بيروت ـ «القدس العربي»: تحتشد أفلام ميشال خليفي بمعاني ودلالات خصبة. رائد السينما الفلسطينية في الأراضي المحتلّة متّع عيوننا بناس فلسطين الصامدين، بأرضها، وبيوتها العتيقة، وبياراتها، وأحلام ناسها. طال انتظار تلك الصور والمشاهد فجاء فيلم «الذاكرة الخصبة» سنة 1980 كباكورة لخليفي، يحكي «الناس الناطرين» وكفاحهم اليومي مع الاحتلال ومع مجتمعهم. ويحكي بلسان بطلة الفيلم «الحق حق» و«بديش أبيع أرضي لو بدي أموت».
أفلام ميشال خليفي تُعطي المرأة الفلسطينية مساحة تعبير كبيرة. تربطها برمزية غير مباشرة بالأرض والوطن والأمومة. تنقل صورتها كمقاومة لكافة صنوف القهر التي سببها الاحتلال الاستعماري. وكذلك صراعها الدائم مع مجتمع أبوي ذكوري يثابر على التمسك بإرثه وتقاليده. ميشال خليفي صوّر أفلامه بعيون الحب. حب يشرب رحيق فلسطين. وفي لبنان حين رافق أفلامه التي عُرضت في بعض من مخيمات اللجوء بدعوة من نادي لكل الناس، استمد الطاقة من الشباب ومن أسئلتهم، وكيفية مقاربتهم للسينما الفلسطينية، ووطنهم المنشود.
هنا حوار مع ميشال خليفي:
○ كيف حال الناصرة؟
•بالحقيقة لم أزرها منذ أربع سنوات، وكوفيد كان سبباً. زرتها مؤخراً بداع عائلي لأسبوع فقط. أحتاج لأكون فيها طويلاً، إنما الحال ليس هو الحال في العالم أجمع.
○ لندخل إلى لغتنا السينمائية حيث تؤمن بقدرتها على حمل قضيتنا إلى العالم. كم تطورت هذه اللغة مع الأجيال الجديدة من المخرجين؟
•لسنا بصدد مسألة التطور بقدر ما أرى ضرورة للتراكم الذي يؤدي إلى تحقيق التعددية. للتعددية فعلها. الحكم على مخرج أو مخرجة، شاب أم شابة، طالب أم طالبة ليس ممكنناً دون أخذ التراكمية بالاعتبار. التراكمية بدأت، بتنا نرى صوراً لم نكن نراها سابقاً. إنما لسنا حيال صيغة تقول بأن لهذا أو ذاك لغة. إنما نحن حيال براعم جميلة.
○ المتابعة المتيسرة للسينما الفلسطينية تفيد بالتصاقها بتفاصيل حياة الناس ومصاعبهم مع الاحتلال. هل لهذه اللغة مخاطبة عقل الآخر؟
•مفردات اللغة السينمائية الفلسطينية باتت تتكامل بالتدريج. والمهم فيها بوادر التعددية التي علينا احترامها كما هي. فلا مشكلة أن لا يشبهني أحد، أو لا أشبه أحداً. يبقى على المؤرخ لهذه السينما أن يبحث بمن ساهم بأن تصبح التراكمية إبداعية. مشكلتنا كمخرجين فلسطينيين أن لا سوق لأفلامنا. والسبب أن مجتمعنا «مْكَسّر» على الصعيد العربي ككل. فكم من صالة كانت تضم منطقة الحمرا في بيروت سابقاً؟ بات على المخرج أن يشحد قاعة.
○ انتقلت الصالات إلى المولات وبات علينا القبول بهذه الأمكنة الحديثة؟
•لماذا نقبل أو نرفض؟ ليدخل كل إنسان في مغامرته. الإبداع مغامرة. إذا تناولنا الأمر لجهة الإبداع الفني والسياسي على الصعيد الاستراتيجي، نرى أن العرب قد نسوا الإبداع. الإبداع وحده يُخلصنا من «البرادوكس» الذي وضعتنا فيه الامبريالية. علينا البحث في كيفية الخروج من هذه السيطرة التي تطوقنا.
○ بحث في بعض أرشيفك أفضى إلى أن «عرس الجليل» محطة مشرقة في حرفتك. هل هو كما الطفل الأول رغم أن «الذاكرة الخصبة» سبقته؟
•إنه التجربة الروائية الأولى. وفي اللغة السينمائية اخترت البناء الدرامي المنطلق من نظريات أرسطو والتي تشكل أساساً للسينما الأمريكية. في «عرس الجليل» اعتمدت الخط الدرامي وفق الطريقة الكلاسيكية. وحلّ الزمان والمكان كبديل عن الخط الدرامي. الزمان والمكان أخذاني إلى زوايا كانت مجهولة.
