الدوحة-“القدس العربي”: افتتح في قاعة المعارض في الدوحة في العاشر من آذار/مارس الجاري، معرض للرسام التعبيري المصري عبده البرماوي، تحت عنوان “ملحمة الوجه”. سعى البرماوي من خلال عرض ثري ضم أكثر من 40 لوحة، تمسك بتفاصيل وقسمات وملامح الوجه الإنساني، أن يضعنا أمام رحلة لكشف سر تلك العلاقة المتوترة بين الناس العاديين أو “الغلابة” مع السلطة.
باحث مصري في مجالات الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان في البلاد العربية، وفنان تشكيلي مهتم بالحركات الطليعية وتاريخها في العالم العربي. نشرت له دراسات عديدة في مجلات علمية وشارك في العديد من المؤتمرات العلمية الدولية. يعمل حاليا في مركز الأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة.
ينقل البرماوي، صورة عن تلك الملحمة بين الفرد الباحث عن حريته وسلطة ما فتئت تقمعه بشتى الأشكال والأساليب. في خضم هذه الملحمة نجد معالم الوجه تحاول تفكيك شيفرة السلطة العضوض، التي تنعكس سطوتها على الوجه؛ تحديا، أو خوفا، أو انهيارا، أو لا مبالاة، أو انتفاخا، أو ذهولا، أو تمردا. هذه الوجوه التي صاغها الفنان وفق أسلوبه التكعيبي، تواجه الظلم بقسماتها وخلجات مشاعرها المقسمة على معالم الوجه الشاهد/ الرائي/ المتلقي/ الثائر /المكسور تحكي الملحمة بتفاصيلها الدقيقة، يمكن أن نطلق عليها: شعب يواجه طاغية، أو وجوه تتحدى جلاديها.
نمرّ على اللوحات، برفقة البرماوي، لنتوقف أمام لوحة ضخمة، تحتل صدارة العرض، أطلق عليها “رعاياك” نرى فيها الصراع بين الوجوه المكسورة وأناس مدججين بالسلاح، كأنهم كائنات حديدية جاءت من فضاء خارجي خالية من المشاعر. تكتمل الحكاية أو تبدأ من جديد مع لوحة “موقعة الجمل” التي اختلطت فيها الوجوه بأدوات قمعها، فترى الوجوه المطوحة على الأرض تشخص بأبصارها تجاه القتلة لكنها لا تنكسر؛ فالعيون مفتوحة، والوجوه تحمل التحدي في قسماتها. يقترح البرماوي حلا جماليا لهذه الثانية بين القامع والمقموع، وهو الهروب نحو التجريد، في سلسلة لوحات تستجلب العديد من الأسئلة. نمر على سلسلة اللوحات المرقمة، تحت عنوان “تجريد” لنرى عديد المفاتيح والأبواب. أما في القسم الخاص بالبورتريهات، فسيلفت عينيك رجلا يتدلى من فمه غليون، وعيونه تشخص إليك. والمشهد بقسماته يتكرر في لوحة أخرى بوجه آخر وغليون مختلف. ثمة هروب من واقع مرّ إلى عالم الوهم والأحلام، يلخص تلك الثنائية التي صنعت تاريخ مصر الحديث: شعب يتوق للحرية لكن السلطة الخارجية أو الداخلية تقف له بالمرصاد. وكلما تخطى حاجزا أقيمت له حواجز جديدة.
على هامش المعرض كان لنا هذا اللقاء مع الفنان البرماوي، أو “برماليون” حسب شهرته على مواقع التواصل الاجتماعي، وكما وقع أغلب لوحاته، فأتت إجابته ونحن نسير معا بين لوحة وأخرى، لتمنح الأسئلة مزيدا من علامات الاستفهام:
* لماذا الوجه؟ لماذا غصت عميقا في قسمات ومعالم الوجه الإنساني؟ هل هو استكشاف للوجه الإنسان/ الشعب/ الضحايا؟
**ليس هناك من مخلوقات الله أشد تعبيرا من الإنسان، المخلوق في صورة تلخص معنى الجمال، وليس أكثر تعبيرا عن الإنسان من وجهه؛ فلا مجال لأن نعرف حالة الشخص بغير أن تنعكس في المسافة بين هامته ورقبته. هذا الذي نسميه بالوجه هو مفتاح كل شخصية، وأخص المفاتيح هي العيون. لهذا تأسرني العيون، وأنا أرسمها أحاول أن أترك فيها حمولتي الانطباعية عن الوجه وحالته. وحين كنت أنظر في الوجوه، في ميدان التحرير، لما نفضنا عن عقولنا غبار الانتظار والخوف، وعزمنا أن نطيح بمبارك، ونظامه الاستبدادي، وجدت الوجوه تتآلف، وترسم سيمفونية غضب مهولة، جعلت كما قلت مهمة الغوص في قسمات ومعالم الوجه محاولة للاستكشاف العميق. ما هو المشترك في هذه الوجوه الغاضبة، التي لا تخلو من سماحة وطيبة ورغبة في الخلاص، ولا تفارقها خطوط وتعاريج صنعها الظلم والقهر، لم تكن مهمة سهلة بحال.
*من أين أتيت بكل هذه الوجوه؟ من الذاكرة؟ شخصيات حقيقية أم متخيلة؟ هل عشت معاناتهم لتنقلها بهذا الإبداع؟ أم أنها محض وجوه صنعها الخيال لتدخل المعادلة التي حددتها سلفا: سلطة قامعة ومواطن مقموع؟
** الذاكرة هي ملعبي، وأنا ألعب. ليست لدي أي خطط سابقة في تلك الرحلة. أنا أسير فيها وإلى حيث تأخذني العلاقة التي ترتسم بين فضاء اللوحة وبقعة اللون ومسارات الخطوط أذهب. فاختطف من كل ذكرى قطعة، وكأنه كولاج. ليس هناك وجه واحد في كل لوحة، بل ملامح من وجوه عدة، يلخصها الاسم الذي أمنحه للوحة. بعضها شخصيات محددة، لكنني ظللت حريصا أن أكسبها ظلالا من آخرين. في الميدان كانت تختلط أجسادنا وملامحنا بالضبط كما كانت تختلط أصواتنا عند الهتاف. بين هؤلاء عشت لحظة التحرير وما بعدها، فالمقهى الذي اعتدت الجلوس عليه قبل ثورة يناير بسنوات بعيدة، والاستديو الذي كنت أرسم فيه لا يبعدان عن ميدان التحرير سوى مرمى حجر. أتت الثورة لعندي، كما كنت أحب أن ألخص الأمر لأصدقائي ساخرا، ولم أذهب إليها. فرضت وجودها على مخيلتي وانطباعاتي وفهمي للحياة. بعد أيام من سقوط مارس كتبت دراسة عنونتها “أولئك الذين ولدوا في الميدان” تصدرت عددا خاصا عن الثورة نشرته أحد أبرز الأصوات المعنية بالثقافة والأدب، قلت فيه أن الثورة ليست لحظة بل طوفانا تكونت قطراته الأولى قبل هذا الحدث بسنوات، وفي ظني ما زالت هذه الثورة قائمة وكامنة في عمق المجتمع، رغم ما نراه من هزيمتها على السطح. الوجوه تقول لك ذلك.
*هل المواجهة متكافئة بين الوجوه التي تتحدى والسلطة التي تقمع؟ كيف استطعت بجمالية غير عادية أن تبني هذا التوازن بين القمع ومقاومته؟
** التكافؤ معدوم، والكفة تميل لصالح السلطة إذا كان المحك هو القدرة على القمع، لكن في يناير لمسنا حدود ومعنى أوهام القوة، لما عرفنا كيف نغل يد السلطة ونكشف جبنها وخواء استعراضاتها القمعية. في اللوحات عاونتني العيون في تلخيص أين تكمن خزائن قوة هذا الشعب الذي ثار. نحن نرى. نعم نحن نرى، وتختزن عيوننا ملامح الطريق إلى الحرية. وسنصل إليها يوما.
*تتغير ملامح الوجه في اللوحات. وأحيانا نبحث عن معالم وجه مفكك أو غائب إلا قليلا، ماذا تريد أن تقول للمشاهد العادي الذي يحاول أن يعود من معرضك بشحنة جمالية من جهة ورسائل حول صمود الناس ومقاومتهم للطغيان من جهة أخرى؟
* أقول نحن باقون هنا. والطغيان لا يرسم وجودنا، ولا يملك هذه الأقلام والفرشاة التي ترسم لوحة هذا الوجود. يمكن للواقع أن يحمل صورة القمع، لكن سيظل كل مستبد مرتعد خائف مختبئ خلف ترسانته وهراواته، لكننا نخرج له عراة الوجوه والملامح والأجساد، لنبين أن قوتنا ليست في عنف مضاد نبادله إياه، ولا في هراوات تضرب هراوات. قوتنا في أننا نمسك بالمعنى الكامن في الحرية، وهو، بخوفه الوحشي، لا يعرف لها معنى.
* وكأنك تستحضر الربيع العربي في بعض اللوحات. لوحة “موقعة الجمل” تستلهم اللحظة التاريخية في ميدان التحرير. ماذا في خبايا هذا العمل الفني؟
* المقاومة التي تلمحها في اللوحة ليست تقليدية. هذه الوجوه والأقنعة والخيول والجمال والمسارات المتقاطعة، والاختلاط الحاد بينها جميعا يجعل فهمي لسؤال السلطة في مقابل الجماهير يأخذ منحى أكثر تعقيدا. كنا أمام سلطات استبدادية عدة، ليست كلها حكرا على مبارك ونظامه. أصحاب الخيول والجمال ومن دعوهم وقتها بـ”المواطنين الشرفاء” كانوا يمثلون سلطة اجتماعية استبدادية، ومعرفة معطوبة، وتصور للوطنية لا يمايز بينها وبين العبودية للسلطة. كانت هذه المعركة غير المتكافئة في ميدان التحرير شرارة لعملية معقدة لإعادة تعريف النحن (الجماهير) في مقابل تنويعة القهر والقمع التي تأتي من السلطة ومن المجتمع؛ من الثقافة ومن النظام التعليمي، من الإعلام ومن البيروقراطية. الألوان الباهتة في هذه اللوحة لا تخلق التوازن بين قامع ومقموع، ولا توحي به، لكنها تقول لنا أن الحرية حين تأتي سترسم بألوان أخرى، وبخطوط أخرى.
