غزة ـ «القدس العربي»: رغم حالة التفاؤل الكبيرة التي تحيط هذه المرة مفاوضات التهدئة، التي عقدت في العاصمتين المصرية القاهرة والقطرية الدوحة، واشتملت على حوارات «غير مباشرة» بين حركة حماس ووفد إسرائيلي، إلا أن سياسات الاحتلال التي ترافقت مع انطلاق هذه المفاوضات، ولاءات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، من شأنها أن تنسف هذه الجهود، وتعيد الأمور من جديد إلى مربع الصفر.
وبشكل جلي وأكثر من المرات السابقة، أظهرت حكومة الاحتلال خططها الرامية لإفشال كل محاولات إنهاء الحرب التي دخلت شهرها العاشر.
خطط الإفشال الإسرائيلية
بداية تلك الخطط، كانت عندما سلمت حركة حماس باسم فصائل المقاومة ردا جديدا على مقترحات التهدئة، تخلت فيه عن شرط وقف الحرب الكامل، مع بداية المرحلة الأولى للتهدئة التي تمتد لستة أسابيع، وهو شرط كانت إسرائيل تعتبره سابقا سببا في عدم موافقتها على الهدوء، وقامت قوات الاحتلال بتوسيع هجماتها على حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وارتكاب مجازر دموية عنيفة هناك. ولم يطل الأمر كثيرا، حتى وسعت قوات الاحتلال من هجومها البري على أحياء أخرى في مدينة غزة، لتنذر مع بداية تحديد مواعيد انطلاق مفاوضات التهدئة حيي الدرج والتفاح بالمغادرة، على وقع مجازر وقصف جوي عنيف لم يشهد له مثيل.
ولم يكن هذا التصعيد العسكري فقط هو ما استخدمته حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل لإفشال مساعي التهدئة، والتفاوض أيضا تحت الضغط، على أمل تحقيق كل شروطها الخاصة بالصفقة، والتي لا تشمل وقف الحرب كاملة، فبدأت باجتياح بري لأحياء الرمال وتل الهوا والصيرة، على وقع مجازر دموية استهدفت فيها مربعات سكنية، ودمرت المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وقتلت آخرين خلال الفرار مع التوغل في «ممرات الموت» وهي الشوارع التي حددتها لهم للخروج إلى مناطق شمال المدينة، ومن بينهم أطفال ورجال طاعنون في السن ونساء.
وفي ظل عدم عودة هذه السياسة بأي نتائج خلال المحادثات الاستكشافية قبل انطلاق الجولة الرسمية من المحادثات التي عقدت ما بين القاهرة والدوحة، قامت قوات جيش الاحتلال، بتهديد كل سكان مدينة غزة بالنزوح القسري، وطالبتهم بعد يومين فقط من التوجه إلى شمال المدينة، تركها والخروج من ممرات صعبة إلى مناطق الجنوب، وفي ظل فشل هذه السياسة التي تصدى لها المواطنون هناك، برفض خطة التهجير للجنوب، خاصة بعد قتل الكثير منهم في رحلة النزوح مشيا على الأقدام، وتعذيبهم بالضرب والنهش من الكلاب البوليسية، لجأت قوات الاحتلال إلى حصار مناطق السكن واعتقال السكان أطفالا ونساء ورجالا، وإجبارهم على النزوح، بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي عنيفين أسفرا عن سقوط عشرات الضحايا، ما زال الكثير منهم في الشوارع، من دون أن تتمكن طواقم الإسعاف من الوصول إليهم.
وبدا أن هذا التطور الخطير في الحرب، مرده فرض إسرائيل لكل شروطها ورؤيتها للتهدئة، التي لا تحمل أي التزام بوقف الحرب كاملة، وتنفيذ خطط عسكرية من خلال التدمير الكبير للمنازل، لشق طرق جديدة، وتزيل أي اعتراضات لدخول قواتها البرية إلى القطاع متى شاءت، وهو أمر سيواجه حتما برفض من حركة حماس، ما يعني إفشال الاحتلال لخطط التهدئة، واستمرار الحرب لفترة طويلة.
