في كل ما كتب جابر عصفور سواء في نقده للشعر أو في الرواية، أو في تقديمه لملامح النظرية، لا يفارقه دائما شعور الانطلاق من سلطة معرفية، تعطي لصاحبها أن يقارب الموضوعات بشكل مختلف، وأن يجمع بين موضوعات – ويقارب جزئيات – لا يمكن الجمع بينها، لأن الجمع بينها يخرجها من سياق الموضوع المحدّد، وهذا النمط الذي يمثله يباين صورا أخرى لأعلام في واقعنا النقدي، لا تفارقه دائما صورة الباحث المملوء بالنقصان الذي يتجلى في أساليبه أو في نوعية الخطاب الذي يقدمه.
في مقاربته للشعر، خاصة في تناوله لنموذجيه الأثيرين صلاح عبد الصبور وأمل دنقل تتجلى للقارئ ملامح منهجية، تنطلق من النص بوصفه بنية مولدة للمعاني والدلالات، ولكنه لا يتعامل في مقاربته مع هذه البنية على أنها بنية مغلقة كما يتعامل البنيويون في منطلقهم نحو الوصول إلى أسس ثابتة من خلال بحثهم عن المركز الثابت. فالبنية لديه منفتحة على الخارج، بل ومشدودة إليه، فالسياق العام في منطقه لديه قدرة على تنميط البنية والتأثير فيها، وتحويلها إلى اتجاهات ذات خصوصية مع كل منعطف تاريخي يدفع للتفكير والمساءلة.
ومقاربته للشعر تأتي مرتبطة بمجموعة من التوجهات، أهمها الاحتشاد الثقافي الذي يشير للمعرفة المحيطة بكل جوانب النص. وتكمن قيمة مقاربته النقدية في اختياره العنصر الفاعل، لأن العناصر التي تتجلى وتتبدى للقارئ أو المتلقي عناصر كثيرة، والفارق بين ناقد وآخر يتمثل في القدرة على تحديد الإطار المعرفي للنص من جهة أولى، ومن جهة ثانية يأتي تشكيل العقل النقدي سمة بارزة في قدرته على إزالة مسافة الاغتراب في تلقي النصوص والاحتماء بالنصوص نفسها وتسكينها داخل وعي خلّاق يستطيع أن يدرك التشابه والاختلاف، وأن يقيس مساحة التشابه والثبات، ومساحة الإضافة في كل تجل نصي جديد. فإذا كان النص شبكة علاقات نصية فإن القارئ أيضا تصبح درجة اقترابه من النص وألفته له مرتبطة بعدد النصوص التي يختزنها، ويدرك سماتها، ويعاين آليات اشتغالها.
الاحتشاد الثقافي
يرتبط الاحتشاد – وهو المظهر الأكثر حضورا وفاعلية في كل مقاربات جابر عصفور- بالثقافة في كل مصادرها ومظانها، سواء أكانت ثقافة أدبية أو علمية بوصفها وسيلة أولى من وسائل الاقتراب من النص، لأنها بوجودها وتحركها في ذهن الناقد أثناء عملية أو عمليات القراءة، يصبح لها دور في فك غموضه وبناء دلالته. ففي تناوله لنص «سبارتكوس» يمكن بعد القراءة أن نستحضر كل الإسهامات الإبداعية والنقدية، فجابر عصفور في تشكيل مناحيه في تلقي النص لا يفرّق في بناء وعيه النقدي بين النصوص الأدبية والنقدية، فنجد احتشاده ملمّا بمقطع قصير للبياتي في قصيدة من قصائده، وبمقال لطه حسين عنوانه «ثورتان» حيث يقارن بين ثورة العبيد في روما بقيادة سبارتكوس وثورة الزنج في البصرة، ونطالع معرفته بشخصية سبارتكوس في رواية الكاتب الأمريكي هاورد فاوست، بالإضافة إلى الفيلم السينمائي الذي كان بالغ الأثر في نص الشاعر.
هذا الاحتشاد المعرفي الخاص بسبارتكوس له قيمة كبيرة، فجابر عصفور لا يواجه نص دنقل خالي الوفاض بدون بنية فكرية متماوجة مكونة من سياقات سابقة، ولكنه يقارب النص من خلال الاعتماد على تشابهات وتباينات ومتواليات إبداعية ونقدية داخل الإطار المعرفي الذي يحاول النص ارتياده، وكأنه بهذا الشكل يفكك مغاليقه، ويجعل الاقتراب منه متاحا. يبدو ذلك جليا حين يشير إلى وجود إشارة مضمرة في نص سبارتكوس إلى نص السيّاب «المسيح بعد الصلب»، ولكن جابر عصفور يفرق بينهما قائلا: (ولكن مسيح أمل المعلّق على مشانق الصباح لا يتحدث بلهجة البشارة النبوية التي تحدّث بها مسيح السيّاب، في ثقته المتفائلة بالولادة الجديدة التي لابد أن تأتي، وإنما بلهجة الثائر الذي لا يكفّ عن السخرية رغم شعوره الموجع بالهزيمة).
