرير السودان» (بقيادة عبد العزيز الحلو) مشاركتها، متهمة السلطة بتنفيذ هجمات في كردفان، لكن الأخيرة ستعود إلى المفاوضات، اليوم الجمعة.
وأعلن رئيس لجنة الوساطة في ملف السلام السوداني، توت قلواك، الخميس، عودة الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (قيادة الحلو)، إلى التفاوض.
وحسب بيان صادر عن إعلام مجلس السيادة السوداني، فإن «الجلسة الأولى للتفاوض المباشر بين الحكومة ووفد الحركة الشعبية، ستنطلق صباح اليوم الجمعة».
وأشار إلى أن الخلافات التي برزت مؤخرا تم احتواؤها، وأن «عملية السلام بين الأطراف السودانية تسير بخطوات إيجابية نحو غاياتها في تحقيق السلام الشامل في السودان».
«الجبهة الثورية»، التي انخرطت أمس في جولة مفاوضات مع الحكومة، طلبت إرجاء المباحثات المباشرة لمدة أسبوعين، وفق ما أعلنه قلواك.
وقال في تصريحات للصحافيين إنهم سيقومون بالرد على تلك المطالب بعد تحديد أجندة التفاوض والاتفاق على خارطة الطريق.
وكشف نائب رئيس الحركة الشعبية (عقار) ياسر عرمان نائب الأمين العام للجبهة الثورية لـ«القدس العربي» أنه بعد خروجهم من اجتماع مع قلواك في ما يخص مسار المنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق، وافقوا بشكل رئيسي على اعتماد مدينة جوبا مقرا للتفاوض.
وقال «اجتماعاتنا مع الحكومة السودانية ستبحث التوصل لاتفاق وقف عدائيات شامل، ومطالب الحوار والجداول الزمنية».
القيادي في الجبهة الثورية أبو عبيدة الخليفة التعايشي، كبير مفاوضي حركة «تحرير السودان» (بقيادة قيادة مني أركو مناوي)، قال لـ«القدس العربي»: « في ما يخص مسار دارفور، وافقوا على جوبا مقراً للتفاوض».
وعن المطالب التي وضعوها أوضح «طالبنا ببعض المطالب والشروط التي يجب توفيرها، بينها بحث مسائل التفويض من مجلس الأمن والسلم الأفريقي للتفاوض، إلى جانب ضرورة حشد الدعم الدولي، وبحث مستقبل آلية إعمار دارفور بعد السلام، وعودة النازحين واللاجئين، كل ذلك يحتاج إلى شراكة دولية توفر تمويلا للتعويضات، وضمانات تنفيذ الاتفاق بمشاركة المجتمع الدولي».
وحسب كبير وسطاء السلام توت قلواك، فإن «الاجتماعات ستناقش الوصول لاتفاق إطاري يحدد مواضيع التفاوض والجدول الزمني، وصولا لاتفاق يوقع بعدها».
وبين القيادي في «الجبهة الثورية»، سيف الدين عيسى أن «فترة التأجيل اقتضتها ضرورة حشد القيادات السياسية والعسكرية من مناطق سيطرة الحركات المسلحة في الميدان، للمشاركة بفاعلية في قضايا الترتيبات الأمنية، المتعلقة بمستقبل جيوش الجماعات المسلحة، ما بين الدمج والتسريح، وغيرها من الأمور الأمنية».
وشهدت المحادثات غياب أبرز قادة الجبهة الثورية، من بينهم نائب الرئيس مني أركو مناوي، وأيضاً رئيس حركة «تحرير السودان»، إلى جانب الأمين العام جبريل إبراهيم، وهو كذلك رئيس حركة «العدل والمساواة»، الذي حضر الجلسة الافتتاحية، لكنه غادر على نحو مفاجئ أمس الأول.
ووفق تصريحات إبراهيم، فقد «قرر حضور الجلسة الافتتاحية للتفاوض نزولا على رغبة الوسطاء الجنوب سودانيين، ولكنه لن يشترك بشكل شخصي في العملية التفاوضية، وسيترك وفده المفاوض لمتابعة سير الإجراءات التي تسبق التفاوض، ومن بينها تحديد الوسيط والمنبر».
أبلغنا الحكومة تحفظنا
وقال «حددنا 14 الشهر الحالي موعد بداية المفاوضات على أن تنتهي قبل أو في 14 الشهر المقبل، ويبدو أن جوبا فسرت السكوت عن تحديد المنبر والوسيط لصالحها، وبدأت في إرسال الدعوات قبل خمسة أيام، رغم أننا أبلغنا الحكومة السودانية تحفظنا هذا، ومع ذلك حضرنا وتركنا وراءنا وفدا تفاوضيا يتولى معالجة القضايا العالقة حول هذا الأمر».
وكان رئيس المجلس التشريعي للجبهة الثورية التوم هجو، كشف في حديث لـ«القدس العربي»: عن اتفاقهم في الجبهة على تقسيم العملية التفاوضية إلى 5 مسارات تشمل (جنوب كردفان والنيل الأزرق) و(دارفور) و (شرق السودان) و(شمال السودان الأقصى) و(وسط السودان).
والمسار الثاني الخاص بـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» (قيادة عبد العزيز الحلو)، قد شهد تعثرا ملحوظا، بعد قرار الحركة تعليق التفاوض نسبة لخروقات أمنية، وهجمات مسلحة وقعت على مواطنين يعيشون في مناطق سيطرتها.
