ملامح تعارضية في تقنيات الرواية العراقية المعاصرة

في سياق الثقافة الغربية هناك الكثير من المحاولات جاءت بصيغة بحوث ودراسات أكاديمية لفهم وتفكيك بنية الفن الروائي، وصولا إلى موضعته في مفهوم محدد. هذا الجهد بدا واضحا في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان للشكلانيين الروس (1914 – 1930) أثر كبير في تهيئة مناخ عام أفضى في محصلته إلى انتعاش إرهاصات الحداثة، وفي سياق هذا الإطار تمرد الروائيون على البنى الفنية التي استورثوها من الأجيال التي سبقتهم، ووضعوا مشاريعهم في حالة مواجهة مع تقنيات الكتابة الكلاسيكية، ولم يأت ذلك المسعى البحثي إلاَّ بناء على معطيات أفرزها واقع إنساني بائس تمخض عن حربين عالميتين مدمرتين غيَّرت وجه العالم، وبدلا عنه حل عالم آخر، وقد اتسم العالم الجديد بالحيوية والسرعة، وكان للفنون بشكل عام والرواية على وجه خاص حصة كبيرة في أن تشهد ميادينها تحولات ثورية على مستوى إعادة فهم الشكل والبنى والتقنيات، برؤى مضادة ومقوِّضة لأسلوب الطبيعية والواقعية.

شكل غير مستقر

مع كل المحاولات النظرية للوصول إلى مفهوم يقنن الرواية ويضعها في منظور واضح لا يترك التباسا في الفهم، تشير معظم الدراسات إلى أنه لم يكن هناك ما يشير إلى اتفاق يجمع الباحثين والمنظّرين على تعريف محدد، بل سيصبح هذا اللااتفاق الميزة التي تجمعهم في استنتاجاتهم، وهذا يعود إلى ما شهدته الكتابة الروائية من عمليات خلق وابتكار اصطبغت بالتمرد على الأنماط التقليدية التي كرسها كتاب القرنين الثامن والتاسع عشر. من الناحيتين الإبداعية والنقدية، أشار هذا الحراك إلى أن الكتابة السردية المنضوية في سياق منتجات الحداثة لا تعرف الركون إلى الثبات، وتميل بقوة نحو تجديد آلياتها في تقنيات السرد، وعدم الانتظام ضمن شكل محدد منهجيا، وعدَّ ذلك في نظر البعض من الباحثين والمبدعين، تأكيدا على هوية الرواية غير المستقرة، وأسباب ذلك من وجهة نظرهم، أن الواقع نفسه الذي تتعامل معه الرواية غير مستقر، بالتالي فإن المتخيل الروائي بالضرورة سيأخذ شكله من اللاستقرار في الواقع.
اليوم وبعد ذلك المخاض استوعبت الرواية، ومنها العربية والعراقية، أشكالا أخرى جديدة أفرزها الواقع اليومي، فبالإضافة إلى وحدات فنية مثل الرسائل ودفاتر المذكرات واليوميات والمخطوطات، وغيرها من الأشكال التقنية التي كانت حاضرة في بنية الرواية خلال تاريخها، نجدها قد أضافت تقانات وأشكال أخرى إلى آليات بنيتها السردية، استوعبتها من وحي معطيات واقع جديد عنونته الثورة الهائلة في وسائل التواصل الرقمية. إنَّ الحرية التي يتمتع بها الفن الروائي، منحته إمكانية إقامة حوار متبادل ودائم بين المتخيل الروائي والواقع، فالقدرة التي تتوفر في الفن الروائي على أن يستوعب أشكالا مختلفة من اللغة والخطابات على اختلاف تقاناتها منحت سلطة التخييل مساحة واسعة من الحرية في تشكيل بنية السرد الروائي، مقارنة مع أشكال إبداعية أخرى.

تعدد الأصوات

قد يطرح هنا سؤال: ألا تؤدي مساحة الحرية إلى عملية إرباك وفوضى وعشوائية، بين خليط غير متجانس من الوحدات الفنية الداخلة في بنية الرواية؟
يبدو السؤال منطقيا من الناحية الأولية، لكن الخاصية التي توفرت في بنية السرد الروائي الحداثي وما بعده، تكمن في تعددية الأصوات الساردة، على غير ما كانت عليه الرواية الواقعية ببنيتها الأفقية، بما يحمل كل صوت سارد من اختلاف عن الآخر، من حيث الوعي الفردي والانتماء والرؤية وزاوية النظر إلى الواقع والأشياء والزمن والتاريخ، وهذا ما أتاح الفرصة في أن لا تكون هناك فوضى غير مقصودة أو تنافر وعدم انسجام في الوحدات المختلفة في الشكل العام الذي ينتهي إليه أي مخطوط روائي.

