عرف الفلسطينيون والجزائريون وجها إستعماريا واحدا رغم إختلاف الأسماء ،فكلا الإحتلالين: الفرنسي والإسرائيلي،بنيا إحتلالهما على عقيدة الإستيطان .
حيث إعتمدا أكثر السياسات الإحتلالية تطرفا ،لسلب الأرض والإنسان وإقتلاعه من ارضه ان إستطاعا، ولم يبق في هذه الالفية الثانية سوى كيان واحد يمثل هذه السياسات سوى إسرائيل.
والمتمعن في حيثيات إحتلال فرنسا للجزائر، والأسباب التي أدت إلى إندلاع الثورة التحريريةفي الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1954،يجد كثيرا من هذه الأسباب حدث ويحدث إلى الآن في فلسطين المحتلة، مما ينبئ بنتيجة واحدة مطابقة ،هي الثورة.
ولننظر كبداية للأسباب الداخلية التي تتقاسمها الجزائر في تلك الحقبة مع الأوضاع الفلسطينية منذ بداية الإحتلال إلى الآن.
نجد أول الأسباب وأكثرها تشابها وتأثيرا هي:
اولا: الإستيطان، وهو سياسة او عقيدة تبناها كلا المحتلين، فنجد في الجزائر بين سنتي1830{وهو عام إحتلال فرنسا للجزائر}،وسنة 1870 بلغ عدد المستوطنات 264، وعدد المستوطنين قفز من 25ألفا إلى 696400، تلقوا كل الدعم المادي والمعنوي من توفير الأراضي والمساكن وضمان الرواتب المغرية وتسهيل تنقلهم عبر السفن الفرنسية، لأن المستوطنين ليسوا فقط من ذوي الجنسية الفرنسية، بل من عدة جنسيات اوروبية، لقلب التوازن الديمغرافي وإحكام السيطرة الإقتصادية ،وسنوا قوانين عديدة منها قانون الأهالي 1870،الذي منح صلاحيات للإداريين المستوطنين بمصادرة أملاك وحقوق الجزائريين دون اللجوء للقضاء.
وهو ما يحدث إلى اليوم منذ بداية الإحتلال الإسرائيلي في فلسطين،من توطين لليهود من اوروبا وامريكا وروسيا ، وسرقة الأراضي والتوسع في جغرافيا فلسطين ،وتشييد مستوطنات كفيلة بتقطيع أوصال القرى والمدن الفلسطينية.
فوفقا لوزارة الداخلية الإسرائيلية تجاوز عدد المستوطنين في الضفة والقدس 650 الفا، ناهيك عن العدد المهول للمستوطنات والمحاولات الحثيثة لتهويد القدس وانشاء 29مستوطنة في القدس وحدها حسب إحصائيات مركز أبحاث الاراضي.
ثانيا: المجازر والتهجير،قام الإحتلالان بمجازر يندى لها جبين البشرية أدت إلى نزوح وتهجير في الداخل والخارج لكلا الشعبين الجزائري والفلسطيني ،وإن كانت صور التهجير في فلسطين اكبر واقسى مما حدث في الجزائر،تاريخ مجازر فرنسا في الجزائر إمتد على طول مدة الإحتلال،لكن نذكر ما يعد أحد أهم الأحداث الأليمة التي بقيت راسخة في الذاكرة الجزائرية وتعتبر من الاسباب التي ساهمت في اندلاع الثورة،وهي أحداث 8ماي 1945خرج يومها الجزائريون في مظاهرات سلمية بعد إنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لتذكيرهم بوعودهم للجزائريين بنيل حريتهم وحقهم في تقرير المصير كما نصت عليه اللوائح الاممية، فقوبلوا بالرصاص واستشهد في هذه الأحداث 45الف جزائري .
يقابلها في الجانب الفلسطيني مجازر لاحصر لها أدت إلى معضلة لاتقل عنها ألما وهي التهجير حيث بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في الخارج 7ملايين لاجئ ، نزحوا مكرهين بعد مجازر دير ياسين والزيتون.
ولحقت بهم ايضا ايدي القتل والمجازر حتى في مخيمات اللجوء، كمجزرة مخيمات لبنان1974، ومجزرة صبرا وشاتيلا 1982،لإبعادهم أبعد ما يمكن ان أرضهم.وآخرها مجزرة غزة في طبعة جديدة 2014،خلفت20147شهيدا.
