تأتي القصص في مجموعة سمير فوزي «مفترق طرق» مشدودة للحياة وألاعيبها وقوانينها، ومتغيراتها من جيل إلى آخر. فالقصص وثيقة الصلة بالمراقبة والمعاينة والتأمل لحجم المتغيرات التي تصيب الكائن البشري، وتمارس تأثيرها في المختزن والمؤسس من القيم والنظم الأخلاقية التي تتغيّر وتتبدل بفعل قوانين الحياة وطبيعتها. فالقصص تركز على أبطال يقتربون من حافة النهاية، ولهذا هم منفتحون على ماضيهم أكثر من انفتاحهم وارتباطهم بالآني، فالقصص تقارب برهافة لافتة جيلا يقارب الحياة وهو منطوّ على نفسه، يقارب لحظته الآنية في ابتعاد أفراده عن الفاعلية والتأثير.
فشخصيات هذه القصص (الأبطال والهامشيون) متجذرون في مساحة عمرية قريبة من النهاية، وكأن القصص مهمومة بالتوجيه نحو الإشارة إلى قيمة هذا الجيل الذي مارس أفراده حياة بالغة الصعوبة في سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية. هي كتابة تنتصر لقدرتهم على الحياة، والاستمرار بها بالرغم من وجود معوقات كثيرة، نجد أثرها في السياقات الكاشفة عن المرض والغربة، لأنهم في أغلب الأحيان يعاينون آنيا حياة مختلفة يفرقون منها، لأنها تستند إلى قيم مغايرة، تتدثّر بالنفعي واللحظي والاستهلاكي، في مقابل توجهات سابقة مملوءة بقيم مغايرة متناقضة، ولهذا نجد معظم هذه الشخصيات متجذرة ومتشبثة بقيم الماضي، وتؤسسه في إطار متناقض للحظتها الآنية.
شخصيات هذه القصص أو أبطالها في الغالب مقموعون بسلطات متجذرة، وقناعات تقتل فيهم القدرة على المجازفة أو المغايرة، أو التحرك بعيدا عن سلطة الأنساق الضاغطة، هي شخصيات منمطة داخل حدود القوالب الجاهزة، وتكتسب قيمتها من عاديتها، ووقوفها عند حدود المعاينة دون وجود قدرة على تخطي تلك المعاينة إلى الفعل. في قصص المجموعة هناك محاولة بكائية تطارد البراءة الأولى التي يتمّ فقدها بالتدريج نتيجة للنزال والعراك مع الحياة، ومن خلال هذا النزال يفقد الإنسان منطلقاته، ويفقد جزءا من هويته الوجودية في مقاربة العالم، ولا يتعرف على نفسه.
تشكيل الأنساق
المدخل الأكثر أهمية في مجموعة فوزي يرتبط بمعاينة وتأمل الماضي، والمقارنة بينه وبين الآني في ظل حركة التغيير الفاعلة للأنساق الموجهة لحركة البشر ونمط تعاملهم، ولهذا يطل الآني بشكل يجعل الشخصيات محور الاهتمام تفرق منه، مستغرقة مع ماضيها ومتساوقة مع حدوده. وتستند قصص المجموعة نتيجة لذلك على الآليات الفنية الكاشفة عن تشكيل هذا التوزّع والمقارنة بين نسقي الماضي والحاضر، مثل الارتدادات أو تيار الوعي أو الحلم، لأن كل هذه الآليات وثيقة الصلة باستحضار عوالم غائبة أو لحظات ماضية، لتكشف عن قيمتها وحضورها وأثرها في مواجهة الشخصيات للآني، أو طبيعة تكوّن الشخصيات، فهذه الآليات تكمل ما في النص القصصي من نقصان وانقطاع نابعين من الخصوصية النوعية لفن القصة القصيرة.
فهذه الارتدادات أو الوقفات من خلال تيار الوعي تمارس دورها في الكشف عن طبيعة البطل في إكمال الجزئيات الناقصة، فمن خلال هذه الآلية الذي تمارسه الشخصية في قصة (عيادة رمد) يكتشف القارئ طبيعة هذه الشخصية المباينة لطبيعة المرأة التي وجدها بالعيادة، وذكرته بماض بعيد تكشف عنه هذه الارتجاعات السردية، وتضع كل واحد منهما على طرفي نقيض. فالتقدم الزمني أو توزّع اللحظة الزمنية بين الماضي والآني في كثير من القصص يصبح المحرّك في خلق اختلافات الأنساق، وتحوّل الوظائف التي تؤديها الشخصيات من سياق إلى آخر، ليعاد تجذيرها في نسق جديد. وهذا النسق الجديد يشير إلى السكون وانتهاء الدور، ليصبح مثل الإصبع الزائدة بالكفّ على نحو ما تشير واحدة قصص المجموعة.
