ملاحظات حول تقرير فحص السموم في رفات الرئيس ابو عمار
11 - November - 2013
حجم الخط
0
لقد اطلعت على التقرير الكامل باللغة الانكليزية (108 صفحات)، الصادر عن مختبر فحص السموم السويسري، الذي يتم الحصول عليه من موقع قناة ‘الجزيرة’، والمتعلق بنتائج فحص رفات الرئيس الراحل ابو عمار، حول احتمال وجود مواد سامة، ويشمل التقرير عرضا لنتائج فحوصات او دراسات تتعلق بثلاثة محاور: دراسة معمقة للسجلات الطبية للرئيس عرفات لتبيان التاريخ المرضي، فحوصات لمتعلقات شخصية توجد او وجدت في حقيبة السفر الخاصة بالرئيس ابو عمار، وكذلك، وربما الاهم هو فحوصات جنائية لعينات تم اخذها من رفات الرئيس عرفات بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012 . ومعروف ان الهدف الاساسي المعلن من اخذ عينات من رفات الرئيس عرفات هو اجراء تحاليل لامكانية وجود مواد سامة في الرفات، او في ما تبقى منه وبالاخص العظام، وبالتحديد البحث عن امكانية وجود مواد سامة مشعة، تتمثل في مادة ‘البولونيوم’ وما ينتج عنها من متحللات او ما يصاحبها من مواد او مخلفات، ومعروف في علم السموم ان هناك تسمما كيميائيا، اي من خلال التعرض لمواد كيميائية عضوية كالمبيدات الكيميائية، او مواد الديوكسين او الاسلحة الكيميائية التي هي في الغالب تنتمي الى نفس عائلة المبيدات الفسفوروعضوية، والتسمم من خلال مواد كيميائية غير عضوية او معادن مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ والكادميوم وغيرهما، او التسمم البيولوجي نتيجة التعرض لميكروبات وما يتبعهما، او التسمم نتيجة التعرض لمواد مشعة، او قد يكون التسمم نتيجة التعرض لاكثر من نوع من المواد في نفس الوقت، اي على سبيل المثال، مواد كيميائية ومواد اشعاعية. وحسب بديهيات علم السموم، فان شدة التسمم او خطورته تعتمد على عدة عوامل، منها المادة نفسها، الجرعة او التركيز، مدة التعرض الزمنية، اسلوب التعرض او دخول المادة الى الجسم، وكذلك هل كان التعرض لمادة واحدة او مواد مشتركة في نفس الوقت، وقد يكون التسمم لحظيا، اي يؤدي الى الموت فورا، او تظهر الاصابة بعد فترة قصيرة على شكل اعراض، او يكون بعيد المدى، خاصة حين يكون التعرض لجرعة او جرعات صغيرة من اجل اخفاء الاثار المباشرة، ولكن مع الزمن تتراكم هذه الجرعة او المادة داخل الجسم، محدثة الاعاقة او المرض او الموت البطيء. وفي الغالب فان التسمم او التسميم عن طريق مواد كيميائية وبجرعات صغيرة، يؤدي الى اختفاء هذه المواد من الجسم بسرعة بعد اعطاء مفعولها، ولكن مع بقاء تأثيرها، اي انها تتحلل الى مواد اخرى داخل الجسم، وفي الغالب مواد غير خطيرة لها خاصية الذوبان في المياه، وتخرج مع البول من الجسم، وبالتالي سوف يكون من الصعب تتبعها او اكتشافها داخل الجسم بعد فترة طويلة، ومن الامثلة على ذلك ادوية كثيرة، ومبيدات، وبعض المخدرات، لذا في علم السموم الجنائي يتم البحث عادة من مخلفات المواد الاصلية، وبالاخص في البول او البراز، والعملية ليست سهلة، وتحتاج الى