ممثلة تتقن مفاتيح مهنتها في المسرح والتلفزيون تألقت في دور «مدام سكاكيني» ميراي بانوسيان: سؤال جمهور المسرح عن «أم طعان» هاجسه الجديد الذي سأقدمه

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:

ممتع اللقاء مع ميراي بانوسيان على خشبة المسرح. ممثلة معطاءة تركت حضوراً مميزاً في شخصية المرأة الجنوبية أم طعان، لعبتها على المسرح وعلى شاشة التلفزيون، وبات لها جمهور عريض للغاية. عندما غيرت الشخصية لتكون «مدام جانيت سكاكيني» في مسرحية «ع الأربعين» كانت كما توقعنا تُحسن الاختيار في إطلالتها الجديدة، فهي ممثلة تتقن مفاتيح مهنتها. اختيار من نوع الكوميديا السوداء لعبته بتناغم مطلق مع جوزيان بولس، سواء في التحليق عالياً «وتطيير الفيلة» بداية، أو بالعودة إلى واقع النساء المعنفات من الطفولة وإلى أن يحين القدر.
تعمل ميراي بانوسيان في اتجاهات شتى، تمثل، تكتب، تمد يدها كمخرجة لمسرحي شاب مستعيدة دور أستاذها منير كسرواني معها، تعيش شغفها وموهبتها الكبيرة مطمئنة إلى مسار أبنائها العلمي والمهني في بلجيكا، وغير نادمة مطلقاً على أي من خطوات حياتها.
مع ميراي بانوسيان هذا الحوار:

○ بعد غياب عن دور كبير ومؤثر على خشبة المسرح، هل كان الاختيار سهلاً؟
• الشوق كان كبيراً للمسرح. لامس النص الذي كتبه ديمتري ملكي مشاعري، وكذلك وجود المخرج شادي الهبر، وأن أكون في ديو مع الزميلة القديرة جوزيان بولس، كافة العناصر أحاطت بنص مسرحي جميل وجديد، وشعرت عن سابق تصور وتصميم بأني سأكون مرتاحة في هذا المكان، خاصة وأن الغياب امتد لخمس عشرة سنة. إذاً الإستجابة كانت سريعة، وتفوح شوقاً وشغفاً، وكافة المشاعر التي يعيشها الممثل حين يبتعد عن المسرح لسنوات.
○ الشغف أساس كل عمل. فما هو العامل الذي حمسك للعب شخصية «مدام سكاكيني»؟
• وجدت فيها صورة لكل امرأة معنفة، ولكل امرأة عاشت تداري المجتمع وسطوته عليها، وكل امرأة عاشت عمرها، ونسيت أنه سيمر بغفلة ومن دون انتباه منها. مدام سكاكيني تمثل غالبية نساء الرعيل القديم، ومنهن مقربات مني وأعرفهن، إلى عددٍ لا بأس به من الجيل الجديد. سابقاً تحكمت بقرارات النساء المعنفات عناوين الجرصة، وما سيلحق بالطالق من تُهم. أول ما تواجهه المرأة هو العيب وهل سيوافق أهلها أم لا؟ دفاع الجيل الجديد من النساء عن حقوقهن، ورفضهن التعنيف أدى لقبول فكرة الطلاق. من جهتي أسعى وأشجع المحيطات بي للخروج من السوداوية التي يعشنها، ورفض الظلم. في الواقع الكلام سهل، وهذا ما يَرِد في المسرحية، ولدى الفعل تتغير المعطيات، ويحول العجز دون تنفيذ القرارات التي تتخذها المرأة لقطع الطريق على تعنيفها وإهانتها.
○ برأيك ما هي المعطيات التي يجب أن تتمسك بها المرأة كسلاح لقول لا للعمر المهدور؟
• تمتلك المرأة المعاصرة سلاح العلم والعمل بخلاف الأجيال السابقة. أكثر النساء المعاصرات يتخذن قرار الإنفصال مسلحات بقدرتهن على تأمين حياتهن منفردات، وبعضهن يتولين احتضان أطفالهن بالكامل.