القصص في المجموعة كاشفة عن إيقاع الشيخوخة، وراصدة للفقدان التدريجي للقوة والفاعلية، وترصد أيضا في وقوفها عند هذا الفقدان تلاشي نمط أو نسق من القيم ظلت الشخصيات في بعض القصص تجاهد للمحافظة عليه. ففي قصة (مفترق طرق) – وهي القصة التي تمثل المرتكز الضوئي الكاشف عن المجموعة – لا يقدم فوزي الحدث في القصة في رصده للتباينات بين نسقين متقابلين في المساحة العمرية والقيم، بطريقة تكشف عن المفاجأة أو صعوبة النقلة التي تتطلب وقوفا للمعاينة، لكنه يؤسس بنيته السردية في إطار من التوجيه الجزئي، ويولد هذه الحالة من خلال إشارات ورموز بسيطة، يتمّ الوعي بها أثناء القراءة، فتتجاوب الدلالات التي توجه عملية القراءة والوعي بالنص.
فاختلاف نسق القيم بين عالمين ينطوي على قناعات وأسس لمقاربة الحياة والوجود، فبيع بيت الأب في منطق النسق الذي يمثله الأب يعدّ مخالفا لنسق القيم وللقناعات المتجذرة لدى أفراده، أما لدى أفراد جيل الأبناء، فهو يتشكل وفق المنطق الاستهلاكي القائم على المنفعة والربح والخسارة. ويتجاوب التلميذ وأبناء البطل في تأكيد هذا المنحى الكاشف عن طبيعة الجيل، ونسقه القيمي، في الموافقة على بيع بيت الأب لمالكة سيئة السمعة، وهي مالكة -من خلال الإشارات المتجاوبة مع حضورها الخاصة بغياب الذوق في اختيار الجماليات- تعبر عن سطوة النسق الرأسمالي الاستهلاكي.
وتكشف بعض قصص المجموعة عن أن التحول في نسق القيم كان كبيرا، لدرجة أن أية محاولة للوصول إلى الصورة البدائية الأولى سوف تكون نتيجتها الفشل، لصعوبة تحقيق ذلك. ففي قصة (صورة جماعية) تتأسس المفارقة بين الصورة في زمنها الماضي وطبيعة الشخصيات ومن بينها البطل في اللحظة الآنية، فعدم القدرة على الوصول إلى تحديد نفسه في هذه الصورة المنتمية للماضي يشير إلى عمق التحوّل وطبيعته في إسدال التغييرات. فالبشر في نزالهم وعراكهم مع الواقع يفقدون بالتدريج ملامحهم الأولى، تحت سطوة الواقع، وفي فقدهم لملامح قديمة، واكتسابهم سمات جديدة، تتولّد إشارة إلى حجم التغير، وعدم المعرفة يشير إلى الوجود البدائي أو المثالي الفطري.
الإيهام ومنطق الكشف
يشكل الإيهام عنصرا فاعلا في كثير من قصص المجموعة، بحيث يصبح سمة عامة، ويتولد الإيهام من وجود مرشدات للشيء ونقيضه في الآن ذاته، فيبدو أحدهما في تضاد وتقابل مع الآخر، فإذا كان هناك شيء يتم التأسيس له فإن هناك أشياء تهشم هذا التأسيس وتنفيه. ففي قصة (عيادة رمد) هناك بناء لماض يحاول النص القصصي التأسيس له، من خلال ذكر الأسماء سواء للبطل أو للبطلة، أو من خلال الإشارة إلى حوادث وارتباط دائمين، أو من خلال إثبات حضوره وتأثيره في مساحة تشابه شكلي بين البطلة وابنة البطل، وهذا التشابه غير المنطقي يوجه القصة نحو قراءة تأويلية جديدة.
وفي حضور هذا الخطاب الذي يحاول البطل تأسيسه من خلال فعل التكلم وأسانيده المنثالة، يتأسس حضور مضاد يكشف عن غياب التواصل السابق ويؤسس لانفصال آني، يتمثل في نفي كل ما يحاول إثباته، أو على الأقل التشكيك في مشروعيته، من خلال فعل عدم الانتباه أو التذكر، وكأن هذا التأسيس الخاص بالجمع بينهما من خلال قصة حب قديمة أصبح محل شك وليس حقيقيا، وخاصة مع جزئيات تحقق فعل التذكر، مثل الجلوس في المواجهة، أو ذكر الاسم بصوت عال، أو المتابعة حتى باب السيارة، ولكن كل ذلك لم يؤد إلى شيء باستثناء اللقطة الأخيرة في التفاتها إليه قبل ركوبها السيارة.
