إذا تجاهلنا مضمون ما قيل، فقد كانت لبيني غانتس أمس إطلالة تلفزيونية لا بأس بها. فقد بدا مصداقاً، نشطاً، مفعماً بالإيمان بعدالة طريقه. ولو كنا استمعنا إليه بلا صوت، لاعتقدنا إطلالته إطلالة منتصر. تشرتشل يتقلب في قبره. أما عندما نمر على النص، نفهم بأن غانتس أعلن الإفلاس وتصفية الأملاك طوعاً. فهو يتوقع من نتنياهو أن يلتزم بالتوافقات التي تحققت بين الليكود و”أزرق أبيض”! لو لم يكن هذا سخيفاً جداً لأمكن له أن يضحك. نتنياهو، يا سيد غانتس، لم يلتزم قط بأي توافقات. كل توافق عند نتنياهو هو مرحلة أخرى في المفاوضات، تمهيداً للتوافق التالي، وذاك الذي يأتي بعده. كل وعد معد للخرق، وكل مصافحة ستنتهي بطعنة سكين. هذا ليس ما أدعيه أنا بل هي الإحصاءات، والتاريخ، والقبور السياسية لكل من حاول عقد الصفقات مع الرجل. والآن دورك.
أعتقد بل وأعرف بأن دوافع غانتس في السير إلى الوحدة مع نتنياهو كانت دوافع حقيقية. شريكه أيضاً، غابي أشكنازي، مقتنع حتى هذه اللحظة بأن ما تحتاجه إسرائيل الآن هو حكومة وحدة. وإذا كان لا بد من ابتلاع بضع ضفادع من أجل إقامتها فسنبتلعها. وبخلاف كثير من زملائي المحللين، فلست واثقاً بأنهما يرتكبان خطأ مبدئياً؛ لأنه لم تكن بين أيديهما حكومة أقلية، (والفضل لهاوزر وهندل)، والخيار الوحيد الآخر هو انتخابات رابعة، أي الانتحار الجماعي. في وضع الأمور، من الأفضل محاولة الوصول إلى صفقة مع نتنياهو، وتحقق إنجازين: 1. تاريخ نفاد لولاية رئيس الوزراء. 2. إقامة قلعة محصنة حول جهاز القضاء وسلطة القانون.
إذن أين خطأهما، ولماذا تنقص سهام جعبة غانتس ويفرك نتنياهو يديه فرحاً؟ بسبب الطريق. فالعناد الغبي بعدم انتخاب مئير كوهن رئيساً للكنيست يكلف غانتس الآن كل المملكة. فقد أجبر لبيد ويعلون على تفكيك “أزرق أبيض”، وأوقف الخطوة التي خططها افيغدور ليبرمان بعناية وصدق نتنياهو. “كل ما تبقى هو طباعة أربع نسخ وصب كأسي نبيذ” (أقوال قالها غانتس لبضعة أشخاص في ذاك المساء، وكذا في اليوم التالي). غير أن محيط غانتس طرح في حينه تخوفه بأن حكومة الوحدة المستقبلية (ستعلق) مع رئيس كنيست كدي من “يوجد مستقبل”. حسناً، وماذا في ذلك؟ هذه هي الحالة الأسوأ، وليست سيئة. حكومة مع أغلبية ائتلافية مستقرة يمكنها أن تنجو من رئيس كنيست كدي. الحالة السيئة حقاً هي أن يتفكك “أزرق أبيض”، أن يندم بيبي، ألا تتحقق التوافقات، وتبتلع الضفادع، وكذا السمكات النتنة، وفي نهاية اليوم يطرد رئيسا الأركان من المدينة بالعصي ويجرا مغطيين بالزفت والريش. إذن، نحن هناك الآن.