فشل المخطط
وقد اعتادت إسرائيل على ذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه إشارات سابقة على تطورات إيجابية، أفشلت دولة الاحتلال مفاوضات أجريت في القاهرة والدوحة، بهجمات برية على أحياء غرب غزة ومنطقة الشفاء، وعلى رفح جنوبا وعلى جباليا والزيتون في مناطق الشمال.
غير أن الضغط الإسرائيلي العسكري لم يأت بأي ثمار، خاصة مع رفض سكان غزة النزوح القسري، وإعلانهم التمسك بالبقاء في مناطق الشمال، فيما قال عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران، إن تكثيف العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي من شأنه أن يؤدي إلى تشبث الحركة الفلسطينية بموقفها في جهود الوساطة للتوصل إلى هدنة.
وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران عن تزايد العمليات العسكرية، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي «تحاول الضغط في المفاوضات من خلال تكثيف عمليات القصف والتهجير وارتكاب المجازر».
وأشار معقبا على الهجوم العنيف على غزة إلى أن حكومة الاحتلال تأمل أن تتنازل المقاومة خلال المفاوضات عن مطالبها المشروعة، والتي تشمل وقف إطلاق نار كاملا والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الإسرائيلي من غزة، مؤكدا أن «استمرار المجازر يدفعنا للتمسك بمطالبنا».
الحديث عن تقدم
وهذه المرة عقدت جولات المفاوضات وسط تضارب كبير حول تحقيقها النتائج المرجوة، ففي الوقت الذي يدفع فيه الوسطاء المصريون والقطريون والأمريكيون باتجاه تحقيقها نتائج، من خلال وقف الحرب ودخول المرحلة الأولى التي تشمل عقد صفقة تبادل أسرى، تبدأ بالنساء وكبار السن الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة، مقابل أسرى فلسطينيين، ووسط تسريبات من قادة الجيش والأمن حول دعمهم لهذه الجهود والصيغة المقترحة، إلا أن قادة حكومة الاحتلال، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو ما زالوا يضعون العراقيل، وأظهرت تصريحاتهم أنهم يصممون بأن تلائم هذه التهدئة، مخططهم الذي يقوم على دخول المرحلة الثالثة من الحرب، وهي حصر العمليات الهجومية في مناطق محددة، بدون انسحاب كامل من القطاع، وعدم وجود لحركة حماس في حكم غزة، وعدم موافقتهم على عودة السلطة الفلسطينية أيضا.
وفي تفاصيل المحادثات، كشف النقاب حسب ما أعلن مسؤول أمريكي رفيع مطلع على ما يجري بين إسرائيل وحماس، أنه «تم الاتفاق على الإطار» وأن الطرفين «يتفاوضان الآن على تفاصيل كيفية تنفيذه»
ورغم ما أشيع عن إيجابيات حدثت، إلا أن هذا المسؤول حذر من أنه على الرغم من وجود الإطار، إلا أن الاتفاق النهائي ربما لا يكون قريبًا وأن التفاصيل معقدة وسيستغرق العمل عليها وقتًا.
ما يدور الحديث عنه في هذا الوقت، فإن نص الاتفاق، حسب المسؤول الأمريكي يتحدث عن حل من ثلاث مراحل، أولها سيتم وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع، ستقوم حماس خلاله بإطلاق سراح 33 أسيرة إسرائيلية، بمن فيهم جميع الأسيرات وجميع الرجال فوق سن الخمسين وجميع الجرحى. وستطلق إسرائيل سراح مئات الفلسطينيين من سجونها وتسحب قواتها من المناطق المكتظة بالسكان باتجاه الحدود الشرقية لغزة، وستتدفق المساعدات الإنسانية، وسيتم إصلاح المستشفيات، وستبدأ الفرق في إزالة الأنقاض.
وما جرى كشفه أمريكيا، من دون ان يؤكده أي من الطرفين، فإن كلا من إسرائيل وحماس توافقتا على خطة «الحكم المؤقت» الذي سيبدأ في المرحلة الثانية، حيث لن تحكم حماس أو إسرائيل غزة، على أن يتم توفير الأمن من خلال قوة دربتها الولايات المتحدة ودعمها حلفاء عرب معتدلون، من مجموعة أساسية تضم نحو 2500 من أنصار السلطة الفلسطينية في غزة الذين قامت إسرائيل بالفعل بفحصهم. وقال مسؤول أمريكي إن حماس أبلغت الوسطاء بأنها «مستعدة للتخلي عن السلطة لصالح الحكومة المؤقتة».
ومع اتساع نطاق الأمن في غزة بعد الحرب، تتصور خطة السلام مرحلة ثالثة، مع ما وصفه قرار الأمم المتحدة بأنه «خطة إعادة إعمار متعددة السنوات».
لاءات نتنياهو
وترافق ذلك مع تقارير عبرية كان من بينها «القناة 12» التي قالت إن إسرائيل تطالب أمريكا بضمانات بعدم عودة المسلحين من جنوبي قطاع غزة إلى شمالها ضمن الصفقة مع حماس، وأكدت القناة على وجود موافقة إسرائيلية على الانسحاب من الأماكن المكتظة ومن محور فيلادلفيا، مع ضمانات لمنع تهريب الأسلحة لغزة.
وإلى جانب هذا يتردد أن هناك قضية أخرى لا تزال مكان خلاف، وهي نطاق الفيتو الإسرائيلي على الأسرى الفلسطينيين من ذوي المحكوميات العالية الذين سيتم إطلاق سراحهم كجزء من الصفقة.
ويتردد في هذا الملف أن إسرائيل تطالب الآن باستخدام حق «النقض» على نصف أسماء الأسرى الثقيلين.
وفي ذات الوقت تطلب حركة حماس بعودة السكان إلى شمال القطاع من دون أي تفتيش على الإطلاق، وأن يجري انسحاب جيش الاحتلال من مناطق القطاع.
ورغم الكم الكبير من المعلومات التي خرجت على لسان مصادر أمريكية وأخرى إسرائيلية مطلعة على المحادثات، والتي أشارت لوجود انفراجة في بعض الملفات، إلا أن حركة حماس وحتى نهاية جولة المفاوضات الأخيرة، التي انتهت مساء الخميس، أكدت أن الوسطاء لم يبلغوها حتى الآن بأي جديد بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة. جاء ذلك في بيان أصدرته الحركة، أكدت فيه أن الاحتلال يستمر في «سياسة المماطلة» لكسب الوقت بهدف إفشال هذه الجولة من المفاوضات مثلما فعل في جولات سابقة، وقالت «هذا لا ينطلي على شعبنا ومقاومته».
لكن ما سبق ذلك كله وفي خضم توسيع جيش الاحتلال لعملياته العسكرية الدامية ضد قطاع غزة، وخاصة مدينة غزة، هو ما أعلنه صراحة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بأنه لا يزال يتمسك بلاءاته الثلاث التي من شأنها أن تفشل الجهود الحالية.
وقد خرج نتنياهو في ختام محادثات استمرت على مدار ثلاثة أيام في القاهرة والدوحة وانتهت مساء الخمس الماضي، مع وجود وعود بتجديدها خلال الأيام المقبلة، وشاركت فيها وفود إسرائيلية رفيعة، في خطاب مساء الخميس أكد فيه على أنه في أي اتفاق تهدئة قادم، يجب أن يسمح لإسرائيل باستئناف القتال (بعد انتهاء فترة الهدنة التي سينصّ عليها) حتى تتحقق أهداف الحرب.
وأضاف وهو يضع شروطه «إسرائيل لن تسمح بعودة الإرهابيين المسلّحين أو الأسلحة إلى شمال قطاع غزة» كما واشترط أن يتمّ في المرحلة الأولى من الاتفاق الجاري التفاوض على الإفراج عن أكبر عدد ممكن من الرهائن.
ومضى نتنياهو وهو يضع الشروط الخاصة التي من شأنها ان تنسف أي اتفاق يقول «من باب المسؤولية الوطنية، فإنّ أي مقترح صفقة يجب أن يتيح لنا العودة للقتال» وشدد على أن حكومته ستستمر في حربها على قطاع غزة «حتى تحقيق كافة أهدافها ولو استغرق ذلك وقتا» وقد زعم أن حركة حماس «متمسكة بمطالب تعرض أمن إسرائيل للخطر» وقال وهو يعلن التمسك بخططه لاستمرار الحرب وتصعيدها مستقبلا «الطريق إلى إطلاق سراح مختطفينا هو مواصلة الضغط على حماس بكل ما أوتينا من قوة».
