نيويورك ـ «القدس العربي»: أطلقت مصر مؤخرا نحو 460 معتقلا من معتقلي أصحاب الرأي والذين قبض عليهم في ايلول/سبتمبر الماضي إثر مظاهرات احتجاجية في البلاد طالبت برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي. وذهبت التكهنات إلى أن إطلاق هذه المجموعة من معتقلي الرأي جاء خطوة استباقية لتولي الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، مقاليد الحكم في الولايات المتحدة ابتداء من العشرين من كانون الثاني/يناير المقبل، والمعروف بتركيزه على قضايا انتهاكات حقوق الإنسان.
لكن في نفس الوقت الذي أطلقت في الدولة سراح المجموعة السابقة، قامت باعتقال ثلاثة نشطاء معروفين ينتمون لـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بعد أن قام مسؤولو هذه الجمعية الحقوقية باستقبال عدد من السفراء المعتمدين. وقد وجهت للثلاثة تهما تتراوح بين دعم الإرهاب والانضمام لجماعة إرهابية إلى تلفيق أخبار كاذبة حول الدولة وقياداتها.
وحسب تقارير الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمعتمدة لدى مجلس حقوق الإنسان، فإن مصر تحتل مرتبة دنيا في مسألة احترام الحقوق الأساسية المتعلقة بالحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
ويقوم مجلس حقوق الإنسان بإجراء مراجعة دورية شاملة لكل دول العالم بلا استثناء. وتتكون المراجعة من ثلاثة أقسام: تقرير الدولة الرسمي، تقرير منظمات حقوق الإنسان في نفس الدولة والجهات ذات المصلحة التي تجمع تقاريرها في تقرير واحد، وتقرير مفوضية حقوق الإنسان وشهادات الخبراء المفوضين في مسائل محددة تتعلق بحقوق الإنسان من خارج الدولة والمعارضة. وبالتالي تكون هناك فرصة لمعرفة وضع حقوق الإنسان في البلد قيد المراجعة بطريقة موضوعية وشاملة. بعد ذلك يتم تقديم التوصيات للبلد المعني لاتباعها والعمل على تنفيذها قبل المراجعة التالية التي قد تأخذ عدة سنوات.
ففي مراجعة عام 2014 قدمت لمصر 300 توصية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وفي المراجعة الأخيرة يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أكد مندوب مصر، عمر مروان، أن مصر قبلت 244 توصية من التوصيات السابقة وعملت كل ما تستطيع لتنفيذها. وأكد مروان في مداخلته على أن مصر انضمت للعديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وأنشأت آلية للسماح بالتظاهر السلمي ونظمت عمل المنظمات غير الحكومية وقال: “ومن المهم، في عملية تعزيز حقوق الإنسان، عدم تحريف الحقائق لمصالح سياسية أو شخصية. ومن الأمثلة على ذلك انتشار استخدام عبارة (اعتقال المتظاهرين) للإشارة إلى اعتقال الذين انتهكوا القانون بعدم إخطار السلطات مسبقاً، أو عبارة (محاكمات جماعية) لوصف جرائم فيها العديد من الجناة”.
إلا أن انتقادات العديد من الدول كانت حادة ومنوعة وخاصة في مسألة الإعدامات والتعذيب وحرية التعبير والاعتقال التعسفي.
وفي جلسة الاستعراض المذكورة قدم مندوبو 133 دولة مداخلات وتوصيات عديدة بخصوص الانتهاكات وخاصة في منطقة سيناء التي تخضع لعمليات عسكرية منذ عام 2014. وبلغ مجموع التوصيات التي قدمت لمصر في هذه الدورة 372 توصية. وهذا يعني أن أوضاع حقوق الإنسان في مصر تدهورت أكثر من عام 2014. وقد أعطيت مصر عدة شهور لقبول أو رفض هذه التوصيات كليا أو جزئيا.
وسنحاول أن نمر على بعض هذه التقارير ونقتبس بعض ما جاء من توصيات مقدمة للحكومة المصرية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان.