○ كيف تقاربت شخصية «مدام سكاكيني» الفقيرة الحال مع شخصية «مدام هراوي» الثرية؟
• يبدأ الحوار بين السيدتين بالتحليق في عالم الخيال. بين العائلة الفقيرة والأخرى الميسورة، مفارقات لا تُحصى. مدام سكاكيني تنتمي لعائلة من 14 ولداً، وتزوجت صغيرة، عبرت: «نقلت من تحت الدلفة لتحت المزراب» بعد هروبها خطيفة مع زوجها، وجدت حياتها تنتقل سريعاً للأسواء. وجه الشبه بين السيدتين أنهما معاً تعرضتا للعنف بأنواعه الجسدية والعاطفية، والخيانة كانت تتويجاً، وكشفتها مدام هراوي بعد 30 سنة زواج، وحين خرجت مدام سكاكيني من حلقة الخيال والمبالغة التي سادت بدايات العرض ودخلت إلى واقع حياتها، كوعت مدام هراوي إلى الواقع وروت حياتها. إنه تعاطف سيدتين عاشتا ظلماً واحداً، ونسيان للطبقة الاجتماعية، وإطلاق العنان لأسرار المأساة المكتومة. أظن أن أحداً في العالم لا يتعاطف مع امرأة معذبة مهما كانت مكانته الاجتماعية.
○ يتفنن الكاتب ديمتري ملكي في علاج القضايا الاجتماعية. هل جذبك دور مدام سكاكيني بدون أي تعديل؟
• الكاتب والمخرج تركا لنا كممثلتين خيار تكوين الشخصيات كما نراها. واضح تماماً كم تخشى مدام سكاكيني المجتمع، وتلتزم تقاليده الصارمة، وكانت على المسرح «مزمومة» من رأسها إلى قدميها خوفاً، مُنكمنشة وفق الزيح الذي رُسم لها. بالطبع استولدت التمارين تعديلات عُمل بها بالتعاون مع الكاتب والمخرج، وهذا أسعد الفريق بأجمعه. خلق الكوميديا يستدعي عدم التشابه مُطلقاً بين الشخصيتين على المسرح، بل تناقضهما. مدام هراوي «مفلوشة» للنهاية الورد يزين شعرها، ملابسها ملونة وحركتها شبه راقصة، بينما مدام سكاكيني تسير «ع الزيح» والمنديل التقليدي في الكنائس على رأسها، ومسبحة الصلاة بيدها. إذاً الأضداد تُغني الكوميديا.
○ شعوري يقول أن دور مدام هراوي كُتب لجوزيان؟
• تسلمت جوزيان النص قبلي وبعد قراءته قالت للمخرج أكيد دور مدام هراوي لي؟ وعُرض اسمي زميلة لها على المسرح فأكدت المؤكد. قرأت مدام سكاكيني، ووجدته دوراً يتحداني. سبق ولعبت كاراكتيرات مُركبة من أم طعان وسواها من الأدوار القوية، وخلق الكوميديا في هذا الدور غاية في الصعوبة.
○ شكلتما ديو على المسرح فهل كنتما بحاجة للتقارب خلال التمارين؟
• مُطلقاً. تجمعني بجوزيان صداقة توطدت بالتدريج. العدوان على لبنان جمعنا في مسرح المونو لتقديم عروض بهدف إبقاء المسرح مفتوحاً، واستقبال الجمهور ولو مجاناً. وكنت بصدد كتابة مسرحية تجمعنا، شارفت خواتيمها عندما عرض لي شادي الهبر دور «ع الأربعين». النص مشروع مستقبلي يحتاج لبعض اللمسات. تمارين «ع الأربعين» كانت ممتعة، فجوزيان وأنا نلتقط الإشارة كلانا من الأخرى، إنها الكيمياء المسرحية الضرورية، كما أننا متقاربتان في الأفكار كسيدتين.
