ملاحظات حول أزمة عملية السلام ـ الحياة وقفة عز لا مفاوضات عبثية

بنعومة بالغة حمل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مسؤولية وصول المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى طريق مسدود. ‘كل من الطـــــرفين يتحمل جزءا من المسؤولية باتخاذ خطوات غير مساعـــدة، لكن مسلسل الأحداث الأخيرة جاء بسبب إعلان إسرائيل إنشاء 700 وحدة سكنية في مستوطنة قرب القدس متجاوزة خطوط عام 1967 في أرض يدعي الفلسطينيون أنها ستكون جزءا من دولة المستقبل’، قال كيري في معرض مداخلته أمام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء 8 نيسان/أبريل الحالي.
وأضاف أن إسرائيل تراجعت عن إطلاق الدفعة الرابعة من السجناء مما دفع الفلسطينيين إلى تقديم طلبات الانضمام إلى خمس عشرة اتفاقية دولية. بدأت بعدها الأزمة الحادة التي وصلت إليها المفاوضات.
السلطة الفلسطينية، من جهتها، أثارت ضجة كبرى مفتعلة في معظمها حول تقديم أهمية قرار تقديم طلبات الانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ولعبت إسرائيل في نفس اتجاه التضخيم معتبرة هذه الخطوة إختراقا خطيرا لتعهدات السلطة بعدم الانضمام للمنظمات الدولية أثناء فترة المفاوضات مما يبرر لإسرائيل إتخاذ خطوات عقابية، من بينها تجميد بعض المشاريع العمرانية في الضفة الغربية وقطع شركة الاتصالات الهاتفية عن غزة. قامت الولايات المتحدة بإرسال مارتن إنديك في محاولة أخيرة لإنقاذ المفاوضات وإعادتها إلى مسارها حيث نقلت وكالات الأنباء قولا عن كبير المفاوضين يهدد فيه تسيفي ليفني بمطاردة قيادات إسرائيل وجرجرتهم للمحكمة الجنائية الدولية (أو بعضهم) كمجرمي حرب. وسنحاول في هذا المقال، وبعيدا عن تسييس الخطوة لكسب تعاطف فلسطيني وعربي، أن نفهم قيمة هذه الخطوة ونضعها في إطارها الصحيح على ضوء الأزمة التي وصلت إليها مسيرة السلام بعد أكثر من عشرين سنة من المفاوضات، حتى أصبحت المفاوضات هدفا في حد ذاتها لا ينتج عنها إلا جعجعة ولا يرى أحد منها طحنا، مما يدل على أن السلطات الثلاث في رام الله وتل أبيب وواشطن مستفيدة من إستمرار المفاوضات من أجل المفاوضات ولا أحد يريد أن يلام على فشلها، رغم إن الأرضية التي أقيمت عليها المفاوضات من الأساس لا يمكن إلا أن تؤدي لهذه النهاية المتوقعة.

الانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية

هناك فرق كبير بين الانضـــــمام إلى وكالة دولية أو صندوق أو برناج والانضمام إلى معاهــــــدة أو عقد أو اتفاقية أو إعلان. الحالة الأولى مهمة ولها قيمتان مادية ومعنوية والثانية مهمة لكن الأهمية المعنوية أكـــبر وقد لا يكون هناك تجسيد مادي إلا بمقدار ما تفتح الدولة الموقعة أبواباها لمراقبة مدى التزامها بتلك الاتفاقية.
المعاهدة أو الاتفاقية مجموعة بنود تتعلق بموضوع معين تلزم المصدقين عليها بالالتزام بتلك البنود وقد يتم مراجعة أو تنبيه تلك الدولة إن هي لم تلتزم أو انتهكت البعض أو تلك البنود.
فعندما يتم التوصل إلى اتفاقية دولية ويتم إعتمادها في الجمعية العامة تفتح الاتفاقية للتوقيع والتصديق. والتوقيع وحده لا يكفي بل يحتاج دخول الإتفاقية حيز التنفيذ عددا من التصديقات. ولنأخذ عينة من الاتفاقيات التي قدمت السلطة الفلسطينية طلب الانضمام إليها. من بينها العقد الدولي للحقوق السياسية والمدنية عام 1954فقد صوتت عليه الجمعية العامة في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1966 ودخل حيز التنفيذ والإلزام في آذار/مارس 1976 والعقد موجود في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة للتوقيع عليه بعد أن يمر الطلب عبر الدائرة القانونية. وقد وصلت التصديقات عليه الآن إلى 167 دولة. مثال آخر الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز ضد المرأة المعروفة باسم ‘سيداو’ تم التصويت عليها في الجمعية العامة عام 1979 باغلبية 130 صوتا مع وبدون معارضة وامتناع 10 دول . قامت 64 دولة بالتوقيع على الاتفاقية في إحتفالية خاصة في كوبنهاغن في 17 تموز/يوليو عام 1980 ولم يصدق على الاتفاقية حينها إلا دولتان. وفي 3 أيلول/سبتمبر دخلت الاتفاقية حيز الإلزام عندما وصل عدد التصديقات إلى عشرين . والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989 وقد دخلت حيز الإلزام في 2 أيلول/سبتمبر 1990.
أما الانضمام إلى الوكالات المتخصصة فهو أمر في بعض الأحيان أيسر ويحمل وزنا أكبر خاصة إذا كان لدى الوكالة المتخصصة آلية تعتمد التصويت بالأغلبية البسيطة لضم الأعضاء الجدد كما فعلت السلطة الفلسطينية عندما إنضمت إلى اليونسكو عام 2010 بعد التصويت على عضويتها في المؤتمر العام لليونسكو والذي قبل العضوية بغالبية 107 أعضاء بينما صوت ضد القرار 14 وامتنع عن التصويت 52 دولة ثم باعتماد ثلثي المجلس التنفيذي لتلك العضوية. ومن بين تلك المنظمات والوكالات والصناديق المتخصصة: منظمة الأغذية والزراعة، منظمة الصحة العالمية، منظمة الملكية الفكرية، صندوق الأمم المتحدة للسكان، برنامج الغذاء العالمي، منظمة الصناعة والتنمية، الاتحاد الدولي للاتصالات اللاسكية وغيرها الكثير. لكن الواضح أن السلطة الفلسطينية عرفت كيف تختار منطقة الصراع والتي لا تلحق أذى بها ولكنها قد تزعج إسرائيل لمجرد الحضور الفلسطيني.
إذن السلطة الفلسطينية تعرف أن التوقيع والتصديق على هذه الاتفاقيات لا يحمل كثيرا من الوزن الفعلي وقد لا يجد معارضة فعلية إلا من قبل مجموعة صغيرة تتعلل بمثل هذه القرارات. بل إن هذه التوقيعات في حال قبولها يضع بعض الالتزامات على السلطة الفلسطينية. فمثلا الانضمام إلى اتفاقية حقوق الطفل يجبر السلطة على إتباع مجموعة من القواعد والمبادئ والإجراءات المنصوص عليها في الاتفاقية كالحماية والتعليم وعدم التجنيد قبل السن القانونية وعدم التعذيب وحماية هوية الطفل وأن تكون مصلحة الطفل هي الفيصل عند حصول الطلاق أو الفراق بين الزوجين ولم شمل الطفل مع عائلته في حالة التفريق القسري وتحريم الاتجار بالأطفال وغير ذلك من التفاصيل.

طريقة الحسم لصالح فلسطين

إن معركة الانضمام للمعاهدات الدولية على أهمية رمزيتها فهي لا تقرب أحدا من وطنه ولا تعيد لاجئا إلى بيته ولا توقف زحف مستوطنة على قطع الأراضي المجاورة لها ولا تهدم جزءا من الجدار العازل. والثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني كبير إذا ما بقيت الأمور كما هي تراوح في حلقة مفرغة من المفاوضات العبثية والتي تعطي الغطاء المثالي لإسرائيل للتمادي في سياسة ‘الإقتلاع العرقي’ من كل جزء من فلسطين. وحتى تنجح المفاوضات الحالية بين إسرائيل والسلطة وبحضور الوسيط الأمريكي غير النزيه الذي يعمل مراسلا عند نتنياهو لا بد من توفر واحد من ثلاثة شروط:
أولا أن تتغير إسرائيل الحالية ويصــــل إلى سلطتها جيل كامل يمثله حزب طليعي شجـــــاع يقوده رجــــل شـــجاع (أو امرأة شجاعة) على طريقة دي كليرك في جنوب أفريقيا، ويأخــذ قرار الإنسحاب الشامل من كل الأرض المحتلة وتفكيك المستوطنات وإدخال اللاجئين إلى بلادهم الأصلية.
ثانيا أن تتغير أمريكا وتضغط باتجاه فرض حل عادل على الفلسطينيين والإسرائيليين وتقول هذا ما نريده ولا يملك أحد حق رفضه ونحن من سيكفل الدولة الفلسطينية وهو ما لا نتوقعه.
ثالثا: أن تتغير السلطة الفلسطينية فعلا وتعلن رسميا نهاية المفاوضات ونهاية أوسلو ونهاية عصر الأبوات الذي قادنا من هزيمة إلى أخرى ونهاية التنسيق الأمني ومقاطعة إسرائيل من كل النواحي مع تصعيد شامل على مستوى العالم لتعزيز وتوسيع برنامج المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات. وقبل هذا وبعده دعوة الشعب الفلسطيني إلى خوض مقاومة سلمية شاملة لا تكل ولا تمل ولا تتراجع ولا تنحرف إلى أن تشبـّك مع إخوانها العرب عندما يمدون لها الأيادي.
وبنظرة واقعية على الخيارات الثــــلاثة لا نجد أيا منها يمكن أن يتحقق على المدى القريب إلا الخيار الثالث المتعلق بحل سلطة أقيمت على أساس هش وأوصلت الشعب الفلسطيني إلا حالة من الانقسام والسلبية والانسحاب واللا مبالاة.
السلطة هي المدعوة الآن إلى الرحيل الدائم بعد هذا المأزق الخطير التي أوصلت القضية الفلسطينية إليه. دع الاحتلال يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام العالم ليصبح دولة محتلة في مواجهة شعب أعزل يقاوم الاحتلال غير الشرعي وغير الأخلاقي … وأنا واثق أن ‘العين يومها ستناطح المخرز وتنتصر عليه’.

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية