في سياق اهتمامها ببلورة الصورة الإنسانية للممرضة ووضعها في الإطار الاجتماعي اللائق، طرحت السينما المصرية أشكالاً وأنماطاً مختلفة لماهية وطبيعة الممرضات، وفي كل مرة كان الانحياز هو عنوان الدور الذي تقوم به تلك الفئة التي تقف على حد المساواة مع الأطباء بوصفها عنصراً مُكملاً لدورهم المٌقدر بشكل كبير في الواقع وفي الصورة الدرامية.
ولم يشذ عن هذه القاعدة غير حالات نادرة جداً أعملت فيها السينما حاسة النقد إزاء بعض التجاوزات القليلة الصادرة من بعض الممرضات في ظروف وملابسات خاصة أخضعتها الرؤية الفنية للمصادفة والأخطاء الواردة من عناصر فردية لا تمثل المجموع الكلي للفئة الأكثر تفانياً في العمل الطبي والإنساني، ولهذا لم يُعتد كثيراً بالنماذج السلبية العابرة في أفلام بعينها وظل التقييم مرتبطاً بما قُدم عن الصحيح والإيجابي في سلوك ملائكة الرحمة وفق التسمية والوصف القريب من الحقيقة في أغلب من الأحيان.
ولنعُد بالذاكرة إلى أفلام بعينها لنسلط الضوء بشكل نسبي وفي حدود ما تحتمله القراءة النقدية لبعض الأعمال، فعلى سبيل المثال كان دور المطربة الشهيرة نجاة الصغيرة علامة فارقة في فيلم “الشموع السوداء” حيث جسدت شخصية إيمان الممرضة التي تم استدعائها من أحد المستشفيات لتتولى رعاية وتطبيب البطل صالح سليم أو أحمد الذي أصيب في حادث ففقد بصره وتدهورت حالته النفسية، وبات معادياً لكل شيء بتأثير الصدمة، ولم يكن بوسع أي من المحيطين به التعامل معه من فرط حساسيته وعصبيته، إلى أن جاءت الفتاة الشابة الرقيقة الرومانسية لتتولى أمره فما كان منه إلا الرفض واختلاق الحيل والأسباب لإبعادها عنه كونه يرفض الشفقة ويتمرد على أساليب المعاملة الودودة وسُبل العلاج.
ونجد في هذا الخصوص وبحسب المعالجة الدرامية والتراجيدية التي أخذت طابعاً إنسانياً وسيكولوجياً، أن الممرضة بما لديها من خبرات وأدوات استطاعت التعامل مع أزمة البطل واخترقت حاجز العزلة التي فرضها على نفسه وباتت في زمن قياسي أقرب الناس إليه، وليس هذا فحسب وإنما تجاوزت معه حدود العلاقة المهنية فصارت حبه الوحيد النقي. وبفضل هذا التطور استرد أحمد أو صالح سليم بصره بعد استرداد بصيرته، وانتهى الفيلم نهاية سعيدة عقب مرور موجات التوتر والإحباط في مسيرة البطل المكفوف ليظل المفهوم الإيجابي هو الأوضح في رمزية الدور المهم للممرضة القابضة على جمر الفضيلة والأخلاق.
ويلاحظ في الخلفيات الأساسية للفيلم أن المقصود ليس هو الحدوتة الدرامية فهي مجرد إطار لمعنى أكبر ينطوي على تعزيز صورة الممرضة بوصفها الموضوعة دائماً في مقابلة مع الأطباء والمقرون دورها بدورهم، والمعدودة في المرتبة الثانية بعدهم، لذا جاء الفيلم لينفي تلك الفكرة ويُعظم من دورها وأدائها لتصبح مساوية للطبيب في القيمة والحيثية.
وبنفس المقاييس تقريباً حرصت السينما المصرية على الإعلاء من شأن الممرضة كعنصر ضروري لسلامة المواطنين وأمنهم الصحي، ومن ثم سلامة المجتمع كله، وتعود تلك الرؤية التنويرية إلى وعي كُتاب السيناريو والمخرجين وهم بطبيعة الحال من المثقفين الرافضين لمبدأ العنصرية والتمييز الطبقي والفئوي، وعلى هذا الأساس نجحت معظم الأفلام في جذب انتباه المشاهد وإثارة إعجابه.
وفي تزامن قريب مع فيلم “الشموع السوداء” جاء فيلم “نور الليل” بطولة مريم فخر الدين وأحمد مظهر وصلاح ذو الفقار، وقد دارت أحداثة حول قصة عاطفية جمعت بين ممرضة وشاب أصيب بفقدان البصر وتحولت حياته إلى مأساة، لكن وجودها بجواره خفف عنه كثيراً وأعاد إليه الأمل في الحياة بعد اليأس والقنوط، وهو تشابه قريب بين القصتين يدعو إلى عقد مقارنه وجوبيه بين الفيلمين لولا أن تواتر الأحداث واختلاف تفاصيلها جعل لكل منهما خصوصيته وخطه الدرامي المختلف إلى حد ما، بالرغم من أن الرابط واحد وهو وجود الممرضة كعنصر رئيسي داخل القصة الرومانسية التي استُخدمت كمسوغ لتقريب المسافات بين البطل والبطلة وجعلها سبباً في حل المشكلة المزمنة بعد إجراء جراحة استثنائية للمكفوف وإعادة النور لعينية مره أخرى.
يتبقى نموذجاً مغايراً للفكرة السينمائية المصرية التقليدية والسائدة في معظم الأفلام، وهو النموذج المتمثل في فيلم “الضائعة” للمخرج عاطف سالم وبطولة نادية الجندي وسعيد صالح والذي يعرج عبر مستويين متناقضين من التجسيد والأداء على التباين في صفات الممرضة وطبيعتها كأي إنسانة أخرى يجوز أن تكون جانية أو مجنيا عليها وهما خطان دراميان حرص المخرج على تقديمهما بالتوازي لتحري الدقة في الصورة الواقعية لحياة الممرضات، بإسناد الدور الرئيسي الأكثر تراجيدية للبطلة الأساسية وهي نادية الجندي التي سافرت للعمل في إحدى دول الخليج وتشكلت مسيرتها بألوان من المرارة والمأساة بعد استيلاء زوجها سعيد صالح على كل مدخراتها طوال سنوات الغربة وفقدانها لعقلها من هول الصدمة، أما المثال الآخر فعنيت بتقديمه الفنانة الراحلة سعاد نصر على هامش الحكاية المؤثرة كإشارة للعنصر السلبي، إذ دأبت الممرضة غير السوية على سرقة دواء المورفين وبيعة في السوق السوداء لحسابها الشخصي، وهو تصرف مشين ارتبط بسلوكها المنحرف طوال زمن الفيلم.
أما وردة الجزائرية فقد اضطلعت بتقديم الجانب الرومانسي والمثالي في شخصية الممرضة مع حسن يوسف إبان فترة نجوميتها في سبعينيات القرن الماضي من خلال فيلم “صوت الحب” للمخرج حلمي رفله والذي عالج بهدوء مشكلة الطبقية واستهدف إزالة الحاجز الاجتماعي بين الطرفين المتحابين لإثبات صحة مبدأ المساواة بين البشر باعتبار ذلك هو الأصل في القانون الإنساني والشرائع السماوية.