○ نسأل عن ماضيك المسرحي الشهير وتحدي الخروج من شخصية «أم طعان»؟
• لن أقول بأني كنت حيال تحدٍ، لعبت كثيراً شخصية أم طعان على المسرح وشاشة التلفزيون أيضاً. بعد مسرحية «سوزان وأم طعان» وسفري إلى بلجيكا سنة 2011، عدت وقدمت أول عمل درامي «يا ريت» مع إيغل فيلم، ولعبت دوراً جميلاً مع منى واصف. ومن ثم كرت سبحة الدراما وقدمت «بردانة أنا»، و«حكايتي»، و«عشرة عمر» و«زفافيان» و«بلا هيبة»، إلى افلام سينمائية وغيرها. أم طعان خلقتها كشخصية بنفسي، وأنا من يتمكن من وضعها جانباً ولعب غيرها على شاشة التلفزيون، في حين أن جمهور المسرح اعتادني في أم طعان ودائماً يُطرح السؤال ماذا ستقدم ميراي بانوسيان؟ سؤال الجمهور ليس بهاجس الخروج من أم طعان بل ماذا ستقدم؟ وهكذا لامست شخصية مدام سكاكيني الجمهور نظراً لمحتواها.
○ بين سفر إلى بلجيكا وعودة هل أشبع التلفزيون التنوع الذي تمتلكينه كممثلة مرنة ومعطاءة بعد حصار في أم طعان؟
• أديت على الشاشة أدواراً ليست سهلة كما دوري في «عِشْرِة عمر». كنت حيال سيدة لا شبه بيننا، غيرت لون شعري وأمور أخرى. دور أمتعني لكنه يختلف عن المتعة التي يشعرني بها المسرح. جمهور المسرح يمد الممثل بحرارة يفتقدها التلفزيون. الاكتفاء من التلفزيون يتمثل بتعليق الناس الإيجابي في الشارع. في المسرح المكافأة فورية، وللممثل حرية غير متاحة في الدراما. المسرح أب الفنون ولا يقارن بسواه، وهو شغفي الأول والأخير.
○ إلى ماذا تفضي المقارنة بين جمهور مسرح أم طعان والمسرح الاجتماعي العلائقي الذي يركز مسرح المونو على تقديمه؟ وما هو المشترك؟
• ليس من اختلاف بين جمهور أم طعان وجمهور «ع الأربعين» إنه التفاعل نفسه، وكذلك التواصل. برأي ليس من شخصية تُمسك بانتباه الجمهور، بل هناك مضمون. لأم طعان على المسرح أدوارها الاجتماعية الوطنية، وتفاعل الناس معها ناتج عن وجعهم الذي تتناوله.
○ ماذا قال منير كسرواني عن دورك في «ع الأربعين» وكنت بالنسبة له كما الإبنة؟
• صحيح. لا أنسى مُطلقاً بأن منير كسرواني آمن بي عندما كنت في الجامعة، وهو من أعطاني سريعاً دور البطولة، وله الفضل الكبير على مسيرتي الفنية. أسعدني حضوره وزوجته ندى. أستاذ منير يعرف مدى حبي للمسرح، ويصفه من خلال نظراتي ويقول «شايف عينيك عم يغزلو». تعلمت منه الكثير من مفاتيح المسرح الشعبي والكوميدي، هو قامة فنية كبيرة.