ويتجاوب مع هذا الإيهام نوع من التواطؤ المصحوب بالوعي الداخلي بطبيعة المرحلة، وتغيير الأدوار بين الرجل والمرأة في قصة (حبل تائك)، ونوعية الكفيل والمكفول، مما يوجهنا نحو النوع أو الجنس الثقافي بدلا من الجنس البيولوجي. وفي ظل ذلك تتآزر مجموعة من التقابلات الخاصة بكل قسيم في إطار هذا التحول وتبادل الأدوار. فالرجل- الكفيل في الأصل- يتحوّل إلى مكفول، والمرأة أو الزوجة المكفولة في ظل النسق المهيمن الموروث، تتحوّل إلى كفيل بالإضافة إلى الفاعلية والتحكم وإصدار الأوامر. ويتجاوب مع ما سبق الثبات في مقابل الحركة، والتواري في مقابل الظهور.
في كثير من قصص المجموعة تتأسس النهاية بوصفها اختيارا لمنحى دلالي يرتبط بلحظة التنوير في القصة. فإذا كان سمير فوزي في معظم قصصه يؤسس للحدث المحوري تدريجيا فإنه يجيد بناء قصصه انطلاقا من لقطة النهاية، وتعالقها اللافت مع عنوان القصة. فالنهاية في معظم القصص هي التي تجعل المتلقي يعيد التفكير في القصة، وفي بنائها. فعنوان قصته (حجرة مظلمة) لن يتجلى وجوده في القصة إلا مع لقطة النهاية، وكذلك التوجيهات الجزئية التي يمارسها النص وتأتي بشكل متجاوب أو متقابل، لن يتجلى تجاوبها أو تقابلها إلا مع تلك اللحظة.
ففي هذه القصة هناك مرشدات توجيهية تتكاتف فيما بينها للوصول إلى النهاية المتوقعة، وهي موت الطيّار ضياء سعد المتولي الذي خاض حربين منتصرا ومنهزما، بداية من الغياب، ومرورا بتغيير النسق اليومي لحركته المعتادة، وانتهاء بحديث الطيار مع نفسه باستحضاره لشخصيات من عائلته وأصدقائه قتلا للوحدة. في سبيل انتظار هذه النهاية التي يؤكدها قوله إلى البوّاب سويلم في واحد من حواراته في منتصف القصة: (يتهيأ لي يا سويلم أني أكبر واحد في العمارة، يعني المرشح الأول للموت). ولكن لقطة النهاية تشكل المفارقة الأساسية في القصة، فينتفي الإيهام.
في قصص فوزي لا تكتسب المناحي التأويلية شيئا من صلابتها إلا في لحظة الختام أو مع قفلة النهاية، في كثير من قصص المجموعة غالبا ما يتمّ التوجيه بداية من العنوان الموضوع للقصة، وذلك من خلال الانطباعات أو التأويلات التي تتشكل في حدود الحدث والبنية اللغوية، ويظل القارئ أثناء القراءة مشدودا للبحث عن أسس كاشفة وأسانيد دالة على مشروعية الحركة والاختيار لتأويل ما، ليتحوّل إلى بؤرة دلالية تتشابك عندها الخيوط والبنيات، بحيث تصبح هذه البؤرة جامعة لكافة التصورات الدلالية في تلقي القصة، مثل اهتزاز اللافتة التي تحمل اسم الأب واسم الشارع، ويصبح ذلك سببا لإعادة القراءة، وإعطاء الشخصية المقابلة (حسين) مساحة مهمة في تشكيل تواز وتقابل بين نسقين، يذهب أحدهما بالرغم من حضوره الكبير في النص السردي إلى التلاشي والنسيان.
فمعاينة القصة بشخوصها مع التركيز على البطل/ الراوي تجعلنا ندرك أن مساحة الفقد للقديم والفطري في مقابل التجريبي المرتبط باكتساب هيئات جديدة تبعده عن التجلي القديم. والبعد عن الفطري تجلّى وفق منعطفات ثلاث كما ألمحت القصة، منها اعتداؤه على عميلة بمكتبه للمحاماة، واعتداؤه على شقيقة صديقه، ووشايته بصديقه لاعب الكرة، وهي كلها انعطافات تفتح الأفق للتحولات ولتهشيم الصورة الفطرية وتغييب ملامحها وإطاراتها، ومؤشرات تضع المتلقي وجها لوجه في الانحياز والاختيار لتأويل دون آخر، تأويل يفترض أن عدم القدرة على تحديد الصورة القديمة إشارة إلى البراءة أو الفطرة التي تآكلت وتلاشت بفعل النزال.
سمير فوزي: «مفترق طرق»
الناشر للنشر والتوزيع، القاهرة 2023
102 صفحة.