ملاحظة تحذير دائمة: هذا لم ينتهِ، ولم يبدأ بالانتهاء. إذا ما لم يتحقق في أثناء الليل اتفاق، سيعود التكليف إلى الكنيست. لدينا 21 يوماً وليلة من سكرة الأحاسيس، الأحابيل، المؤامرات والمناورات. ولما كان غانتس أجرى لنفسه إبادة قيمة ذاتية شاملة، فإن القرار الآن لدى نتنياهو. تتنبأ له الاستطلاعات بأربعين مقعداً.. هذا مغرٍ. عليه أن يقرر بين سنة ونصف مضمونتين في اليد وأربع سنوات على الجليد.. هو رجل ذكي ويعرف بأن أولمرت دخل إلى حرب لبنان الثانية مع 76 في المئة تأييد وخرج منها مع تأييد العائلة النووية. يعرف أن في حرب لبنان الأولى التي سميت في حينه “سلامة الجليل” كان بيغن وشارون شعبيين جداً في الأسابيع الأولى ولم يكونا على الإطلاق هكذا بعد وقت غير طويل من ذلك (شارون نحي، وبيغن سكب).. وثمة نماذج عديدة أخرى. وهو يفهم أيضاً أن ، موعد الانتخابات الرابعة في تموز – آب، سيكون في صهيون ملايين الإسرائيليين اليائسين، التعبين، الغاضبين والتواقين للثأر من أحد ما. سينظر نتنياهو يساراً ويميناً، سيحاول إلقاء الملف على موشيه بار سيمان توف أو على ليتسمان أو على أحد. ولكن هذا لن يُنجحه (أو ينجح). وعليه، فهو فقط من سيقرر في اللحظة الأخيرة. لماذا؟ لأنه دوماً يقرر في اللحظة الأخيرة.
على ماذا تعلق المفاوضات؟ لا أحد يعرف حقاً. يدّعي الطرفان بأن كل شيء بات متفقاً عليه، ولكن الطرف الآخر يخرب كل شيء. بقدر ما هو معروف، هناك بندان موضع خلاف: الأول، الجدال على لجنة تعيين القضاة، ويوجد لهذا عدة حلول إبداعية. الثاني، طلب نتنياهو المنطقي الذي يقول إن المبنى الفاخر الذي سيقيمه مع غانتس وسيسقطه قرار مفاجئ من محكمة العدل العليا بأن لا يمكن تكليف متهم جنائياً بتشكيل الحكومة، فإن الاتفاق كله سيلغى وسيصار إلى التوجه إلى الانتخابات. برأيي، هذا طلب منطقي. لا يمكن أن نتوقع من نتنياهو أن يحفر قبره السياسي بنفسه. إذا أسقطت محكمة العدل العليا الاتفاق، فمن غير المحتمل أن يكون غانتس رئيس وزراء لثلاث سنوات، بحكم الاتفاق مع نتنياهو. لهذا أيضاً يوجد حل. فلماذا لا يوجد حل في نهاية المطاف؟ الرب لديه الحلول. يمثل الطرفان المحامي ميخائيل رابيلو (نتنياهو) والمحامي آفي ليخت (غانتس). وهما يتحدثان عن طريق برنامج “زوم” الذي يسقط بين الحين والآخر وينهض مرة أخرى. وقد أعلنا أمس عن تفجيرات منضبطة معينة لا يعرف أحد يشرحها حتى هذه اللحظة. ولكن معظم التفجيرات لا تزال أمامنا.
لا يمكن أن ننهي دون كلمة عن النائبة اورلي ليفي أبقسيس، التي تقدمت أمس كبالون طائر. طائر منتفخ بحب الذات. لقد شهدت السياسة الإسرائيلية غير قليل من المناورات اللاذعة وسرقة الأصوات والفرار المدوي والأعمال النذلة المخادعة. يخيل إليّ أنها لم تشهد واحدة ما نفذت صيغة متطورة بهذا القدر دون أن تفقد ذرة من انتفاخها وأهميتها الذاتية. ولما كان الأرشيف مليئاً بالوعود التي صدرت عنها بوتيرة جهاز إطلاق الرصاص الآلي قبل بضعة أسابيع فخيراً تفعل السيدة إذا ما اختبأت في غرفة خفية إلى أن يمر الغضب أو ينسى ناخبوها ما فعلته بهم. ولكنها في هذه الحالة، وبدلاً من ذلك، فإنها تنثر هواء ساخناً في محيطها في ظل الإصرار غير المفهوم على أن تتحول بالبث الحي والمباشر من كاريكاتير إلى خردة.
بقلم: بن كسبيت
معاريف 14/4/2020