○ ما هو التالي بعد «ع الأربعين»؟
• بصدد عرض مسرحي مع جو الخوري، أتولى مسؤولية الإخراج. جو الخوري كاتب وممثل، أحببت نصه الذي تدور أحداثه داخل رحم أم. جو هو الجنين الذي يُخبر الحكاية. وصف جميل للغاية لمشاعر ذاك الجنين في مكانه هذا، عنوان المسرحية «بالسابع». يُخبر عن مراحل نموه، وماذا سمع ويسمع من العالم الخارجي بين والديه، وكيفية تفاعله معه. لهذا العرض المسرحي بعد إنساني رائع حمسني لإخراجه والإفتتاح في 12 حزيران/يونيو. وأتابع كتابة النص المسرحي مع جوزيان بولس، وهو يحمل رسالة قوية عن الواقع الذي نعيشه، يشبهني ويشبه جوزيان بالتأكيد. تقدمت بطلب لبرمجة العروض في مسرح المونو وحجز التواريخ. إلى ذلك سيُعرض مسلسل «امرأتان» جرى تصويره في تركيا، ووقعه مخرج تركي. شاركت فيه تقلا شمعون، ونقولا دانيال، ومرام علي، وطوني عيسى، ومجدي مشموشي، وكان عملاً جميلاً ضمن هذه المجموعة على مدار خمسة أشهر.
○ تعملين مع جو الخوري فهل هو اسم معروف في المسرح؟
• قدم جو الخوري عرضاً مسرحياً في العام الماضي بعنوان «تيستوسترون»، وفيها كتب وأخرج ومثل، ودعاني لمشاهدته. قام بالمهمات جميعها كونه خريج جديد وليست له قدرات مالية. هذا العام شكا لي أمره فقررت تولي الإخراج، من دون كلام بالأتعاب. قال لا مال لدي، أخبرته عن يد منير كسرواني التي منحتني فرصة كنت أنتظرها، وها أنا أرد الجميل لغيري، وقدم حسن صادق السينوغرافيا كتشجيع.
○ تقدمين «ع الأربعين» وفيها ألم النساء. وتكتبين نصاً عصبه المرأة، وبصدد عرض عن مشاعر جنين والمجازر في غزة متواصلة وأحدثها تسعة من أطفال الطبيبة ألاء. فماذا سيُكتب عنهم؟
• المسرح مكان للتعبير عن الوجع. برأيي ما حصل ويحصل في غزة لن تفي به ملايين المسرحيات. غزة وجنوب لبنان يستحقان ملايين المسرحيات. كل شخص عايش تلك الهمجية وتلك الوحشية يحمل في أحشائه قصة تختلف عن غيرها، سواء ذاك الطبيب حسام أبو صفية الذي اُجبر على مغادرة المستشفى واتجه مرفوع الرأس نحو الدبابة، وله ابن شهيد، صلابة مشيته وقوته هزيمة للعدو. كذلك في جنوب لبنان وتكرار عمليات الهدم والبناء والاستشهاد والإصرار على العودة والصمود والبقاء في الأرض. عُصارة المسرحية التي أنا بصددها سؤالها العدالة؟ عدم إدانة مجازر غزة يتخطى مقولة الأخلاق. ما تعيشه في غزة يأنف عنه وحش الغابة. هل يُعقل إطلاق الرصاص عمداً على رؤوس الأطفال؟
○ سؤال شخصي، تركت لبنان والنجاح لتحقيق حلم كل امرأة بتأسيس عائلة. هل يستحق الحلم كل هذه التضحيات بحسب تجربتك؟
• عندما يكون الشريك مُقدراً لشريكته، ويدرك قيمتها، ويُمسك بيدها لتحقيق أحلامها، بالتأكيد العائلة تستحق. وعدم اهتمام الشريك بأحلام شريكته، وعدم مبالاته بنجاحها وتقدمها، واكتفائها بالعيش لأطفالها، لو مضاعفات، موت الأحلام بالتدريج يؤدي إلى نمو متدرج لوجع يكبر مع السنوات. تتمسك المرأة بقرارها بتأسيس عائلة، لا تتخلى، ولا تتراجع، هذا الضياع الذي عشته في الغربة حال دون متابعتي لحياتي الزوجية، وكان قرار الانفصال. حينها كانت ابنتي الأصغر بعمر 16 سنة، حسْمُ الموقف طال، لكنه حُسم. وقررت الإنطلاق من جديد، والحمد لله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية