لم تنقطع عادة جلوس المثقف المصري على المقهى منذ عشرات السنين، فقد اشتهرت بعض المقاهي بالشخصيات التي ترتادها وارتبطت حركة الثقافة والتنوير بالدور الوطني للكُتاب والمثقفين والصحافيين وأصحاب الرأي، وبرز نجوم كبار في الثقافة والسياسة كانت لهم إسهامات واضحة عبر مراحل كثيرة كعبد الله النديم والإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم من حملة مشاعل التنوير ورواد الحركة الوطنية التي ناهضت الاحتلال على مدار مئة عام أو يزيد. ومنذ ذلك التاريخ البعيد وحتى الآن لا تزال المقاهي تلعب دوراً مهماً في تكوين الائتلافات الثقافية على اختلاف المشارب والتيارات وتمثل همزة الوصل بين قيادات العمل العام والجماهير.
ولا شك في أن وجود المقاهي قد عزز كثيراً من النشاط الفكري والتنويري داخل مصر، لا سيما أن معظم المثقفين من أبناء الطبقات البسيطة التي لا تمتلك رفاهية الانتساب للنوادي الاجتماعية الكبرى، ومن ثم فالمقاهي تُعتبر الملاذ المناسب لهم والمكان الذي يسمح بالتقائهم وتجمعهم حول مائدة الحوار والنقاش والتسلية لقتل الوقت وشغل الفراغ في ما يُفيد. فتبادل وجهات النظر في القضايا العامة ومشاكل المجتمع وألوان الإبداع وطرق الابتكار والفن، هي غاية المثقفين من الجلوس على المقهى في فترات الراحة من عناء العمل اليومي سواء الوظيفي أو المهني.
وهناك بعض المقاهي بعينها تتوافد إليها فئات خاصة من الرواد كالصحافيين والمحامين والكُتاب والفنانين التشكيليين وهواة التمثيل والموظفين والطلبة، ومعظمها يقع في وسط العاصمة والقليل جداً منها في أطراف المدينة. ولعل أشهر هذه المقاهي وأكثرها ذيوعاً في الصيت والسمعة، مقهى “زهرة البستان” وهو مقهى شعبي يبعد عدة أمتار فقط عن ميدان طلعت حرب ويتوسط شارعين رئيسيين هما شارع صبري أبو علم وشارع هدى شعراوي، ويعد امتداداً للممر الذي يقع فيه مقهى “ريش” المطل على ميدان طلعت حرب وهو مقهى تاريخي تعاقبت عليه أجيال وأجيال من كبار الكُتاب والمثقفين والسياسيين ونجوم الفن كنجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض وسعد وهبة وكرم مطاوع وكمال يسن وعباس الأسواني ومحسنة توفيق وصلاح جاهين وأمين يوسف غراب وغيرهم.
وقد شهد “ريش” تألقاً في فترتي السبعينيات والثمانينيات، ولكنه ظل مقصوراً على الطبقة المتميزة مادياً واقتصادياً من المثقفين الكبار، وإن كان هناك من رواده الفقراء من كسر القاعدة وصار من زبائنه المرموقين بحكم الشهرة الواسعة والحيثية الثقافية والإبداعية التي تحققت لهم بعد فترات من الحضور المتواصل والظهور المكثف داخل المشهد الثقافي، وهؤلاء يمثلون عينات استثنائية من رواد المقهى المهم، ومن بينهم الشاعران الكبيران نجيب سرور وأمل دنقل.
وبالعودة إلى القاعدة الشعبية لمقاهي وسط القاهرة سنجد أن هناك من يضارع مقهى “زهرة البستان” في الأهمية بوصفها المحطة الرئيسية لتجمع القطاع الأكبر من المنتمين للحركة الثقافية والمشتغلين بالمجالات الإبداعية والمحترفين والهواة من كُتاب الرواية والقصة القصيرة والشعر والأفلام السينمائية والمسرحيات. ولو وضعنا ترتيباً خاصاً لأهم الأسماء الشهيرة سيكون الترتيب الثاني لمقهى “الحرية” الموجود في ميدان الفلكي بمنطقة باب اللوق، وهو عتيق في بنائه وتكوينه المعماري القديم ذو الواجهة العريضة والسقف العالي والاتساع الشاهق، وينقسم مقهى “الحرية” إلى قسمين، قسم يختص بالرواد الأجانب من السياح وهو الأوسع، وقسم آخر يشغل أرضية أصغر في المساحة ويطلع القائمين علية من العمال والغرسونات بتقديم الخدمة اليومية للرواد المصريين والخاصة بتوفير المشروبات التقليدية من الشاي والقهوة والمياه الغازية، وتتسع فيه الطاولات لجلوس عدد من الأفراد ويُسمح بالقراءة والكتابة ومطالعة الصحف، ومن العوامل المشجعة على ارتياد المقهى قلة التكلفة وموقعة الجغرافي الفريد.
وعلى مسافة لا تزيد عن عشرين متراً يقع مقهى “سوق الحميدية” المطل أيضاً على ميدان الفلكي والمتمتع بنفس المزايا الجغرافية، وفيه يتجمع المثقفون من كل حدب وصوب بأعمار مختلفة وتوجهات نوعية لا تخرج عن التذوق الفني وهواية الإبداع بكل فروعه، وترجع الخلفية التاريخية للمقهى إلى كونه واحداً من الأماكن القديمة التي استقبلت الآلاف من مثقفي القاهرة والمدن الأخرى على مدار سنوات، وقد سُمي بسوق الحميدية نسبة إلى السوق الشهير في سوريا، ذلك لأن صاحبه الأصلي كان سورياً، وقد أورثه لأولاده المقيمين في القاهرة والمنصهرين في الوسط الثقافي المصري وهم خبراء بمكامن ودروب الفن الأصيل وعشاقه ومبدعيه ولهم صداقات عديدة بكبار الشخصيات المثقفة وأشهرها.
وخلف هذا المقهى يوجد مقهى متاخم له يُعرف باسم “الندوة الثقافية” ويتوزع جمهور المثقفين بالمناطق الشهيرة ما بين المقهيين، فكلاهما متشابه في نوعية الزبائن وأمزجتهم الفنية وميولهم الفطرية ومستواهم الطبقي، وبالقطع تجري المنافسات على قدم وساق بين كافة المقاهي المذكورة لاستقطاب الغالبية من جمهورها الاستثنائي ليكتسب كل مقهى مزيداً من الشهرة والصيت والسمعة لرفع القيمة الربحية والانفراد بتقديم الخدمة المتميزة، والتي لا تتحدد فقط بجودة المشروبات ونوعياتها، وإنما تتصل أيضاً بمناخ الحرية المتاح في الجلوس والمناقشات وطرح الأفكار، فضلاً عن ميزة عدم التطفل على الغير ومصادرة حرياتهم الشخصية، وتلك جزئية مهمة تعد من عوامل الجذب الرئيسية لجمهور المثقفين والرواد والمريدين.