انتهاك الحريات الأساسية:
شملت قضايا انتهاكات حقوق الإنسان الكثير من التفاصيل نوجز بعضها هنا: القتل غير المشروع أو التعسفي، بما في ذلك القتل خارج إطار القانون بواسطة الحكومة أو وكلائها والقتل بواسطة الجماعات الإرهابية؛ الاختفاء القسري؛ التعذيب؛ الاحتجاز التعسفي؛ الأوضاع القاسية والمهدِّدة للحياة بالسجون؛ السجناء السياسيون؛ التدخل التعسفي أو غير المشروع في الخصوصية؛ أسوأ أنواع القيود على حرية التعبير، والصحافة والانترنت بما في ذلك اعتقال أو محاكمة الصحافيين، والرقابة، وإغلاق المواقع على الإنترنت، ووجود قانون غير مطبق للتشهير الجنائي؛ وتدخل كبير في الحق في التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها، مثل القوانين مفرطة التقييد التي تحكم منظمات المجتمع المدني؛ القيود على المشاركة السياسية؛ العنف إزاء الأقليات الدينية والجنسانية؛ واستخدام القانون لاعتقال أفراد مجتمع المثليين ومحاكمتهم بشكل تعسفي؛ والعمل القسري أو الإجباري للأطفال.
ورأى الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي أن فرض عقوبة الإعدام على إثر إجراءات مشوبة بالعيوب يشكل انتهاكاً لأحكام المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفي شباط/فبراير 2019 أعرب العديد من خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان عن أسفهم لإعدام تسعة رجال أدينوا بناء على أدلة يزعم أنها انتزعت تحت التعذيب. وأشاروا إلى أن المضي في عمليات الإعدام استناداً إلى محاكمات اعترتها، على ما يبدو، عيوب جسيمة فيه انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي 17 ايلول/سبتمبر 2018 دعا عدد من خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان مجلس حقوق الإنسان إلى التصدي على وجه السرعة لأحكام الإدانة التي تقضي بإعدام 75 متظاهرا وسجن 47 آخرين مدى الحياة بعد محاكمة جماعية شملت 739 شخصاً أُدينوا بتهم التجمهر غير المشروع، والضلوع في أعمال العنف والتحريض على خرق القانون. وقال الخبراء إن المتهمين لم يُكفل حقهم في تقديم أدلة للدفاع عن أنفسهم. كما أدانت منظمة اليونسكو قتل ثمانية صحافيين، وأشارت إلى أن الحكومة لم ترد على طلباتها بالتحقيق في تلك الحالات. أما التمييز ضد المرأة فما زال منتشرا في مصر رغم صدور العديد من القوانين التي تجرم التمييز.
التوصيات:
شملت التوصيات المتعلقة بالحقوق العامة 372 توصية تندرج تحت 32 عنوانا. وفي نهاية كل توصية يثبت اسم الدولة المقدمة للتوصية وبالتالي لا مجال للشك أو الاتهام. فبعض هذه الدول تعتبر من حلفاء أو أصدقاء النظام المصري. ولنأخذ مثلا جريمة الإعدام والتي حظيت بأكبر عدد من التوصيات ومن العديد من الدول. وهذه أمثلة فقط:
– إلغاء عقوبة الإعدام نهائيا والتصديق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام (لكسمبرغ).
– النظر في الحد من عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام (مالطة).
– الخفض التدريجي في قائمة الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام (الكرسي الرسولي).
– النظر في وقف تنفيذ عقوبة الإعدام بهدف إلغائها (الكرسي الرسولي).
وهناك توصيات بنفس المضمون وإن اختلفت الصياغة من: المكسيك وآيسلندا والنرويج وليختنشتاين وملدوفا وإيطاليا وقطر والبرتغال وهولندا وروندا وسلوفينيا وتركيا وتيمور الشرقية وأورغواي والأرجنتين والنمسا وأستراليا والبرازيل وكوستاريكا وبلجيكا ونيوزيلندا وكرواتيا وتشيكيا وإستونيا وفرنسا.
الانتهاكات في منطقة سيناء:
خصصت أجزاء من تقارير الاستعراض الدوري عن أوضاع حقوق الإنسان في منطقة سيناء التي تخضع لأحكام الطوارئ منذ عام 2014. وسنقتبس شيئا من التقرير لإعطاء فكرة وافية عن الأوضاع هناك.
