لا انضباط اللغة التي تفرضها الوظيفة الدبلوماسية، ولا مرونة المصطلح كما تتوفر في المعجم الأكاديمي، ولا وقائع الشدّ والجذب التي راقبها منذ تموز (يوليو) 2017 حين عُيّن مبعوثا خاصاً للأمم المتحدة… لا هذه كلها، ولا سواها، أسعفت غسان سلامة إذْ أصغى، صامتاً تماماً، لانتقادات فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، ضدّ العملية العسكرية التي شرعت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في تنفيذها جنوبي البلاد. لاحقاً، والقتال متواصل حول حقل الشرارة النفطي، وطيران حفتر يقصف مطار الفيل في محيط حقل نفطي آخر؛ أصدرت بعثة الأمم المتحدة بياناً موجزاً، جاء في أقلّ من 80 كلمة حسب النصّ العربي، أشارت فيه إلى أنها “تذكّر جميع الأطراف بمسؤوليتهم في ضمان سلامة المواطنين وتأمين ثروات البلاد التي هي ملك لجميع الليبيين وذلك عبر الابتعاد كلياً عن استهداف المرافق الاقتصادية وعدم المساس بالمدنيين تحت أي ذريعة والتقيد التام بالقانون الإنساني الدولي”.
والحال أنّ هذا النصّ يكشف، أوّلاً، عجز المنظمة الدولية عن اتخاذ أية خطوة، حتى بالمعنى الرمزي المحض، أو على مستوى اللغة الدبلوماسية التي تجيز تفخيخ المعنى عادة، للاعتراض على (فما بالك بإدانة!) هجوم عسكري لعله الأخطر والأضخم؛ منذ أن تنطح حفتر للنيابة عن الشعب الليبي بأسره في تشكيل ما يُسمى بـ”الجيش الوطني”، وتنصيب ذاته قائداً أعلى له. لكنه، ثانياً، يفضح حال الرضا التي يتمتع بها حفتر على نطاق خارجي واسع؛ ليس لدى الأطراف الإقليمية التي تغذّي جيشه بالمال والسلاح فقط، بل كذلك لدى القوى الغربية الكبرى المنخرطة في الملفّ الليبي، وذات المصلحة في إدامة الوضع الراهن، العالق والمعلّق: ثمة “حكومة”، تحمل صفة “الوفاق الوطني”، يعترف بها المجتمع الدولي وعلى رأسه تلك القوى الغربية؛ وثمة جنرال، ترعرع في كنف العقيد معمر القذافي، قبل أن يشبّ ويشيب في حواضن المخابرات المركزية الأمريكية، يترأس سلطة موازية، جيشاً وحكومة وبرلماناً، تحت ذريعة محاربة الإرهاب وقطع دابر الجهاديين.
واضح، وجلي لا يقبل استغفال العقول، أنّ كلمة السرّ المفضوحة في هجمة حفتر الأخيرة هي النفط، أوّلاً وثانياً وعاشراً، في بلد يرقد على المقادير الأعلى من الخام في كامل القارّة الأفريقية، خاصة بعد نجاح مفاوضات السراج مع العاملين المضربين في حقل الشرارة، وانفتاح إمكانية استئناف الضخّ لبلوغ 1,6 مليون برميل يومياً نهاية 2019، والاقتراب بالتالي من معدلات الإنتاج ما قبل سقوط القذافي. وهكذا، لم يتبقّ سوى حفنة قليلة من الآبار في الجنوب حتى يستكمل الجنرال السيطرة على قطاع النفط بأكمله، فيصبح حاكم ليبيا الأوحد، ناطقاً في المقام الأوّل باسم داعميه الخارجيين، شرقاً وغرباً.
البُعد الآخر في عملية حفتر الأخيرة، ولا يقلّ خطورة عن حكاية الهيمنة على الثروة الوطنية، هو أنّ اختراق جنوب غربي ليبيا على هذا النحو العسكري ــ الميليشياتي الفظّ، خاصة تجنيد مرتزقة من السودان وتشاد، يثير حفيظة قبائل التبو؛ أو هو، بالأحرى، يعيد إشعال نيران النزاعات القديمة بين قبائل التبو وأولاد سليمان والزوية، بما يرقى إلى درجات مختلفة من التطهير العرقي المباشر حسب نشطاء على الأرض. هذا مغزى تصريح السراج بأنّ المجلس الرئاسي “لن يسمح بأن يصبح الجنوب ساحة لتصفية الحسابات السياسية، أو مدخلاً للفتنة بين المكونات التي تشكل نسيجه الاجتماعي”.
لكنّ تجسيد العالق، المعلّق، اليوم هو هذا بالضبط: أنّ حفتر، بقوّة داعميه الإقليميين والدوليين، يستكمل هيمنته العسكرية في جانب أوّل؛ ويعرقل، في جانب ثانٍ، إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تكفل قطع خطوة ملموسة نحو تحريك الحلّ، أو نقله إلى عتبة ديمقراطية من نوع ما. طريف، ومأساوي أيضاً بالطبع، أنّ بلداً مثل فرنسا يشجّع الجانبين معاً، فيدعم موقف حكومة الوفاق ويساند جهود المبعوث الأممي؛ وفي الآن ذاته لا يخالف حفتر، بل يمتدح عملياته أحياناً!
وفي كلّ حال، لا جديد طرأ على قديم هذا الكًيْل الغربي بأكثر من مكيال.