المبحث الأول: عناصر المشهد
حوار أم تفاوض؟ البيان الصحافي للحركة يتحدث عن ‘حوار وطني’، كنا قد تابعنا فصوله الدرامية لأشهر عديدة. فالحوار يفترض حدّا أدنى من الثقة التي أصبحت اليوم منعدمة بين مختلف الفرقاء. فالمرحلة الراهنة تتسم بالتصعيد والحشد، والحشد المضاد إلى حدّ القطيعة، تحتم علينا البحث عن آلية تواصل جديدة ينطبق عليها مصطلح ومفاهيم التفاوض.. ومن لا يدرك الفرق الجوهري بين الحوار والتفاوض في هذه اللحظة، فإما انه لا يعي تماما خصوصية وخطورة المرحلة، أو أنه يحاول تحويل وجهة العملية برمتها إلى العنوان الخطأ .فاغتيال الشهيد البراهمي أقحم الجميع – ائتلافا حاكما ومعارضة – في منطقة جديدة.. منطقة من التفاوض العسير التي تسبق المواجهة، والتي تفترض في الحد الأدنى استعداد كل طرف لتقديم تضحيات وتنازلات نوعية، برعاية وسيط كفء يتمتع بثقل كبير في دفع الأطراف إلى طاولة التفاوض. صفحة الحوار طويت من دون رجعة.. المرحلة اليوم للتفاوض ولا غير التفاوض بآليات مدققة وبسقف زمني محدد، بعد استنفادها سيتحمل كل طرف مسؤولياته أمام الوطن والتاريخ .
ما هي السيناريوهات البديلة عن التفاوض؟
المشهد الراهن يستبطن ثلاثة سيناريوهات لا غير:
ـ المراهنة على عملية التحلّل الذاتي للسلطة السياسية الحالية في انتظار الفارس الأبيض.
ـ الزجّ بنا في أتون الصدام والمواجهة التي لن يفلت من محرقتها أحد – سيناريو مستبعد لخصوصية التونسي السوسيو- نفسية المسالمة بالفطرة.
– تبنى مقاربة التفاوض الجاد استجابة لنداء الوطن، من خلال الإقلاع للحظة عن النوازع الحزبية الدفينة، التي تسكن العديدين.
المشترك بين الفرقاء :
الغائب الكبير عن الأذهان في خضم هذه الفوضى العارمة، أنّ طرفي المعادلة يجمعهما عدد من المشتركات التي قد تؤسس لأرضية تفاوض مستقبلية منها :
– سقوط جميع المحظورات والمحرمات المسكوت عنها، اليوم للجميع الحقّ في تداول جميع المسائل، بما فيها شرعية المجلس الوطني التأسيسي من عدمها، بعد أن كان بالأمس القريب أيقونة مقدسة، مجرد الاقتراب منها يعدّ محاولة للنيل أو الانقلاب عليها.
– انطلاق فعلي للمفاوضات غير المباشرة بين حركة النهضة وباقي الفرقاء.. يلعب فيها الاتحاد العام التونسي للشغل دور الوسيط والمفاوض، من خلال إطلاق مبادرته. واعتبار تاريخ 23 تشرين الاول/أكتوبر القادم تاريخا مفصليا/ نهائيا في عملية التأسيس. وتبنّى الجميع بشكل أو بآخر لمبادرة الاتحاد في شقها المتصل بالمجلس الوطني التأسيسي، والتركيز على اعتبار مطلب تشكيل حكومة جديدة أولوية مطلقة لحلحلة الوضع المتأزم. كذلك إجماع غير مسبوق لمختلف مكونات المجتمع السياسي والمدني على ضرورة استبدال الحكومة الحالية بحكومة جديدة تترأسها شخصية مستقلة – دخول اتحاد الصناعة والتجارة من جهة والتكتل من جهة ثانية على نفس الموجة الهرتزية المطالبة بتشكيل حكومة غير متحزبة. مع عدم ممانعة حركة النهضة – على الأقل في الظاهر- في التفاوض حول مبدأ تشكيل حكومة جديدة.