ورغم ما أشيع من تصريحات حول موافقة إسرائيل الانسحاب من ممر فيلادلفيا، وهو خط الحدود الفاصل بين قطاع غزة ومصر، إلا أن نتنياهو أكد أن شرط استمرار سيطرة الجيش على هذا الممر وكذلك معبر رفح، اللذين احتلهما جيشه في بداية ايار/مايو الماضي هو أحد «أربعة مبادئ» طرحتها حكومته في إطار المفاوضات، في حين تشترط حماس من جهتها أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من هذه المنطقة.
أما رئيس أركان جيش الاحتلال هرتسي هاليفي فقال إن نتائج الحرب ستؤثر في الأجيال القادمة، مؤكدا «المواصلة حتى إخضاع وقتل قادة حركة حماس وتدمير البنى التحتية العسكرية» وتابع وهو يتوعد بالتصعيد واستمرار الحرب «سنواصل حتى يتم إخضاع العدو وقتل قادة حركة حماس وتدمير البنى التحتية العسكرية، ولن نتوقف حتى إعادة المختطفين والمواطنين بأمان إلى بيوتهم».
أما وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، فقد طالب مع بدء المفاوضات حول التهدئة، والتي أعلن رفضها في البداية، أن على الجيش السيطرة العملياتية على قطاع غزة لسنوات عديدة، وقال «يجب ألا نترك غزة حتى لو استغرق الأمر أيضا 100 سنة، حتى يعود آخر المختطفين إلى الوطن حيًا أو ميتا» وتابع وهو يدعو لاستمرار الحرب والاحتلال أن ذلك لن يتم «دون استيطان (يهودي) مدني بالقطاع».
مطالب المقاومة
ولذلك أكد عضو المكتب السياسي لحركة حماس عزت الرشق، وهو يرد على لاءات نتنياهو «محاولات نتنياهو المحمومة لإضافة عناوين ومطالب جديدة، لم ترد في كل المقترحات السابقة المتداولة مع الوسطاء يؤكد أنه ما زال يتلكأ ويماطل ويبحث عما يعطل الاتفاق».
وبسبب هذا التشدد، نقل عن مصدر في حماس قوله إن حماس ترى أن إسرائيل تحاول إخراج المفاوضات عن مسارها، وذلك في ضوء التهديد الإسرائيلي لسكان غزة وفي ضوء قيام إسرائيل بإجبارهم على الإخلاء إلى جنوب قطاع غزة، كما أكد المصدر أن حماس ترى أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح، في ظل محاولات إسرائيل «فرض الحقائق بالقوة».
وقد أكدت حركة حماس تمسكها بوقف الحرب وانسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة، في أي صفقة تهدئة قادمة، وهي أمور لم تعلن دولة الاحتلال عن الالتزام بها، ما يصعب مهمة التفاوض الجارية، ويجعل فرص الفشل تساوي فرص النجاح.
وكان نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي، كان قد أكد أن الرد الذي تسلمه الوسطاء يمثل موقف المقاومة بعد التوافق عليه، وأضاف «هناك حالة توافق بين فصائل المقاومة والرد الذي تسلمه الوسطاء يمثل موقف المقاومة بعد التوافق عليه» لافتا إلى أن المقاومة قدمت أفكاراً حول القضايا العالقة بما لا يتعارض مع الأهداف الأساسية المتمثلة بوقف العدوان والانسحاب الكامل من قطاع غزة.
ولذلك فقد قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، إنه لا تزال هناك «أميال يجب قطعها قبل أن نضع اللمسات النهائية، إذا كنا قادرين على وضعها» وأشار وهو يتحدث عن صعوبة المفاوضات «لا أريد أن أقول أن الأمر بات وشيكا».
كما أعرب مستشار الاتصالات الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي عن «تفاؤل حذر» بشأن محادثات وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وجاء ذلك في وقت توقع فيه محللون أن تدوم الاتصالات الهادفة للتوصل إلى تهدئة لوقف طويل، وأن تواجه صعوبة كبيرة.