ولكن رئيس الوفد التفاوضي للحركة الشعبية، عمار أمون، أكد بعد اجتماع شارك فيه رئيس الحركة، عبد العزيز الحلو، بمشاركة قلواك: «الكرة الآن في ملعب الحكومة، نريد منهم قرارا واضحا بسحب القوات الحكومية من المناطق التي سيطرت عليها بعد الهجوم وإطلاق سراح من ألقي القبض عليهم من المواطنين».
وزاد: «مستعدون للعودة للتفاوض بأسرع ما يمكن، حال تنفيذ هذه الشروط».
تهدف إلى التوصل إلى اتفاق وقف عدائيات شامل… وحركة الحلو عادت إلى المشاورات
مصادر نافذة في الوفد الحكومي السوداني، قالت لـ«القدس العربي»، إن الوفد سلم الوساطة ردا مكتوبا على الشروط التي وضعتها الحركة الشعبية للعودة للتفاوض، ويحوي الإجراءات التي قامت بها الحكومة في ما يخص أحداث العنف التي وقعت في منطقة خور الورل في جنوب كردفان».
وأضافت «نحن بدورنا ننتظر تقييمهم للإجراءات التي قمنا بها، وسلمناها لهم، وحال اقتناعهم بها سنستأنف معهم المحادثات، وإذا لم يقتنعوا بها سيكون وقتها لكل حادثة حديث».
وكانت الحكومة السودانية أوفت ببعض الشروط الأربعة الخاصة بـ«الحركة الشعبية» (قيادة الحلو)، عندما قامت بإعلان وقف إطلاق النار الشامل في كل إنحاء السودان، وفق قرار أصدره رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أمس الأول.
واعتبر عضو مجلس السيادة والناطق باسم الوفد التفاوضي، محمد حسن التعايشي، «قرار وقف إطلاق النار دليلا على التزام الحكومة بالسلام كخيار استراتيجي، وليس تكتيكيا».
وبين أن «السودان أمامه فرصة تاريخية لتحقيق سلام شامل وطي صفحة الحرب، كما أن الأحداث التي وقعت مؤخرا بين مجموعات أهلية في منطقة خور الورل في جبال النوبة، لن تؤثر على عملية السلام وسيفتح تحقيق شامل، وستتم وملاحقة الجناة ومحاسبتهم وفق القانون».
وحسب القيادي في «الحركة الشعبية» عمار أمون، ساعدت القوات المسلحة السودانية، أفرادا من بعض بطون قبيلة الحوازمة الرعوية بتخطي مناطق قبيلة الغلفان الزراعية، في المسار الشرقي المختلف حوله.
وبعدها، وفق القيادي نفسه، نصبت قوات «الدعم السريع» مزودة بعربات رباعية الدفع كمينا يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول، في الطريق الذي سلكه المواطنون في (خور الورل)، وقاموا بإلقاء القبض على 13 مواطنا مع بضائعهم، إلى جانب اغتيال الشيخ محمد عبد الفضيل شيخ قرية الزلطاية.
أموم قال»تأكدنا من مشاركة الدعم السريع بعد أسرنا لأحد الجرحى من القوة المهاجمة، وهو يتلقى العلاج الآن في المستشفى الميداني في القاعدة الطبية لقواتنا في مدينة كاودا».
وزاد: «أكد لنا مشاركة قوات الدعم السريع في الهجوم باعتباره أحد أفراد هذه القوة».
«رواية غير صحيحة»
في المقابل، نفت، مصادر نافذة في وزارة الدفاع السودانية من جوبا لـ«القدس العربي» موضحة أن «هذه الرواية غير صحيحة وليس لنا أي وجود عسكري في المنطقة المذكورة».
وزادت: «الهجوم وقع قبل بدء التفاوض يوم 14 أكتوبر/ تشرين الأول، ومعلوماتنا الأكيدة أن الهجوم قام به مواطنون منفلتون، وليس بينهم قوى حكومية، ومع ذلك، نحن قمنا بإدانة الحادث، وتعهدنا بالتحقيق في القضية وتقديم الجناة الذين يثبت تورطهم للمحاكمة».
مبارك أردول، هو من أبناء المنطقة، وناشط ضمن تحالف «الحرية والتغيير» في الخرطوم، قال: «الحادث وقع أثناء وجودي في زيارة للمنطقة في أول أيام التفاوض، وللدقة أكثر قصة الضرب والاعتقالات للتجار الشباب من المنطقة صحيحة، وليس هناك قصف جوي أو طائرات حربية فلا داعي لتهويل الأمور «.
وكانت وسال التواصل الاجتماعي أشارت إلى وجود قصف جوي وهجوم واسع النطاق بالمدفعية، وهو ما نفاه أردول الذي أضاف قائلا «قضية الخلاف الأساسية أهلية، تتعلق بمسارات الرعاة الرحل من الحوازمة والسكان المزارعين من قبائل النوبة، تجري معالجتها في إطارها ولا تتحمل أجندة سياسية، وترجع أسبابها لانتشار السلاح وثقافة العنف في المنطقة، ولعب نظام البشير المخلوع دوراً كبيرافي تغذية النزاع».
وبصرف النظر عن الرواية الصحيحة، فمن الواضح، أن الحركة الشعبية بقيادة الحلو، استفادت سياسيا من هذا الهجوم، رغم عدم ملاءمته لظروف السلام الجارية في جنوب السودان حيث وضعت قضيتها على رأس اهتمام المراقبين المحليين والدوليين ووسائل الإعلام. كما أرسلت رسائل لمناصريها أنها تهتم بمواطنيها الداعمين ويمكن ان توقف التفاوض تضامنا معهم، وهو ما سيكسبها زخما محليا كبيرا وربما عالميا.