المختلف بين الفرقاء :
تعدد النقاط الخلافية يتعارض مع منهجية إجراء مفاوضات يراد لها أن تكلل بالنجاح. فمن حسن حظ الجميع أن الموضوع الحصرى للجولة الأولى للمفاوضات المقبلة – إن تمت بطبيعة الحال- سيتمحور حول رسم ملامح التشكيلة الحكومية الجديدة لا غير، بعد قبول جميع الأطراف – بشكل صريح أو ضمني- على عدم الخوض في مسالة حلّ المجلس الوطني التأسيسي من عدمه في الوقت الراهن.
من يفاوض من؟
للوهلة الأولى تبدو المعارضة وحركة النهضة في صورة الأطراف الوحيدة المعنية بالمفاوضات المقبلة، في حين أنّ عناصر المشهد في تقديرنا أشد تداخلا وتعقيدا مما نتصور. بلغة المبادرات الفاعلة نحن اليوم حيال مبادرتين:
– مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل التي تلتف حولها المعارضة وأهم مكونات المجتمع المدني، بما فيها مؤسسة الأعراف التي تطالب بحلّ الحكومة الحالية، والتوافق على شخصية وطنية مستقلة تكلف بتشكيل حكومة كفاءات والإبقاء على المجلس الوطني التأسيسي ضمن تصور اجرائي جديد.
– مبادرة الائتلاف الحاكم – ناقص التكتل- تطالب بتوسيع قاعدة الحكومة الحالية واستئناف نشاط المجلس الوطني التأسيسي.
ما يميز مفاوضات المشهد السياسي التونسي عن غيره أن يستمر الاتحاد العام التونسي للشغل في لعب دور المفاوض من خلال مبادرته دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين. في الظاهر يبدو أنه من غير الممكن الجمع بين صفة المفاوض والوسيط في ذات الوقت، إلا أن اكراهات المشهد السياسي الراهن وتعقيداته، المتميز بانسداد الأفق والمخارج، يحتم على الاتحاد لعب هذا الدور المزدوج إلى الآخر. مراوحة خطرة يمكن للاتحاد تمثّلها على أحسن وجه للنضج العالي الذي أظهره في التعاطي مع الأزمة الراهنة.
الموقف التفاوضي لكل طرف:
من سخرية الأقدار أن يتزامن اغتيال الشهيد الحاج الابراهمي مع بداية سقوط صرح الإخوان المسلمين في مصر. واعتبار أن حركة النهضة تعد احد مكونات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين فإنها تجد نفسها اليوم أمام مشهد داخلي قابل للانفجار في أيّ لحظة، في ظلّ وضع اقليمي لإعادة التشكل من جديد.. فالرسم الجيو- استراتيجي للمنطقة سيكون حتما مختلفا تماما عن مرحلة ما قبل 3 تموز/يوليو الماضي.. فالحالة المصرية الجديدة وتعقيدات المشهد السوري حفّزت العديد من دوائر الاستشراف في الغرب لإعادة ترتيب الأوراق، بشكل أصبحت حركات الإسلام السياسي الحلقة الأضعف في مركز القرار السياسي المستقبلي.
أما الاستناد على ‘مأثرة’ الأغلبية المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011 التأسيسية، لم تعد تجدي كثيرا اليوم، خاصة بعد دخول ‘نداء تونس’ على الخط، وانتقال منسوب العنف إلى مراحل الاغتيال السياسي والإرهاب الممنهج.
فالفوبيا من المستقبل أفرزت خارطتين، خارطة مجلسية تتمسك بنتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 في مواجهة لخارطة بمفردات مجتمعية جديدة، تعكس حالة المزاج العام الرافض ‘للحوكمة’ السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة .
مرة أخرى ومن حسن حظ الجميع أن توجد خارطتان تسوس المشهد السياسي.. ففي ‘تعايشهما’ تتحقق شروط التوازن الضرورية لنجاح أي مفاوضات.. فحركة النهضة تستميت في الدفاع عن أغلبيتها ‘المجلسية’ والمعارضة تستمد قوتها من حالة المزاج العام الرافض للائتلاف الحاكم .. مزاج عام قادر على قلب المعادلات السياسية حتى في أعتى الديمقراطيات الحديثة.