وفي تناوله لقصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» لا يكتفي جابر عصفور بالسردية العربية في تلقي زرقاء اليمامة في حدّة بصرها، ولم ينظر إلى الموروث العربي بمفرده، فقد أضاف إليه -انطلاقا من ثقافته شديدة الخصوصية- جزئية تجعل زرقاء اليمامة مرتبطة بربات الشعر أو آلهة الإبداع في الأساطير الوثنية اللواتي تعوّد شعراء اليونان القدامى على التوجه إليهن بالخطاب في مستهل قصائدهم طلبا للوحي والاستعانة على النظم.
هذه الإضافة جعلته يعاين ويقارب مجموعة من الأسئلة الواردة في النص بشكل دوري وتكراري، وجعل النص في تحديده- وتحديد آخرين- مرتبطا بالمساءلة، وبالمعرفة المفقودة التي أشارت ونبهت من كارثة قادمة، ولكن لم ينصت إليها أحد. فلم يكن الوقوف عند زرقاء اليمامة، وإلى عنترة العبسي، وتوحد صوته بصوت الجندي البسيط إلا محاولة للإجابة عن السؤال التالي: لماذا حدثت الكارثة أو الهزيمة بالرغم من وجود المعرفة؟ ومن هنا ندرك أن معرفته التي أوجدت ذلك التوجه حوّلت زرقاء اليمامة – على حد تعبيره- إلى (النبية المقدسة) التي يقصدها القاصدون فيما يشبه معبد (دلفي) أو (سيسون)، حيث يسعى من يريد المعرفة أو يؤرقه السؤال الذي لا يجد له إجابة.
إن تركيز الناقد على بؤرة مضيئة قام باكتشافها في النص الشعري، قد تكون سببا لغياب الكشف عن دلالات أخرى، وتوجهات لها قيمة في النص ذاته. فقد غدا تأويل (القمر) في نصوص أمل دنقل مدخلا للتفريق بين مرحلتين إبداعيتين، يحركهما نوعان من الوعي، وعي قروي، ووعي مديني، وهذ التصور مارس تأثيرا كبيرا على فكرة القمر الأبوي القروي.
منهجية التناول الإجمالي
قراءة مقاربات جابر عصفور تثبت أنه ظل على قناعة – حتى في أعماله الأخرى الخاصة بنقد الرواية – بمنهج لوسيان غولدمان، والشعر وفق هذا التوجه المنهجي بنية لا تكفّ عن الإشارة إلى الخارج، فهو في مقاربته لشعر أمل دنقل ينطلق من البنية، لكنه لا يجعل هذه البنية مغلقة أو ذات مركز مغلق، بل يجعلها وثيقة الصلة ودائمة الإشارة إلى السياسي أو الاجتماعي أو السياق الحضاري بمعناه الواسع. ففي تصوره أن هناك توازيا بين الفني والحضاري، وربما يكون ارتباط مقاربته بشعر أمل دنقل- بالرغم من ظهور ذلك في كل كتاباته- مهما في التأصيل لذلك التوجه، لأن شعره لا ينفصل – بالرغم من جوهره الإنساني خاصة في ديوانه الأخير- عن السياسي والاجتماعي.
وربما يكون من الأشياء الكاشفة عن ارتباط قراءة جابر عصفور لشعر أمل دنقل بتوجه ومنهجية لوسيان غولدمان تعمده الإشارة إلى تاريخ الكتابة والنشر لكل قصيدة أثناء المقاربة، للدلالة على عمق الاتصال بين النص الشعري وسياقه الحضاري الذي له أثر واضح في تشكيله وفي دورانه في أفق التلقي داخل تكوينات أيديولوجية متغيرة التأثير من فترة إلى فترة. يتجلى ذلك الترابط بين منهجية جابر عصفور وجولدمان في ذلك التنضيد النصي والتبويب الخاص في اختيار القصائد التي تلمح إلى الفكرة تدريجيا، حيث تتحول بعض النصوص- في ظل ذلك التصور- إلى أمشاج جنينة، سرعان ما تنمو لتصل إلى اكتمالها، وتصبح كيانات ونصوصا ملموسة صارخة للفكرة، ومشيرة إلى تجليات سابقة غير مكتملة، على نحو ما يمكن أن نرى في تراتبية التناول لنصوص «سبارتكوس»، ومرورا بنص «العشاء الأخير»، وختاما «بالبكاء بين يدي زرقاء اليمامة». ففي تناوله لنص «أشياء تحدث في الليل»، تتحول المقاربة النقدية إلى تواز مع سياق عام، للإشارة إلى مقتل صلاح حسين وأحداث كمشيش، وذلك يعود إلى سببين: الأول منهما إيمانه بأن النص – مهما كان نوعه أو جنسه – يعود ويرتبط بهذا السياق العام. والأخير يعود إلى قناعة جابر عصفور بأن كل نص – حتى لو انطلقنا من بنية – يظل مشدودا ومشيرا إلى السياق الحضاري.