بين تشرين الأول/أكتوبر 2014 واب/أغسطس 2015 هدم الجيش المصري 2715 مبنى وطرد آلاف العائلات على الحدود مع غزة ، في انتهاك لقانون حقوق الإنسان وربما قوانين الحرب. وفي الربع الأول من عام 2018 صعدت الدولة حملتها ودمرت ما لا يقل عن 3600 مبنى إضافي، وطردت مدينة رفح المصرية بكاملها تقريبًا دون تقديم أي تعويضات أو سكن بديل لمئات العائلات. كما تركت الحملة العسكرية ما يصل إلى 420 ألف ساكن في أربع مدن شمال شرق البلاد في حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية لشهور في عام 2018. كما شملت الحملة أيضًا قيودًا حكومية صارمة على حركة الأشخاص والعديد من السلع الأساسية في معظم أنحاء محافظة شمال سيناء. اضطر الناس للتنقل سيرًا على الأقدام بعد أن فرض الجيش قيودًا شديدة على وقود السيارات. وشهدت عدة بلدات نقصًا حادًا في المواد الغذائية وغاز الطهي ومياه الشرب واضطرت إلى الاعتماد على طرق بديلة غير فعالة مثل مياه الأمطار. وفي الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2014 حتى نهاية 2018 رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان التصريحات الرسمية للناطق باسم الجيش، والتي أفادت بأن قوات الجيش والشرطة دمرت 1431 منزلاً و 216 مستودعاً و 790 خندقًا و 486 نفقًا و 1139 كوخًا، وأحرقوا 2649 دراجة نارية، 1572 سيارة، 519 مركبة رباعية الدفع.
أما عن الاعتقالات التعسفية في سيناء فتشير التقارير أنه منذ تشرين الأول/أكتوبر 2014 وحتى نهاية 2018 اكتشفت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان أن القوات الحكومية اعتقلت 8226 شخصًا في شمال سيناء، وفقًا للتصريحات الرسمية للناطق باسم الجيش الذي زعم أن جميع الـ 8226 “مطلوبون لأسباب أمنية” أو “مشتبه بهم” في قضايا الإرهاب. وهذا يدل على أن السلطات المصرية تواصل استخدام ذريعة مكافحة الإرهاب في حملات الاعتقالات الجماعية التعسفية إلى حد كبير في سيناء. ووفقًا لتصريحات المتحدث العسكري، التي رصدتها الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، فقد قتل الجيش نحو 2811 شخصًا في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2014 حتى كانون الأول/ديسمبر 2018.
التوصيات:
قدمت المنظمات الحقوقية مجموعة من التوصيات المنسجمة مع معايير حقوق الإنسان لتحسين الأوضاع في سيناء:
– التأكد من أن العمليات العسكرية وعمليات إنفاذ القانون في سيناء تمتثل للقانون الإنساني الدولي وأن المدنيين يحصلون على جميع أشكال الحماية الممكنة.
– تقديم الدعم، بما في ذلك السكن المؤقت والوظائف البديلة، والتعويضات للأسر التي تم إخلاؤها قسراً وضمان قدرتها على العودة إلى أراضيها عند الاقتضاء.
– فتح سيناء للصحافيين المستقلين والباحثين ومنظمات حقوق الإنسان ووضع حد للملاحقة القضائية للصحافيين الذين يحاولون تغطية الأحداث في سيناء.
– رفع القيود غير القانونية على الحركة، وضمان تدفق ما يكفي من السلع والإمدادات إلى سكان سيناء، والسماح لمنظمات الإغاثة الإنسانية المستقلة بتقديم المساعدة اللازمة لسكان سيناء.
– على وزارة العدل تكليف بعثة تحقيق مؤلفة من نشطاء حقوقيين ونشطاء في سيناء وخبراء قانونيين ومدعين عامين، للتحقيق بشكل علني وشفاف في جميع الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الحكومية والمتشددون في سيناء.
– على النائب العام أن يأمر فوراً بالإفراج عن جميع المشتبه بهم والمعتقلين تعسفياً دون إشراف قضائي، وكذلك إغلاق جميع مراكز الاحتجاز غير الرسمية وغير القانونية.
هذه صورة مقتضبة للتقارير الرسمية التي تم استعراضها في الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان والتي لا شك، تشير إلى أين وصل مستوى الالتزام بالمعايير الدولية والاتفاقيات التي تتعلق بمسؤولية الدول في احترام حقوق الإنسان لكافة أفراد الشعب دون تمييز قائم على اللون أو العرق أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الموقع الاجتماعي.