أحجية أرضية التفاوض:
تبدي حركة النهضة تكرارا ومرارا في جميع المنابر الإعلامية استعدادها ‘للحوار’، من دون التقيّد الفعلي بمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل.. في حين أن جبهة الإنقاذ ترفض الالتحاق بطاولة المفاوضات قبل إعلان حركة النهضة الصريح عن قبولها حلّ الحكومة.. أحجية مستعصية أوقعت المواطن – الغائب الكبير عن المعادلة- بين مطرقة النهضة وسندان المعارضة. ما العمل؟ نصطدم مرة أخرى بمخارج ثلاثية فإما، أن يعبّر الائتلاف الحاكم عن استعداده في الحدّ الأدنى لقبول تشكيل حكومة جديدة تترأسها شخصية غير متحزبة، مقابل إعلان المعارضة عن تخليها الصّريح عن حلّ المجلس الوطني التأسيسي إلى حدود تاريخ 23 أكتوبر القادم.. موقف إن تجسم من شأنه أن يؤسس لجسور تواصل جديدة بين الفرقاء، وكفيل بتوجيه رسائل طمأنة للجميع في الداخل والخارج، أو أن تقبل المعارضة بالدخول في مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة بسقف زمني محدد وبآليات مدققة إيمانا منها بدقة وحساسية اللحظة، أو أن يستمر الاتحاد العام التونسي للشغل في لعب دور المبادر- الوسيط بين الفرقاء إلى أجل غير مسمى.
من له صفة الوسيط؟
في العموم تعدّ الوساطات مؤشرا جيدا وإحدى الآليات المعتمدة لإدارة الأزمات، إلا أن عددا منها يمكن تصنيفه في خانة المناولة السياسية والتموقع من جديد ‘لشخصيات’ تبحث مجددا عن مكان تحت الشمس.. فللوساطة مقتضيات وشروط دونها تسقط جميع الوساطات، مهما بلغت حسن نواياها، أهمها على الإطلاق قبول الفرقاء بالوسيط ونطاق التأثير الذي يتمتع به هذا الوسيط. في استحضار سريع للذاكرة الجمعية لأبرز الأزمات التي عرفتها البلاد، حتى قبل بناء الدولة الحديثة والى اليوم، نجد أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان دوما في قلب الأحداث وأحد صانعيها.. قد نختلف في تقييماتنا للأدوار التي لعبها الاتحاد، إلا أنه يستحيل القفز عن هذا المارد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. فلمصر أهرامات ثلاثة ولتونس هرمان على الأقل: بورقيبة وحشاد. ومن لا يدرك ذلك فهو بالفعل يتحرك خارج يوميات التاريخ والبطاقات الجميلة للسهول المنبسطة لتونس.
ملامح المقاربة: لا تحاول إطلاقا هذه المقاربة إلى مزيد إغراق المشهد في محيط من المبادرات، بل تتحرك فقط ضمن دائرة التفاعل الايجابي مع روح مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، من خلال تطوير واستيضاح عدد من المضامين المتصلة بضرورة حلّ الحكومة الحالية واستبدالها بحكومة مستقلة .كما أنها تعد جزءا لا يتجزأ من سلسلة المقترحات التي كنت قدمتها سابقا . قبل الخوض في تفاصيل المقاربة يتردد على ألسن العامة وحتى النخب عدد من الأسئلة: ما مصير الحكومة الحالية في صورة حلها؟ ما الذي نريد تحقيقه بالتحديد من خلال تشكيل حكومة جديدة؟
ففي الديمقراطيات المتجذرة، تواصل الحكومات المستقيلة أداء مهامها في شكل حكومة تصريف أعمال إلى حين الانتهاء من تشكيل حكومة جديدة، والحالة التونسية لن تشذ عن هذه القاعدة.. أما البحث عن تشكيلة حكومية بهندسة جديدة أفرزها وضع متفجر غير قادر على الاستمرار أكثر، واستحقاقات انتخابية مرتقبة تحتاج إلى حد أدنى من مقومات الثقة.
للمقاربة روافد ثلاثة متصلة بعضها ببعض، وفقها تتشكل حكومة غير متحزبة بجرعة سياسية طفيفة، من دونها تفقد أي مبادرة عنصر الإسناد السياسي الضروري لديمومتها: التوافق حول رئيس حكومة :أصبح من البديهي اليوم لدى العديد من الأطراف حتى تلك القريبة من حركة النهضة، أن استمرار رئيس حكومة متحزب لن يذيب الجليد، بل سيقحمنا مرة ثانية في عين العاصفة .شخصية تتوفر فيها مواصفات عدم التحزب وقدر ادنى من الحيادية، والمام جيد بالملفات الأمنية أو الاقتصادية، ما بعد 14 كانون الاول/يناير 2011.. ليس المهم أن يكون رجل سياسة أو اقتصاد الأهم أن تكون له جاهزية ونجاعة للوصول بالقاطرة الحكومية إلى محطة الانتخابات، بأقل تكلفة ممكنة.. فالوجوه التاريخية – مع احترامنا الشديد لها- يمكن الاستفادة من خبراتها في نطاق مجمع استشاري للحكماء. فالعمل الحكومي مضن بطبيعته، والمرحلة القادمة تتطلب مؤهلات شخصية عالية وسرعة في الفصل في الملفات المطروحة.. رئيس حكومة يتم اختياره بالتوافق بين جميع الفرقاء على قاعدة الفقرة الأخيرة من الفصل 15 من القانون المنظم للسلط العمومية، ويتمتع بصلاحيات رئيس الحكومة المضمّنة في الدستور الصغير..
إحداث خطة مساعدي رئيس حكومة من الائتلاف الحاكم والمعارضة، يتقدم الائتلاف الحاكم والمعارضة كل منهما بترشيح شخصية توافقية غير صدامية، في خطة مساعد رئيس الحكومة.. يتمتعان بتفويض واسع للتحدث باسم الجهة المرشحة.. ينحصر دورهما في الإسراع وفق روزنامة محددة إلى تأمين حياد الإدارة ودور العبادة وحلّ روابط حماية الثورة وجميع التشكيلات الموازية المهددة للسلم الأهلي .. وفي صور التعذر في الوصول إلى نتائج ملموسة في التواريخ المحددة يوكل لرئيس الحكومة مهمة الحسم والفصل في النقاط الخلافية على وجه السرعة.
التوافق على تشكيل فريق حكومي تقني غير متحزب، يتم اختيار طاقم حكومي بالتوافق بين الأطراف المتفاوضة على قاعدة المهنية والالتزام بعدم الترشح للانتخابات القادمة.. في نفس الاتجاه وتأمينا لفعالية هذا الطاقم ودخوله فورا في مباشرة مهامه من دون الحاجة إلى فترة تمرين وتربص- لما لا يتم الاستفادة من المخزون البشري الثرى للإدارة التونسية بانتقاء الأشخاص المشهود لهم بالكفاءة ونظافة اليد. طاقم حكومي تقني غير متحزب يتقيد بتعليمات رئيس الحكومة لا غير ويتحرك ضمن الهامش المسموح به.
قبل أن اختم، يبدو أن قدر المرحلة الانتقالية يتحكم فيه الرقم (3) .. يلاحقنا في كل مكان حتى في استنباط الحلول.. فمن الترويكا الحاكمة إلى الترويكا الاجتماعية بلوغا الى الترويكا الزعاماتية المتمثلة في الشخصيات المحورية التالية : على اليمين نجد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.. في الوسط أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي.. وفي اليسار الباجي قايد السبسي الزعيم غير المعلن لجبهة الإنقاذ الوطني . شخصيات تختزل جزءا مهما من المشهد السياسي وتمتلك في تفاعلها الايجابي مع هذه المبادرة المواطنية مفاتيح حل الأزمة. فهل هذا الثالوث قادر اليوم على أن يحوّل الرمز العددي – 3- إلى رقم الحظ.. إلى ربيع تونسي بامتياز، أم أنّ الحسابات ستطفو على السطح من جديد لنقع جميعا هذه المرة في غياهب مثلث برمودا الرهيب من دون رجعة؟
‘ باحث وكاتب تونسي