الوهم التخييلي

بالعودة إلى الرواية العراقية المعاصرة من حيث تنوع وتغير أساليب كتابتها، نجدها قد استثمرت آليات التحديث في شكل خطابها بتأثير من تمظهرات الحداثة وما بعدها، وذلك عندما عملت العديد من نماذجها على تعرية الوهم التخييلي الذي كرسته الكتابة الروائية الواقعية في ما انتجته من بنى متخيلة، وفي الوقت نفسه عملت على كشفها والتعليق عليها، أي أنها سارت في منحى بناء النص وتفكيكه أمام القارئ، وهذا ما يبدو على سبيل المثال في روايات: فؤاد التكرلي، لطفية الدليمي، خضير فليح الزيدي، ضياء الخالدي، أحمد السعداوي، سنان أنطون، سعد سعيد، طه حامد الشبيب، نزار عبد الستار، عبد الخالق الركابي، عبد المنعم الأمير، أحمد خلف، علي بدر علي بدر، حميد الربيعي، أوهر جرجيس، محمد علوان جبر، وهناك أسماء أخرى لا يسع المجال لذكرها. إذن يمكننا القول نحن أمام تحولات تشهدها الكتابة الروائية العراقية في بنيتها التقناتية، اتسمت بسيرورة «تعارضية» حسب وصف باتريشيا وو، في كتابها الموسوم «الميتافكشن.. المتخيل السردي الواعي بذاته النظرية والممارسة».

الرواية والواقع

إن ما يشهده واقعنا العربي من متغيرات بعد الألفية الثالثة على وجه خاص، دفع الكتاب الروائيين العراقيين مثل غيرهم من الكتاب العرب، إلى أن يعيدوا النظر في منظومة اليقينيات، ليس فقط في إطار التاريخ والدين والأخلاق والقيم فحسب، إنما تعدى ذلك إلى الشكل التخييلي الذي يستوعب الواقع، لأن العلاقة بين الفن والواقع تبقى في حالة جدلية، لايمكن أن تستقر وتهدأ على شكل واحد للتعبير عنها، وحالة الجدل والصيرورة وعدم الثبات في الواقع، تدفع بالنتيجة إلى عدم الاستقرار وإلى حدوث اهتزازات بين فترة في شكل المتخيل الروائي.
إن المتخيل السردي في حركته وعدم استقراره على مستوى الشكل والتقنيات، هو بالضرورة يعكس حالة من الرفض والثورة والتمرد على الواقع الذي يتفاعل معه، وهذا ما عبَّر عنه رواد الحداثة في الغرب، في بدايات القرن العشرين. وعملية الوعي بالتمرد في مشغل الرواية العراقية أخذت مؤشراته تعلن عن حضورها بشكل لافت مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، في أعقاب عملية غزو الكويت من قبل الجيش العراقي عام 1990، وما نتج عن ذلك من انهيار وتمزق في منظومة العالم العربي التقليدية، وعلى أثر ذلك فقد استجابت الكتابة الروائية إلى حقيقة أن الواقع مؤقت، وليس هناك من ثبات في الحقائق والمعطيات التاريخية، ومن هنا وجد الروائي نفسه أمام امتحان يحمل بين طياته أسئلة ملحة تشكك في البنى السياسية والاجتماعية، وقد طالت هذه الخلخلة بالنتيجة تقنيات الكتابة الروائية.

الفردية ونزعة الشكل

يبدو لحركة النقد أن هناك نماذج من الرواية العراقية المعاصرة ليست معنية بأن توصل رسالة واضحة إلى القارئ، وأن محور ما يقصده الروائي في تجربته ليس الواقع الذي يتعامل معه، بقدر ما يكون معنيا بواقع آخر في سبيله إلى الحدوث، بمعنى أنه منشغل في صياغة رؤيته الجمالية حول طبيعة الكتابة الروائية، كما يراها في كل عمل روائي ينتجه مشغله، وأمام هذه النزعة في إعلاء شأن الذاتوية في رؤية التجربة الروائية وتقنياتها، لم يعد الكاتب مهتما بالأيديولوجيا ولا بما يقوله نصه الروائي من أفكار، مثلما كان عليه على سبيل المثال النموذج الواقعي في روايات غائب طعمة فرمان، بقدر ما يسعى الروائي اليوم إلى تأسيس خطاب فني جمالي رافض لتقنيات السرد الواقعي. ووفق هذا المنظور طغت قصدية هدم تقنيات البناء التي تنمِّط الشكل الروائي الذي جاء به السرد في الروايات الكلاسيكية التأسيسية ممثلة في النماذج التي جاء بها بلزاك وفلوبير. إزاء ذلك ربما أصبحنا أمام مشهد تجلت فيه النزعة الفردية، حيث تراجعت تقاليد الكتابة بأنماطها الكلاسيكية والواقعية عن الكثير من نماذجه الروائية، بعد أن «فقدت شيئا فشيئا كل شيء: أملاكها، ثيابها، وجهها، جسدها، وحتى اسمها» حسب تعبير ناتالي ساروت.
نحن اليوم أمام نماذج روائية عراقية مختلفة ومتنوعة في ما تستند إليه من آليات في صياغة خطابها السردي، تكشف نزعة مؤلفيها من حيث اللغة والشكل والأساليب في الابتعاد عن أي مرجعيات كلاسيكية تقولب تجاربهم. ومن هنا باتت أمام النقد، بأدواته ومناهجه، مسؤولية الارتكان إلى جهاز مفاهيمي مستوحى من قيم النص.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية