ممالك الفقراء في الأحياء السماوية

حجم الخط
0

قصّتي مع الفقر والفقراء طويلة عايشتها طوال عقود وعهود. بدأت في أواخر ستينيّات القرن العشرين حين كنت في أوائل العشرينات من العمر. كان يعيش في الحيّ المتواضع الذي نشأت فيه عشرة شبّان عازبون، معظمهم ترك الدراسة بعد الحصول على الشهادة الإبتدائية وانصرفوا الى تعلّم مهن النجارة والحدادة والدهان وسواها. امّا الباقون فتخرجوا من الثانوية الرسمية والتحقوا بسلك الأمن في مختلف مؤسساته. تأهلوا جميعا خلال العشر سنوات اللاحقة وأصبح لكل منهم خمسة أطفال على الأقل، عايشت صراخهم الليلي وضجيج لهوهم النهاري. كما رافقت الألعاب الناريّة التي كان يطلقها أهاليهم عند ولاداتهم وأيضا في ذكرى ولاداتهم السنويّة، الى أن أصبحوا في سن الزواج. وكما تحمّلت سهرات أعراس آبائهم، كذلك الأمر مع أعراس وحفلات أعراس الأبناء.
صار كل طابق ضيّق كان يسكنه أهلهم، طوابق عديدة ضيّقة عُلوية إرتفعت في سحر ساحر بين ليلة وضحاها، تطال سماء الفوضى، دون رقابة بلدية أو تنظيم مُدني. تزوّج الأبناء وصار لأهلهم أحفاد كثيرون. ًأصبح الحيّ أحياء فوقية عشوائية، شبيهة بعشوائيات مصر الفقيرة، تحجب الشمس عن زواريبه الضيّقة الغاصّة بالأطفال الأشقياء، طيلة أيام العام. مرّت ثلاث عقود وتجاوز تعداد سكان الحي المائة والخمسين نزيلا. بقيت عازبا، ولا زلت أقاسي روائح شواء اللحم في مناقل الفحم بُعيد ظهيرة كلّ يوم أحد، تليها روائح نفاث دخان نراجيلهم التي تطول لساعات ملؤها الضحك والصراخ والبصاق والسعال الحاد. أمسيت محشورا في طابق أرضي لا يعرف نور الشمس ولا هدأة المكان الذي حسبت أنني سأنشدها فيه في يوم غابر من الأيام. أما السيارات المركونة في الأزقة، فإنها تقطع الأنفاس عند صُبح كلّ ذهاب وعًصر كلّ إياب. تعلّمت ان ممالك الفقراء لا تندثر بسبب تكاثرهم النًّهم، إنما فقط ممالك الإثرياء لقلّة ذرّيتهم. تعلّمت أنّ البنات والبنون هم ثروة الفقراء ونزوة الإثرياء. تعلّمت أن الفقراء يصومون كل الاسبوع ويولمون كل يوم أحد، وان الأغنياء يفعلون عكس ذلك. ووجدت أنّ ولائم وأعراس الأغنياء هي خلال ايام الأسبوع، وللفقراء في نهايته. تعلّمت أن ّ العازب هو المُعاني الدائم والمتزوّج الاكبر الذي يتحمّل إزعاجات الجميع وقلّة تادّبهم المجتمعي. كما فهمت أنّ على العازب تحمّل صياح أولاد الحي ونباح كلابهم، ونباح النساء على الرجال بين الفينة والاخرى، وأن لا يقتني سيارة خاصة، لانه لن تبقى له فسحة مكان لركنها، أو استقرار مزاج لمزاحمتهم الدؤوبة وفعل ذلك. نعم هكذا تكبر ممالك الفقراء ويكبر معهم الحي. أما ما يصيب العازب بالإحباط هو هذا الإستنساخ المتكاثر للحقد والضغينة. فعوضا عن وجود عشرة حاقدين بداية، فإنهم يتضاعفون مرات عديدة وبصورة متسارعة.
استشرت طبيب صديق متخصص في علم الجينات البشرية حول ذلك الحقد وتلك الضغينة المتكاثرين في ولادات الحي، فأجابني أنه يبدو أنّ نُطف الآباء في الحي هي أكثر خصوبة وفاعلية من بويضات الأمهات، وبالتالي تغلب مواصفات التوارث عند الآباء على تلك التي عند الأمّهات. لعنت حظّي وحظ هؤلاء الأبناء.
فهمت أيضا أنّ العازب يصبح مخلوقا غريبا وكائنا لا يمكن استيعابه في عالمهم الغريزي الضيّق، فيصبح ناسكا في صومعة الضوضاء والغوغائية البشرية، يجرّ أذياله حينا الى مقاهي الرصيف التي لا تخلو من الكلاب ونباحها، ولا من نباح الأزواج على بعضهم البعض، وحينا آخر الهروب الى الطبيعة التي أفقدتها تجارة الحطب عذريّتها وصفاءها. ما هذا الزواج الذي يدّعون انه سرّ عظيم. هل عظمته في ذريّة تزداد فقرا وإفقارا! أم عظمته في هذا الصراع الدفين بين الزوج والزوجة، صونا للسمعة الطيبة المفقودة بينهما! وهل عظمته في ذريّة أنانيّة تهمل الوالدين وتودي بهما الى الإهمال والنسيان والتهلكة!
هل الزواج مؤسسة إجتماعية توصل الى عالم مجتمعي ناهض، أم حاجة وميل غريزي الى استرخاص كلفة تحقيق رغبات الشهوة على سرير ‘شرعيّ’ داخل أربعة حيطان عابئة بلهاث الجنس الرخيص! يتكاثر الفقراء ويرتفع رصيدهم الانتخابي في قطيع أمراء الحرب والطوائف.
يتكاثرون لتتكاثر جموع الرعايا المؤمنين في بيوت الأيمان التي ينهبها رجال الدين، على مختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبيّة. أيّها الحكّام ورجال الدين الميامين في هذا العالم السفلي، دعوا الفقراء يتزوّجون ويكثرون من ذرّيتهم، حتى تتكاثر قطعانكم المُطيعة، وجُموع الرعايا المؤمنين.
سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية