مع إقرارنا بأهمية وجمالية دور الممثل في المشهد الفني، واتساع حضوره وتأثيره الاجتماعي في إطار فاعليته وتأثيره على اهتمام الجمهور، هل من الوارد مقارنة دوره مع الدور الذي يلعبه الفيلسوف أو أي مبدع، مثل الروائي والشاعر؟
لا جديد إذا ما قلنا بأن الممثل من أبرز العناصر التي لها دور في تشكيل ذائقة الجمهور، ولكن إلى أي مدى يمكن أن تكون له القدرة على إحداث تغيير عميق في وعي الناس؟
الممثلون النجوم بفضل الآلة الدعائية والإعلامية التي تصنع حولهم هالة وبريقا، لا غرابة إذا ما تمتعوا بسلطة كبيرة من التأثير، تمكنهم من إحداث تغيير في قناعات البشر عموما وليس الجمهور الذي يتابعهم، ولعل أبرز مثال على ذلك، تلك النسبة العالية من المشاهدة التي حققتها سلسلة جلسات المحكمة الخاصة بالدعوة المرفوعة ضد الممثل الأمريكي جوني ديب من قبل طليقته أمبر هيرد خلال النصف الأول من عام 2022 وهي دليل آخر يدعم قراءتنا حول تطورات الدور الذي أُوكل إلى الممثل النجم في مسألة هيمنته على اهتمامات الجمهور وحجم التأثير عليه لتشكيل مفاهيمه وقناعاته في شتى مجالات الحياة، إلى الحد الذي بات ينافس الدور الذي يلعبه أولئك الذين يشتغلون في ميدان الفلسفة، ولن يكون الممثل الكوميدي الأوكراني زيلنسكي الذي أصبح رئيسا للبلاد بعيدا عن هذه اللعبة في إطار الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا.
من الناحية الواقعية وبعيدا عن أجندة وسائل الإعلام ومخططات السياسة الدولية، فإن الممثل ليس مؤهلا من الناحية الثقافية أن يلعب هذا الدور المفلسِف للعالم، وإذا ما توهم البعض من الممثلين خلاف ذلك فإنه لن يضيف شيئا إلى العلوم الإنسانية ولا إلى رصيده المهني، لأنَّه يلعب في غير ملعبه، ولا يملك من الأدوات التي تؤهله للدخول إلى عالم فكري معقد ومركب تكمن قوته في القدرة الجدلية على الاشتباك الذهني مع الظواهر الإنسانية والعلمية والثقافية، واجتراح أسئلة كبيرة لتفكيكها وإعادة صياغتها بمفاهيم وأجوبة جديدة، ومن الممكن للممثل أن يلعب هذا الدور من خلال الشخصيات التي يتقمصها، فينجح فيها ويصفق له الجمهور، وهنا يتجلى حضوره المؤثر عبر إتقانه لأدوات مهنته كممثل له القدرة على تقديم ملامح الشخصيات وعوالمها النفسية، وليس باعتباره فيلسوفا يطرح علينا الأسئلة ويعيد تشكيل مفاهيمنا.
مقولات فلسفية منسوبة
لابد من الإقرار بأنه ليس مطلوبا من الممثل أن يلعب دور الفيلسوف في الحياة، مثلما يجري التسويق له في عديد من وسائل الإعلام التي تعمل على ترويج صورة عنه فيها الكثير من التزييف والتضخيم خاصة مع الممثل النجم، حيث يتم تقديمه كما لو أنه أشبه بفيلسوف يحمل وجهة نظر تتعدى حدود ما يمتلكه من معرفة اكتسبها من تراكمات خبرته الحياتية والمهنية، فإذا بنا أمام شخصية لديها من القدرة على صياغة مقولات فكرية، وعبر لغة لا يتوصل إليها إلاَّ مَن كان متفرغا لممارسة هذا الدور التأملي للحياة والظواهر الاجتماعية، وما يفرضه ذلك عليه من قراءة وفهم ونقد لِما أنتجه العقل البشري من نظريات.
هذه الصورة تكاد أن تكون شائعة التداول خلال السنين الأخيرة على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتادت أن تنشر مقولات فلسفية منسوبة إلى نجم سينمائي حقق شهرة وتفوقا كبيرين في ميدان عمله كممثل، كما هو الحال مع النجم الأمريكي آل باتشينو على سبيل المثال.
هذا المنهج الدعائي غالبا ما تقف خلفه شركات إنتاج فني تحتكر عمل الممثل معها بعقود ووسائل إعلام مرتبطة بها وتتلقى منها تمويلا كبيرا لأجل أن تزداد هيمنة حضور الممثل النجم في سوق الأخبار، ليكون تأثيره ليس مقتصرا على الجمهور الذي يتابعه في الأدوار التي يتقمصها على الشاشة فقط، بل ينسحب ذلك إلى ناحية هيمنة حضوره في الواقع اليومي خارج الشاشة، وبما يكون له صلة بقناعات المتلقين في حياتهم وعلاقاتهم الإنسانية وانشغالاتهم وانحيازاتهم المفاهيمية إزاء قضايا تشكل محور اهتماماتهم مثل الحب والكراهية والصداقة والمال والعائلة والوقت ..ألخ، كل ذلك يتم تسويقه بشكل ممنهج من خلال ماكنة إعلامية تحرص على ان تضخ المزيد من البريق على صورة الممثل الذي يتحفنا بمقولات فلسفية بين فترة وأخرى، كما هو الحال مع مقولات منسوبة للنجم الأمريكي جيم كاري مثل: «المخاطرة بالجوع أفضل بكثير من الاستسلام».
هذه الأجندة الإعلامية تقدمت خطوات بهذا المشروع الدعائي، والذي هو في محصلته النهائية لا يهدف سوى تحقيق أكبر قدر من الأرباح والعوائد المالية التي ستأتي بها الأفلام التي تنتجها شركات الإنتاج السينمائي والتي يشارك بها أمثال هؤلاء النجوم.
والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: هل ستحل صورة الممثل الفيلسوف لتكون بديلا ناجحا لتسويق أيديولوجيات هي جزء من مقدمات فكرية لصياغة عالمنا الجديد الذي تم البدء بتشكيله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001؟
وما الذي يمنع من ترجيح واقعية هذه الفكرة إذا ما نظرنا إلى الدور الذي تم إسناده للممثل الكوميدي الأوكراني زيلنسكي في الحرب القائمة الآن بين روسيا وحلفائها الشرقيين من جهة وأمريكا وحلفائها الغربيين من جهة ثانية؟
لا شيء يجري بالصدفة في عالم السياسة، فكل حدث يخرج مرسوما من دهاليز هذا العالم، والمؤسسات الإعلامية تمارس حسب خطة محكمة وبوسائل وبرامج مختلفة دورها في توجيه الرأي العام وتضليله لتمرير أهداف مرسومة غير معلنة.
التمثيل مجرد مهنة
الممثل ما أن ينتهي من أداء دوره ويعود إلى شخصيته في الواقع، تفرض عليه مهنته أن ينزع قناع الشخصية التي كان يتقمصها، ليعيش شخصيته الحقيقية مع العالم المحيط به، ولكي يتمكن بعدئذ من تهيئة نفسه لارتداء قناع شخصيات أخرى سيمثلها، وإلاَّ سينتهي به الحال إلى الجنون أو في أبسط الحالات السقوط في دائرة النمطية والنمذجة مع بقية أدواره التي سيضطلع بتقديمها في مشاريعه المقبلة، ولا غرابة إذا ما كانت شخصيته لا تحمل أي سمة من سمات الفيلسوف أو الأديب المبدع، ولربما تكون شخصيته في الواقع غير جذابة ولا تحمل أي تميز، وقد يكون شخصا مُستفِزا أو مستهترا أو منحلا أو انتهازيا أو منافقا، وكثيرة هي نماذج الممثلين على هذه الصور المختلفة .
الممثل مجرد شخص يمارس مهنة، مثل أي مهنة أخرى، مقابل أجر يتقاضاه حسب نجوميته، ولكي ينال القبول من قبل الجمهور يتوجب عليه أن يجتهد كثيرا حتى يتميز عن زملائه، وقد يبذل بعض الممثلين جهدا كبيرا لكنهم يعجزون عن تحقيق التميز، وهنا أستذكر ما جاء على لسان الممثل المصري عمر الشريف في أُخريات أيامه، بعد أن قطع رحلة طويلة في استديوهات هوليوود وأوروبا، وأصبح نجما عالميا، فقد أعلن في أكثر من حوار متلفز عن استغرابه من الأجور العالية التي كان يتقاضاها، مؤكدا بأنه لم يكن يستحقها، لأنه وحسب قوله لم يبذل جهدا يساوي جهود آخرين مثل الأطباء والمهندسين والمفكرين.
حديث عمر الشريف يأتي عن تجربة عميقة تشكلت في أروقة ماكنة إنتاجية ضخمة يتداخل فيها الفن السينمائي مع الإعلام والسياسة، وتلعب دورا خطيرا في تغيير وتزييف قناعات الجمهور وردود أفعاله حول قضايا كثيرة، منها ما يتصل بشؤون الحياة اليومية، ومنها ما له صلة بقضايا كبرى مرتبطة بمصير ومستقبل الشعوب.
رأس حربة
الممثل النجم الذي تصدره الشركات الإنتاجية الكبيرة وفي مقدمتها هوليوود يمثل رأس حربة في ترسانة إعلامية تعمل على تفتيت بنى المجتمعات وإعادة تشكيلها بصورة أخرى، ولأجل أن يكتمل هذا الدور بما يحمله من تأثير، سيكون من الطبيعي أن يتم تقديمه باعتباره يملك من المؤهلات الفكرية إلى جانب موهبته كممثل، ما يؤهله لتقديم مقولات فلسفية تسحر عقل الجمهور، بغض النظر عن محتواها وما ترمي إليه من أهداف بعيدة في محصلتها النهائية، وكنموذج على ذلك سنقتبس مقولة تنسب إلى النجم الأمريكي آل باتشينو: «مالذي أحتاجه من الآخرين؟ أنا لست بعربة يصعد إليها وينزل منها من يشاء، كل ما أريده هو شخص واحد يسير معي حتى النهاية».
الجمهور نفسه لم يعد معنيا إذا ما كانت هذه المقولات المنسوبة إلى النجوم صحيحة أم مزيفة، بعد أن أخذت حضورها في التداول عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، واستغنى بها الجمهور عن مقولات لفلاسفة ومفكرين ومبدعين، لأن فعل قراءة الكتب بات منحسرا بشكل كبير أمام حجم التفاعل اليومي مع الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي.
نحن اليوم في عصر يهيمن فيه نجوم السينما، إضافة إلى نجوم الميديا الذين وإن كانت نجوميتهم أقل سطوة من الممثلين إلاَّ انهم باتوا يلعبون دورا خطيرا في التأثير على المتلقين خاصة وأنهم في حالة تنافس شديد في ما بينهم للارتفاع بنسب أعداد الذين يتابعون ما يقدمونه من مقاطع فديوية إلى ملايين الأشخاص، ما سيزيد طرديا نسبة الأرباح التي ستعود عليهم من قبل شركة اليوتيوب.
نحن اليوم أمام عالم يتغير بشكل سريع جدا من حيث الشكل والمحتوى، انحسر فيه تأثير القوى التقليدية مثل المفكرين، أمام زحف قوى جديدة في مقدمتهم نجوم السينما والميديا الذين أخذوا يتبادلون الأدوار في ما بينهم ليصبح الممثلون نجوما في عالم الميديا والعكس صحيح أيضا.