الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعد بان تكون زيارته الأولى للسعودية وها قد فعل دون أن يغادر القاهرة، حيث التقى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، المعروف ان الطائرات هي قطعة من أرض الدول التي تحمل إسمها وعلمها.. بالتالي مجاملة الطائرة تغطي هذا الجانب وأن كان للصحافي المخضرم وليد حسني رأي مختلف وهو يستعيد لقاء مماثلا على متن الباخرة لوسنتي بين الملك عبد العزيز وروزفلت بعد الحرب العالمية الثانية.
لا يوجد حرب عالمية تستوجب لقاء مماثلا على متن طائرة إلا إذا كانت الحرب التي يشنها الزعيمان على الاخوان المسلمين هي الهدف.
بكل الأحوال أعجبني تواضع السيسي فالوضع الصحي للعاهل السعودي على الأرجح منعه من نزول سلم الطائرة ومنظر المرافقين وهم محشورون في رواق الطائرة الملكية مثير للقلق ويذكرنا بان هذه الأمة يقودها الأن رجل عجوز لا يستطيع النزول من سلم الطائرة وجنرال عسكري يتبعه ويستطيع الهبوط بالمظلة من باب الرشاقة .
رشاقة مصر قياسا بمقعد الطائرة الذي يحكم السعودية ونظيره الذي يحكم الجزائر أصبحت علامة فارقة والتزاوج السياسي المالي بين الطرفين يقود محورا جديدا تماما بإسم الإعتدال العربي وما زلت شخصيا أعتقد بأن الحقبة «الداعشية» تخدم الأنظمة القمعية أكثر بكثير من الحقبة الاخوانية والله من وراء القصد.
معان ..الدم ..الدم
بالتزامن.. تنطلق مسيرة تأييد لـ»داعش» في مدينة معان جنوبي الأردن ثم تبث قنوات جهادية متعددة رسالة داعشية لأهالي مدينة معان «المرابطين» على ماذا؟ أنا شخصيا لا أعرف.
نصيحة المتحدث لأهالي معان كانت مكثفة جدا ومختصرة: إحذروا من دعاة السلمية والإنبطاح..الدم الدم.. السلاح السلاح.
الأطرف ذلك الشريط الذي اشارت له قناة التقوى، حيث يتحدث هنود وباكستانيون مقاتلون عن نيتهم دخول الأردن – لاغراض الفتح- طبعا وبكل بساطة على أن ذلك سيحصل بعد تحرير سورية والعراق.. اللافت لا أحد يريد تحرير فلسطين يا جماعة.
الرسالة الإذاعية مختصرة ومباشرة هذه المرة فهي ضـد السلمية ومع القتال بمعنى لا للحوار ونعم كبيرة للدم لماذا لا يهدر الدم في معان ما دام يهدر مع كرامة الإنسان العربي في كل مكان.
عتبي على الداعشيين كبير فهم قرروا التحريض على الدم في الأردن، الذي أفلت فعلا من دوامة الدم التي إجتاحت العالم العربي، وعلينا نحن الأردنيين ان ننتظر تلك اللحظة التي وصفها بذكاء زميلنا محمد فضيلات عندما قال «الأردن.. مملكة في طريق دولة داعش».
لا أملك كمواطن أردني إلا التحذير من لغة الدم والعودة للسلمية فالدم يجر الدم ولا يبني دولا والسلمية هي التي تنجي الجميع ولا توجد في الأردن قضية واحدة تستحق إهدار قطرة دم واحدة.
تذكرت أمير موسوي على «الجزيرة»، وفي برنامج «الإتجاه المعاكس» عندما سأل فيصل القاسم ببرود: إنت ليش زعلان من الإمام علي؟ سؤالي لجماعة الدم بصرف النظر عن هويتهم: ليش زعلانيين من الأردن؟
الإنسان البنزين
تنقلك كاميرا عبد القادر عياض بسرعة ما بين أحداث أقرب إلى كوكتيل فمن سائحة فرنسية تمتدح جزيرة جربا التونسية وتدعو عجائز فرنسا لمشاركتها رحلة المتعة إلى تقرير عن فوائد براعم البروكلي ودورها الفاعل في إخراج سموم الجسم البشري وتحديدا من مادة البنزين.
قبل تقرير «الجزيرة» لم أكن أعرف إطلاقا أن في جسدي كمية مؤهلة لقتلي من البنزين والأن فهمت كيف ولماذا يشتعل اللحم البشري بسرعة بمجرد إحتكاكه بعود ثقاب فالبنزين موجود في الدم والسوائل بالأجساد، خصوصا في دول العالم الثالث التي يستنشق مواطنها بكفاءة عوادم السيارات بسبب ضعف أنظمة الوقاية من المحروقات.
لو كنت مكان أي حكومة في بلد غير نفطي لأصدرت قانونا يجبر كل مواطن أو كائن نفطي على التبرع بكمية من سوائله سنويا وتحويلها إلى محروقات متطورة يتم إستنشاقها مجددا، بحيث يتحول المواطن إلى منتج ومستهلك للنفط في آن واحد وفقا للمقولة الشعبية الرائجة «من دهنه.. إقلي له».
عريس السلط
حزن غاضب عم الأردنيين جميعا وهم يشيعون جثمان الشاب وسام حداد الذي فقد حياته برصاصة في الرأس بعد خلاف مع زميل له في العمل.
مشهد المشيعين كما اظهرته وكالة صوت الأردنيين المصورة يصفع الروح من شدة الألم فالشاب الأنيق الذي لامست صوره قلوب الأردنيين وهو يرتدي الكوفية الحمراء شيع وسط أهزوجة أردنية تراثية ترددها الأمهات.
وسام حداد او عريس السلط على حد تعبير الزميل صالح عربيات شاب أردني مسيحي إعترضته سيارة زميله المسلم بعد خلاف بالعمل بينهما.. فتح الشاب زجاج السيارة ليسأل فإنطلقت الرصاصة بدون «إحم ولا دستور».. عملية إجرامية قوامها القتل بدم بارد وبالطريقة نفسها قتلت قبل ذلك الفتاة نور العوضات ومزق جسدها.
يمكن في السياق إستذكار اللقطة الشهيرة لفضائية «بي بي سي»، التي تظهر فيها إمرأة عجوز وهي تتوعد قاتل حفيدتها بأن تلتهم كبده وإستذكار الأردني الذي غضب في الشارع من سائق تجاوزه عند الإشارة الحمراء فأرداه فورا بالرصاص وقبل ذلك القتلى السبعة الذين سقطوا بعد مشاجرة عائلية لإن الماعز الأسود إعتلى شجرة دوالي للجيران وإلتهم بعض أوراقها.
العنف يجتاح الأردنيين وبلا سبب وهذه المرة لا علاقة للأمر بداعش ولا بالسلفيين ولا بأي جهة اخرى، فالعنف يستوطن الإنسان الأردني وروحه وقلبه وعمليات القتل بدم بارد أصبحت من طابع الحياة الإجتماعية والسلطات جميعها تخفق بشدة في التعاطي مع الظاهرة وحتى مناقشتها.
٭ مدير مكتب «القد س العربي» في عمان
بسام البدارين