○ وما هي تلك الزوايا المجهولة؟
•إنها الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني. تلك الحياة هي الأكثر قدرة على منح الرونق والبعد الإنساني، وهو ما سعت الصهيونية لإلغائه تماماً. حتى اليوم لا تعترف بنا الصهيونية كمجموعة داخل الإنسانية. على سبيل المثال المظاهرات التي تعمّ الكيان منذ أسابيع يغيب عنها الفلسطيني تماماً. وبرأي هذا يحمل في مرحلتنا الحاضرة معنى مخيفا.
○ الذاكرة حاضرة وهذا مهم وفي فيلم «معلول تحتفل بدمارها» صارت اللوحة التشكيلية أثراً صامداً وابدياً؟
•»معلول» فيلم أحبه كثيراً، وهو يُطلب للعرض إلى حينه. من الصعب محو الذاكرة. علينا أن لا نقلق مهما كانت المحاولات. علينا أن لا نقلق من كافة التجارب الممكنة، الفكر لا يتقدّم بدون التجارب.
○ فشلت المراهنة الصهيونية في محو ذاكرتنا برأيك؟
•حتماً فشلت. نحن نخترع نوعاً من القوة للصهيونية لنخيف ذاتنا. قال ماوتسيتونغ عن الامبريالية بأنها أسود من ورق، والصهيونية رافد منها. قوة إسرائيل أتت من ضعفنا، وضعفنا ناتج عن تكبيل الفرد ومنع الحرية التامة عنه. الحرية هي التي تنتج أفراداً مبدعين ومنتجين ينقلوننا من العلاقة مع الماضي إلى علاقة مع المستقبل. علينا أن نعرف بأن الحرية لا توجع، ولا تقتل.
○ انما الحُكّام في بلداننا يخافونها؟
•يسعون لحماية «الرزقة» وتقاسم رأس المال لا يريدون مشاركة فيه.
○ في «عرس الجليل» يقول الحاكم العسكري للأب «لن تستطيعوا أن تفرحوا دون موافقتي». منذ ذاك العرس وإلى الآن ماذا تبدّل؟
•هو مثال لما هو حاصل الآن من تطبيع مع إسرائيل من الخليج إلى المغرب، يعترفون بإسرائيل ليتمكنوا من الفرح بذاتهم ومالهم. وفي «عرس الجليل» يُضطر المختار وهو والد العريس للبحث عن صيغة للعرس لكنه يفشل. الخشية من يحدث لأجيال المطبعين المقبلة ما حدث لإبن المختار في «عرس الجليل».
○ ليس للفلسطيني أن يتجاوز حضور الاحتلال ولو بالخيال؟
•نحن لدينا حظ مواجهة إسرائيل القوة المعاصرة للامبريالية وهي المتصدرة في التكنولوجيا والسلاح وغير ذلك. وأنا في أوروبا أسألهم دائماً كيف تُجنّد الإمبراطورية العُظمى الولايات المتحدة كامل قوتها كي تُحقق هزيمة الفلسطنيين أمام الصهيونية؟ يجب أن ينتبه المفكرين الفلسطينيين لماذا جندت تلك الامبراطورية كامل جهودها لإلغاء وجودنا؟ نحن كبشر غير موجودين. صُراخنا هو الموجود وعملنا المقاوم. حتى على صعيد الإنسانية وضعونا جانباً.
○ كم تحمّست حين أنجزت «الذاكرة الخصبة» لتقديم المزيد من الأفلام ومزيد من الأحلام؟
•كنت حينها في عمر 29 سنة، الحماس والأحلام ما زالا قائمين. معروف أن الإنسان الثوري مسكين، لكنّه ميلياردير في الأحلام. نحن محاطون بجهل كبير، وعلينا تحمّل عديد من البشر مشهود لهم بمحدودية الفكر، وينصبّون ذاتهم قادة علينا. عملت وحيداً كمخرج فلسطيني منذ أواخر السبعينيات وإلى منتصف التسعينيات. ومن بداية التسعينيات بدأت التغيرات تخط طريقها. «الذاكرة الخصبة» و«عرس الجليل» و«نشيد الحجر» أفلام عرضتها وحيداً في كافة مهرجانات العالم. وكذلك حال «حكاية الجواهر الثلاث». وتالياً تعرّضت لحروب كثيرة ومتعددة.
○ من الأهل والأعداء؟
•بالضبط. وكما نقطة الماء تثابر بالنزول على الحجر حتى تفعل فعلها وتثقبه. بالنهاية أنا إنسان.
○ وهل أنت حزين؟
•بالطبع. أمتلك مشاريع في غاية الجمال لفلسطين، وقدرتي على العطاء ما زالت كبيرة.
○ وكم أنت مهتم الآن؟
•تمّ وضعنا حيال معادلة واحدة إما السير وفق مسار الثلم، أو لا نكون. لكني إنسان حر لا يؤطر. واجهني الجهل والتعصب الديني وغيره. ما من سلطة تتحمّل وجهة نظر تخالفها. نحن مجتمع محافظ للغاية. بعضهم يخشى الحديث عن «عرس الجليل» وحتى القول إنهم شاهدوه.
○ والسبب مشهد العارية؟
•مثلاً. وبعد الجهد والإبداع في هذا العمل وجدتني أفكر بطريقة أخرى. إعادة النظر ضرورية بعد أن أصبحنا في وسط متشدد في مقاربته للأمور ومسائل الحياة جميعها.
○ تتمسك بقناعات تحرير الإنسان كبداية لمعاركنا الأساسية. هل تنتظر فلسطين حتى نحقق هذا الهدف؟ وهل نجمّد عرين الأسود مثلا؟
•هذا جزء من النضال وليس جميعه. ما أقصده أن ما أقدّمه في السينما لا يلغي وجود الآخرين بل يساعد على تأكيده. عندما أقول عملي فلا أعنى نفسي وحدها بل كل مبدع في مجاله.
8هل كانت افلامك تواجه صعوبات إنتاجية؟
•لم يكن الإنتاج مشكلة بقدر ما كان عرض الأفلام هو المعضلة. كانت المهرجانات ولا تزال الباب المفتوح لعرض أفلامنا. وهذا لا يشبع طموح المخرج.
○ جولتك في لبنان ركّزت بشكل اساسي على عرض أفلامك ومناقشتها في المخيمات. ماذ قالت لك هذه الزيارات؟
•لاحظت بأن الشباب الذين تسنى لهم مشاهدة الأفلام، استوعبوا تماماً الاختلاف بين تفكير جيلنا وجيلهم فيما يخص القضية الفلسطينية. قالت صبية من مخيم البدّاوي شمال لبنان خلال الحوار «قليلاً ما نشاهد أفلاماً كما أفلامك تحكي عنّا كشعب. والحالات التي شاهدناها نعرفها ونعيشها يومياً مع فلسطين». اكتشفت نقلة نوعية رائعة حققها الجيل الجديد. وهذا ما أعاد تأكيد أهمية السينما، عبر بناء خط تدريسي داخل المخيمات، وعلى أسس عالية تخاطب مستوى هؤلاء الشباب الذين ألتقيتهم.
○ بعد الجولة والمستوى المتقدّم لشباب المخيمات هل ستبحث ببرنامج تدريسي تعمل شخصياً لتأمين دعم أوروبي له؟
•يمكننا الحصول على دعم عربي وليس بالضرورة أوروبي. بالتأكيد، وهذا ضروري. المساهمة بتنظيم دورات تعليمية تبدأ من النظري، وتستمر إلى تكوين فكر إبداعي حاضراً ومستقبلاً لدى هؤلاء الأجيال.
○ وهل وجدت رغبة بالمعرفة السينمائية لدى هؤلاء الشباب؟
•يمكننا بناء هذه الرغبة لديهم. المهم الاتفاق على نظرة مستقبلية يحتاجها الجيل الموجود في المخيمات بحيث ينتقل إلى حركة تغذي فكره وأهدافه، بدل استمرار الالتصاق بالماضي الذي يعجز عن تحريك الحاضر.
○ كيف تشغل أيامك في بروكسل؟
•أكتب سيناريوهات. إبني نائل صار مخرجاً وباتت لديه أفلام، وشارك مؤخراً في مهرجان أفلام بلجيكي. تشغله كمخرج بشكل عام الهجرة وما ينتج عنها من مشاكل. وطفلته إليس تشغلني طوال الوقت. نائل وثيق الصلة بوطنه فلسطين، وحتى طفلته حملت في إحدى المظاهرات المناهضة للصهيونية في بروكسل يافطة تقول «والفلافل كما إلنا». وهي بعمر 11 سنة.