اجهزة دقيقة، خاصة اذا كانت الجرعة صغيرة ولكنها سامة جدا. ومن هذا المنطلق، فان تقرير المختبر السويسري، اظهر وجود مواد مشعة، اي البولونيوم 210 والرصاص 210 المشعين، ومعروف ان المواد المشعة تتراكم في انسجة الجسم، وبالاخص العظام لفترة طويلة، واشار التقرير الى بقايا بعض الادوية العادية التي كان الرئيس عرفات يتناولها، ولكن من البديهي عدم وجود مواد كيميائية وبالاخص عضوية قد تكون سببت التسمم، لان البحث عنها لم يكن منطقيا في هذه المرحلة، وبالتالي لو افترضنا ان التسمم كان عن طريق مواد كيميائية، او مواد كيميائية ومشعة معا، فلن يكون ممكنا ايجاد المواد الكيميائية في رفات الرئيس الراحل ابو عمار في هذه الحالة. ورغم ان التقرير لم يؤكد ان سبب الموت كان نتيجة وجود البولونيوم 210 او الرصاص 210 في الرفات، وبالاخص عظام الحوض والكتفين، الا انه اشار وبوضوح الى ان كمية البولونيوم 210 التي وجدت في الرفات كانت حوالي 18 مرة اكثر من المعدلات الطبيعية لهذه المادة، وهذا يعني انها دخلت الى جسم الرئيس الراحل ابو عمار عن طريق مصدر غير طبيعي، اي تم ادخالها او ايصالها الى الجسم، ولازالة اي شك بأن هذه المادة وبهذا التركيز يمكن ان تكون موجودة في البيئة المحيطة بقبر الرئيس ابو عمار، فقد تم اخذ عينات من التربة المحيطة بالقبر ومن مكان المسجد، وحتى من طبقات على تفاوت مختلف من التربة من داخل القبر، وتم فحصها لوجود مادة البولونيوم 210، التي وجدت بكميات ضئيلة او طبيعية اي كما هي في الطبيعة، وهذا يؤكد ان البولونيوم تم ايصالة الى جسم الراحل ابو عمار وبشكل متعمد وبهدف الايذاء او التسميم او القتل، خاصة انه باتة معروفة الاثار السامة الوخيمة للتعرض للبولونيوم، وكما ثبت من حادثة تعريض الجاسوس السوفييتي السابق لهذه المادة في لندن في عام 2006، اي بعد وفاة ابوعمار. ورغم ان التقرير حاول رسم’ نموذج حركي او ديناميكي’ لدخول البولونيوم الى الجسم وترسبه في العظام، وكذلك نموذج حركي لكيفية تكون الرصاص المشع من البولونيوم ومن ثم وصوله الى العظام، الا ان عدم التأكيد وبدون شك ان الموت كان بسبب البولونيوم او متحللاته من الرصاص المشع، ربما يعود الى ضحالة المعلومات المتوفرة عن التسمم بهذه المواد، وذلك لقلة حالات التسمم او لعدم توفر هذه المواد على نطاق واسع، لاجراء ابحاث ودراسات عن اثارها في المختبرات العالمية، ومعروف في اساسيات علم السموم ان هناك ما يعرف بـ’ الجرعة او الجرعات السامة’ لكل مادة، وهذا متوفر في النشرات والكتب، ويقاس عادة الاثر السام بكمية المادة مقارنة مع كتلة الجسم، وبالطبع كلما قلت كمية المادة السامة تكون اكثر خطرا، وهناك مواد تقتل بكميات اقل من الميكروغرام، واخرى تحتاج الى غرامات او اكثر، وفي العادة يتم اجراء دراسات على الحيوانات في المختبر لتحديد ذلك، ولذا ربما يكون هذا متوفرا او يمكن القيام به بالنسبة لمادة البولونيوم، ومن ثم مقارنة ذلك مع التركيز الذي وجد في رفات ابوعمار، مع الاخذ بعين الاعتبار عوامل