وقريب من فكرة الانتصار لمشروعية التأويل في توازيه مع سياق عام، تتجلى جزئية أخرى منهجية في مقاربة جابر عصفور، وهي جزئية تنطلق من الثقافة أو الاحتشاد الذي أشرنا إليه سابقا. والتعدد داخل النص الشعري الواحد أو داخل نصوص لشعراء سابقين يعطي مساحة للناقد لتقليل مساحة الاغتراب عن النص من خلال إقامة تجليات إبداعية مقارنة وراصدة، على نحو ما يظهر في مقاربته لنص «العشاء الأخير» ومقارنته بين رؤيته لنص أمل دنقل، ورؤيته للشعراء التموزيين مثل (السيّاب، ويوسف الخال، وخليل حاوي، وأدونيس)، فهو لديه تشاؤم، وهم غنّوا للبعث القادم للعنقاء التي تنبعث نار ولادتها من رماد موتها، وذلك لانطوائه على سوء ظن متأصل بالتاريخ الإنساني الذي لا يكفّ عن تكريس القمع.
وهذا قد يشدنا إلى ملمح آخر من ملامح المقاربة النقدية، تتمثل في أحيان كثيرة في استعادة الشبيه والنظير، لاستحضار وتأمل النماذج المشابهة أو القريبة أو المتجاوبة مع النموذج الذي يقاربه. وفي ذلك تأسيس ومعاينة لتجليات سابقة، وهذا يجعل إسهامه مبنيا على نماذج إبداعية سابقة التجهيز للاحتماء بها للدخول إلى النص. ففي وقوفه عند قصائد المواجهة مع المرض في ديوانه «أوراق الغرفة 8» يمرّر للقارئ المشابهات الإبداعية في السياق ذاته، لدى شعراء سابقين مثل السياب، أو تاليين مثل محمود درويش وحلمي سالم.
يتناول جابر عصفور شعر أمل دنقل على أنه نص متكامل، يكشف عن ذلك تراتبية البناء في الكتاب المرتبطة بنسق تاريخي، حيث يفضي كل ديوان من الناحية الفكرية إلى الديوان الذي يليه، ويتحول النص الشعري في كل الدواوين إلى بنية منفتحة للقراءة والتأويل، حيث يفسّر بعضه بعضا. وقد أتاحت تلك النظرة لجابر عصفور أن يقف وقفات لافتة جدا في بعض الجزئيات، وأن تقع عينه على ارتباطات بين النصوص بوصفها نصوصا كاشفة عن مصدر فكري واحد، وإن اختلفت اللحظات والسياقات الحضارية. ففي تناوله لنص (لا تصالح) نراه في تأسيسه لفكرة الرفض يعقد مشابهة بين (لا) الناهية فيه، و(لا) النافية في نص سبارتكوس، حين يقول أمل دنقل (من قال لا في وجه من قال نعم)، ويتجاوب مع ذلك تأسيسه للدلالة ذاتها في نص (لا وقت للبكاء) في رثاء عبد الناصر، وفي نص (لا أبكيه) في رثاء طه حسين.
وأعتقد أن إفراده لجزئية من مقاربته تحت عنوان (توازيات وتقابلات)، بالإضافة إلى الجزئيات التي خصصها للتناول الكلي في جزئيات أخرى كان متعمدا. فتناول نصوص أمل دنقل في ارتباطها بنصوص آخرين مثل حجازي وعبد الصبور وأدونيس والماغوط وآخرين ليس إلا بحثا عن مساحة للحركة للتناول الكلي الذي يفتح الباب لتناول إجمالي لا يخلو من المقارنة، ويخلخل علاقة الناقد المشدودة للتبعية حين يواجه نصا مفردا، إلى مساحة يكون فيها الناقد حرا من سلطة النص وموجها لحركة المعنى، فيتحول من خلالها من تابع يسير وفق سنن يحدده النص إلى سنن يخلقه هو باختياره من خلال زاوية الرؤية المقارنة بين نموذجين. فهذا الجزء الأخير ويأتي وكأنه مضاف بعد أن أتمّ جابر عصفور دراسته لتحولات الشعرية لدى أمل دنقل، ولكن السلطة المعرفية التي يمثلها جابر عصفور التي يمكنها أن تحسم جدلا دائرا حول ارتباط نصه بنصوص الآخرين من الشعراء، وتحدد توجهه الإبداعي وتميزه في مقابل الآخرين جعلت وجوده أقرب إلى الوجود الحيوي المشروع.