*هناك عدد من اللوحات تصل إلى 7 تحت عنوان “تجريد 1 وتجريد 2- إلخ..”. أين تذهب بنا في هذه اللوحات؟ لماذا تركت اللوحة تحكي لنا الحكاية الناقصة لنكملها نحن. هل تثق في حصافة المشاهد وقدرته على استجلاء بعض ما في ذهنك؟
** في التجريد قد لا تملك فكرة محددة، ولا تود في الأصل أن تقول شيئا، لكنك تود أن توحي بخيال وحالة وتصورات، أبعد من السرد والصياغة الفكرية. في التجريد بقية القصة التي تقولها اللوحات الملحمية بتفاصيلها وعيونها الجاحظة. هناك في هذه الخطوط والزوايا والبقع وعلاقات اللون وإيقاعاته بعد آخر من القصة. مدركات تعيد التوازن للحكاية، باستدعاء الذات. التجريد هو مساحة لعب استحضر فيها الذات، واللامعقول، والمحسوس الصامت، وما لا تمسكه الحروف والأفكار المتماسكة. هذا التشظي والاضطراب والخوف والقلق والفرح والانتظار والتمني. في هذه التجريدات وجوه، بمعنى آخر للكلمة. إذا كان الوجه شيفرة الشخصية، فالتجريد بعض من هذه الشيفرة. هو شيفرة لأفق جمالي لا ينافي الوجوه، لكنه يقدم مخيالا أبعد من ملامحها.
*المفاتيح والأبواب خط جمالي متكرر؟ وجه ومفتاح وباب… هذه هي المعادلة… نضال الشعب سيفكك سلطة العنف ويفتح أبواب الحرية والمدى الواسع؟ هل أخطأ فهمي الطريق؟ إلق بعض الضوء أمامي لأسترشد به في العتمة.
** أنا في عتمة مثلك تماما يا صديقي، لكن في العتمة ماذا نفعل إن لم نجد الشموع؟ نستدعي ضوء من ذاكرتنا، ومن حدسنا، ومن انتباه حواس أخرى لا تحتاج إلى الضوء المباشر. المفاتيح داخلنا، للوجوه وللأحداث وللتاريخ وللمعنى. والشعب له مفاتيحه، وإن أظلمت من فوقه كبوة الظلم والقهر. هذه هي قناعتي. ربما تنتابني حالة من عدم الثقة في الشعب في بعض الأحيان، بل وأشك في اللفظة وهل بالفعل لها معنى موحد بحسب ما توحي به في ظاهرها. لكن خبرة الميدان قالت بيقين كامل إنه حين تطغي مظاهر العبث والانحطاط، فهذا عرض للطغيان، وليس خصيصة تسم الشعب، وتلخص طبيعته. التشكيك في الشعب بعض من بضاعة إعلام السلطة، ولو ابتلعنا هذه الدعاية، لما فهمنا يناير أبدا. صوت الشعب حين اجتاز في يناير نخبته؛ وسبق الفنان والمثقف والأديب والباحث والسياسي، كان يقول لنا أن نثق به. نحن لا نصنع العنف ولا نوده، نحن لا نصنع البؤس ولا نطيقه، نحن لا نأتي الفساد ولا نحتمل أثره. الحرية باب ومفتاح. صدقني!
*هل وجدت تقنية التكعيب الأقرب إلى استحضار نضال الوجوه منذ ثورة 1919 وصولا إلى ميدان التحرير والملائمة لتفكيك وإعادة تركيب نضال الشعب المصري في القرن الماضي؟ شعب يبحث عن الحرية، يحاول انتزاعها دائما رغم الثمن الباهظ؟
** التكعيب مجرد تفضيل شخصي لمقاربة جمالية لهذه المعاني. كان من الممكن مقاربتها بأسلوب واقعي أو انطباعي أو تعبيري أو تجريدي. أنا أجد نفسي حين أحلل الصور لخطوط وزوايا وكتل. لعبتي تكتمل حين تصطف القطع والنتوءات والانحناءات في كيان يجمل ما أود تصويره. حين تود أن تحكي حكاية عمرها مئة عام، لن تسعفك الكلمات. الوجوه التكعيبية هذه كانت أشبه بخزانات مهولة، وافتح يا سمسمها هي لفظة الحرية. ظني أن الكلام يفسد المخيال التصويري، لهذا طلبت من المقيم الصديق إسماعيل ناشف ألا نتحدث كثيرا عما يكمن من سرد وراء الأعمال. لها صوتها ولغتها ومفرداتها. بعد الفُرجة يأتي الكلام.