عدة. واذا كان التقرير السويسري قد اكد وجود مواد مشعة وبكميات كبيرة غير طبيعية في رفات الرئيس الراحل ابو عمار، فان احتمال وجود مواد سامة اخرى، وبالاخص مواد كيميائية او متحولاتها، ولو بكميات قليلة في سوائل الجسم من دم وبول او اغشية، يمكن ان يكون قد تم فحصه من قبل الجانب الفرنسي الذي كان بامكانه الحصول على هذه العينات خلال وجود الرئيس في المستشفى او بعد الوفاة، ورغم انه لا جدال على حصول موضوع التسمم، وان الرئيس ابو عمار لم يمت موتا طبيعيا، حسبما اشارت اليه لجنة التحقيق الفلسطينية، الا ان الحصول على نتائج التحاليل الفرنسية لامكانية وجود مواد كيميائية، او العينات نفسها لاجراء المزيد من التحاليل هو مهم من الناحية الجنائية، ومعروف في علم السموم ان هناك مواد تحفز عمل مواد اخرى غير سامة، اي ان وجود اكثر من مادة، سواء كيميائية او مشعة، ربما يكون تأثيرها السام بشكل مفرد نسبيا محدودا، الا ان وجود عدة مواد معا داخل الجسم يحفز الاثر السام لكل مادة، نتيجة تأثير كيميائي او بيولوجي او فسيولوجي، وهناك امثلة عديدة لدراسات عالمية منشورة على ذلك، وكذلك فان وجود مواد غريبة داخل الجسم معا، قد ينتج عنه تشكل مادة جديدة داخل الجسم وبشكل اكثر سمية، لذا معروف ان شركات الادوية العالمية، وحين تطوير دواء جديد، تقوم باجراء دراسات السمية على احتمال التعرض لاكثر من دواء او دواء ومواد اخرى في نفس الوقت. وخلال عملي في احدى الجامعات الامريكية، كان هدف احد الابحاث هو محاولة الاجابة على سؤال يتعلق بالاعراض السامة غير المتوقعة التي ظهرت على الجنود الامريكيين بعد عودتهم من حرب الخليج الاولى، واحدى الفرضيات كانت هي احتمال التعرض المشترك لعدة مواد كيميائية في نفس الوقت، خصوصا مبيدا حشريا كان يتم رشه في اماكن سكناهم، ومادة كيميائية طاردة للحشرات يتم دهنها على الجلد، واحد الادوية الذي تم اعطاؤه للجنود عن طريق الفم، كمضاد لاحتمال تعرضهم لهجمات بالاسلحة الكيميائية، وكل مادة من هذه المواد تعتبر نسبيا غير سامة حين يتم اخذها منفردة، ولكن وصول هذه المواد معا الى الجسم قد يؤثر على آلية عمل او طريقة تحلل احداها او كلاهما، وبالتالي احداث اثار سامة غير متوقعة وقد تكون خطيرة. ورغم ان التقرير السويسري اجاب بوضوح على السؤال الاساسي حول وجود مادة البولونيوم، وبكميات غير طبيعية او كبيرة في رفات الرئيس الراحل ابو عمار، ورغم التأكيد من قبل لجنة التحقيق الفلسطينية ان ابو عمار لم يمت موتا طبيعيا، الا ان الحصول على نتائج الفحوصات الفرنسية لسوائل او اغشية الجسم، وكذلك اجراء المزيد من دراسات السمية على البولونيوم 210 او الرصاص210 ، ومن ثم ربط ذلك بالجرعة التي وجدت في رفات الرئيس ابو عمار، هما مكملان لتبيان الحقيقة التي يريدها الشعب الفلسطيني، وبشكل كامل، التي حتى يتم انشاء مختبر فلسطيني متخصص ومؤهل وبكادر مدرب لاجراء فحوصات السموم، يبقى الاعتماد حاليا على نتائج او على قرارات اصدار النتائج من المختبرات الاجنبية. كاتب فلسطيني