مع أن ريبكا روث غولد تعمل في ورشة جامعة برمنغهام للحضارة الإسلامية والأدب المقارن، أعتقد أن اختصاصها الفعلي هو أدب الثورات والمتمردين في صدر الإسلام وما بعده. وأهم مشروعين لها وهما: «شعر السجون في الأدب الفارسي» 2021 و»أدباء وثوار» 2016 تناولا بدرجة كافية من الشمولية والإحاطة ظواهر الثورة المسلحة في القوقاز، وأشكال التمرد المدني في إيران طوال قرنين أو ثلاثة قرون (ما بين العاشر والثاني عشر بعد الميلاد). وكذلك هو شأن مجمل بحوثها المتفرقة عن الفلسفة الأدبية عند عرب ومسلمي العصور الوسطى، وبشكل خاص أئمة التفكير الواقعي والتجربيبي، وفي مقدمتهم الثنائي ابن رشد (1126 – 1198) وابن سينا (980 – 1037).
وتذكرنا غولد بأن ابن رشد كان قد خرج على تقاليد أرسطو في قراءة الدراما الأدبية (موزعة بين ملهاة ومأساة)، وأراد عمدا أن يقرأ الدراما على أنها شعر (موزع بين مديح وذم). وتجد في هذه البادرة، ليس نوعا من التحدي لأستطيقا أرسطو، بل أيضا نوعا من التنافس والتحدي لترجمات ابن سينا. وتعزو ذلك لتراكم الخبرات الفنية عند ابن رشد ولخروجه عن المألوف، وإعادة تركيب النقد الأدبي بطريقة نوعية وذاتية. لكنها لا تذكر أن وراء الدراما عند اليونان تراثا هائلا من تعدد الآلهة وتوزع الاختصاصات، سواء بالخلق والتكوين أو تحديد المصائر. وهي حالة لم تتوفر لابن رشد. فقد كان عصره تحت تأثير الحشويين وقبضتهم الثقيلة على العقل النقدي، ومثل هذا الظرف لم يترك له هامشا للمناورة، ووضعه داخل قمقم التوحيد البارد. وباعتقادي إن مثل هذه الأوضاع هي التي أجبرت ابن رشد على تفسير تسلسل الأحداث في التاريخ بمنطق بلاغي وخطابي، يعمل من فوق الظواهر والعلل، ويميل للتعامل مع كل شيء من داخل التجربة الفلسفية للجوهر الواحد. وجدير بالملاحظة أن هذا التطور النوعي شمل أيضا الفلسفة الأدبية الأوروبية، حتى إن كاتبا مهما من وزن دانتي أليغري، جمع بين الذات الإلهية والكوميديا في كتابه المعروف «الكوميديا الإلهية». وهذا العنوان أول إشارة إلى المساواة بين المعاني أمام الخالق.
ومهما قلنا عن الطبيعة المادية والاجتماعية في تفكير ابن رشد ودانتي تبقى مسألة العلاقة مع النفس (عند الأول) وروح الصورة (عند الثاني) عاملا محددا لبنية التعبير الفني. ولا يفوتني هنا أن ألاحظ أن بطش القدر في شعرية أرسطو هو المسؤول عن حسم التصورات الفنية، بين مأساة تنتهي ببركة من الدم، أو ملهاة تتطور بشكل مبسط وساذج ومحروم من المعنى أو حكمة الحياة. وهو ما يجعل من الوثنية فلسفة طبقية وغير اجتماعية. في حين أن شعرية ابن رشد ومن بعده دانتي تجريدية، وتعزل ما بين الأضداد والطبقات. إنها لا تسمح بأي تقابل درامي، وتترك مسافة فاصلة بين الفكرة والصورة أو بين الخالق والمخلوقات. وربما لهذا السبب تم استبدال فكرة الرحلة، والقصيدة الطللية بفكرة الصعود. وإذا كانت الوثنية هي الراعي للعقل الكلاسيكي فإن التوحيد كان هو الراعي للحداثة السائلة.
وكررت غولد هذا التفسير لاحقا بمقارنة «أسرار البلاغة» للجرجاني (وميوله نحو الاستعارة) مع «ترجمان البلاغة» لرادوياني (وميوله نحو التشبيه). ورأت أن هذا يعكس اهتمام العرب بالغموض والإبهام والنظر لهما كفضيلة، واهتمام الفرس بالوضوح، بدون السقوط في هاوية أو حفرة المحاكاة. فالإسلاميون على شتى صنوفهم يكرهون المحاكاة ويعتقدون أنها منافسة للخالق باختصاصه وقدراته. حتى أن فلسفة المرآة والتصوير عند المسلمين، إن لم تكن ممنوعة، فهي مكروهة بالتفضيل أو التحريم.
ولا يفوتني هنا أيضا إضافة تفسير آخر للمشكلة، وهو أن فترة رادوياني تزامنت مع تقهقر العصبية العربية وصعود المسلمين الفرس (منطقة خراسان وما بعدها أو ما وراء تخوم بغداد). ومثل هذا النزوع أدى لإعادة الاعتبار للبلاغة الفارسية ولرعاية اللسان الفارسي لآدابه وإحياء قوميته، التي اضطرت لفترة من الوقت أن تسير بركاب العرب لثلاثة أسباب معروفة: أن الرسول والقرآن وأهل الجنة كلهم بلسان عربي. ولا ضرورة للتفصيل بهذه الإشكالية، فهي موضوع محسوم تاريخيا.
تبقى نقطة مهمة أخيرة وهي عن خلاف رادوياني مع من أتى بعده، كالوطواط والكسائي. لقد انتقدا ترجمانه وركزا على كشف معايبه لا محاسنه. والتفسير بسيط. فهو يدل على زيادة في ضعف العنصر العربي، مع ظهور دعوات راديكالية تدعو للمزيد من إلغاء تسلط العرب على أساليب التعبير والعودة إلى اللسان الأم وثقافة الجذور. وهذه الناحية مفهومة ولا يخلو منها عصر تجتاحه المحن والتبدل في توازن المكونات الداخلية للنخب (بمعناها السلطوي والعقلي – أو الكد الثقافي).
وتكفي الإشارة لمناطق الكرد في سوريا.. لقد اختنقت فيها اللغة العربية إن لم تكن قد ماتت، وانتشرت آداب اللسان الكردي. وأذكر كمثال شعر حامد بدرخان. مع أنه كاتب ثنائي (يكتب بالقلم العربي والكردي) اختفى نصف نتاجه ولم يتبق غير النصف الثاني، الناطق بلغة جبال ومرتفعات وسهول كردستان، ورغم أنه كاتب أممي تلاحظ لديه ارتفاع لغة الطبيعة الكردية وعاطفتها، على حساب أي انتماء أو التزام آخر.
لا شك في أن هذه القرءات لريبيكا غولد تضيف شيئا مهما لمعلوماتنا عن تأثير السياسة والمجتمع بأشكال الحضارة، وصيغ التعبير عنها، بدون أن تتخلى عن نقطتين.
أولا الاهتمام بأخلاق الأزمة ومساواة الميتافيزيقا مع التجربة العملية والعقلية. وهكذا ترفع بنية النص من أداة للتعبير إلى جوهر ميتافيزيقي عام وشامل، يحكمه المنطق وتجارب مرحلته.
وثانيا إعطاء الأولوية للمعارضة، وربما هي تجد، مثل عالم الاجتماع علي الوردي، أن عاطفتهم الأدبية أصدق وأقرب للواقع، وأن أدب الدواوين والبلاط تلفيق وبروباغندا.
كاتب سوري