ثالثا: الإنقسام السياسي،عرفت كلا الجبهات السياسية في الجزائر وفلسطين تصدعات أدت إلى إنقسامات عميقة ومؤثرة. داخل الحركة الوطنية الجزائرية يمكن ان نوجزها في أن مجموعة من أعضاء الحزب وهم شباب:العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد وآخرون أنهوا الإنقسام الذي كان قائما بين قادة الحركة الوطنية وأسسوا لجنة ثورية تقوم بالإعداد للثورة التحريرية، والتوقف عن النضال السياسي لأنه وصل بهم إلى باب مسدود، وبالفعل أعلنوا الثورة وإحتواهم الشعب بكل فئاته.
الإنقسام نفسه تشهده الفصائل الفلسطينية، فتح وحماس وباقي التنظيمات السياسية والعسكرية الفلسطينية،منذ أن قررت القيادة الفلسطينية أن تتوجه إلى اوسلو،لما ترتب عن هذه الإتفاقية من تنسيق أمني والدخول في دوامة مفاوظات مع المحتل لم تنته إلى شيئ يذكر.
إن هذه الأسباب الداخلية المتقاطعة بين الشعبين في الشأن الداخلي لانجد الكثير منها للأسف في ما يتعلق بالأسباب الخارجية اوالمحيط الجيوسياسي.
لنتطرق لأهم حدث إقليمي ساهم دعم الثورة الجزائرية،هو انتصار الثورةالمصرية سنة1952،ودعم مصر غير المشروط للجزائر،دون أغراض سياسية توسعية{عكس الدور الذي تقوم به ايران في فلسطين الآن}،بل من منطلق ثوري تحريري عروبي،فساهمت إعلاميا وعسكريا في كفاح الجزائريين.
دور مصر بقي رياديا ايضا في بدايات النضال الفلسطيني وكذلك الدور العربي ،حيث خاض العرب ؛حروبا مع إسرائيل لأجل فلسطين وتكبدوا الخسائر،آخرها حرب 67،والإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين في مؤتمر القمة العربية السابع بالرباط1974.
لكن هذا الدعم لم يصمد،حيث وقعت مصر سنة1978إتفاقية كامب ديفد مع الكيان الصهيوني وقع ايضا الأردن إتفاقية وادي عربة1994، حيث اصبحت الأردن ومصر العين الساهرة ترصد كل تحركات الفلسطينيين لأإعاقة اي عمل مسلح يستهدف الأمن الإسرائيلي .
الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها ،لم يجلس الثوار إلى طاولة المفاوضات حتى حققوا مكاسب على الأرض كانت ورقتهم التي جلبوا بها الإستقلال .إن مجموعة شباب ثائر بضع عشرات بدأوا الثورة ببنادق صيد وعتاد هزيل، إستطاعوا أن يدكوا عنق أعتى الدول الإستعمارية في العصر الحديث ،ودحروا المستوطنين بعد ان عاشو في الجزائر 130سنة.،وكما دخلوا أٍرض الجزائر خرجوا منها بالسفن والطائرات،وعاد كل شبر من الجزائر لأبنائها ،حتى مستوطناتهم التي ظنوا أنها ستبقى إلى الأبد ومقاهيهم ودور السينما وكل المؤسسات الإقتصادية والعسكرية،أخذوها بقوة السلاح.وأصبحت حقا للجزائريين.
رغم كل أدوات الخنق التي يتعرض لها الفلسطينيون في غزة او الضفة او داخل اراضي 67،إلا اننا نشهد إنتفاضة ثالثة سبقتها حرب ضروس أبطل بها الغزاوية مفعول القبة الحديدية التي ملأ بها الإسرائيليون الدنيا ضجيجا،.
إن عمليات الدهس والطعن والقتل والشنق وتدنيس المقدسات في الأقصى،يدفع الإسرائيليون الآن ثمنها رويدا رويدا ولن تتوقف هذه الإنتفاضة حتى تشمل كامل التراب الفلسطيني، وهو التطور الطبيعي والمتوقع لما ستؤول اليه الأوضاع بعد كل هذا التاريخ من الظلم والقهر الذي تعرض اليه الشعب الفلسطيني.
قد تتغير المعطيات والإستراتيجيات والأجواء الجيوسياسية وقد يتغير حتى الأشقاء،ومن حمل البارودة يوما إلا أن إرادة الحرية لا ولن تتغير،ثابتة أينما وجدت أوجدت ثورة تمسح المحتل وتعيد لم شمل ابناء الوطن الواحد،بعد طول بعاد.
منى مقراني – الجزائر