«ممر آمن» رواية لجان دوست: رؤية كافكاوية لعالم بلا إنسانية

كان الدوس هكسلي على حق عندما قال: «قد يكون هذا العالم جحيم عالم آخر» نتيجة الفظائع التي نعيشها من حين إلى آخر، ومن أبرزها الحروب العبثية التي تدار هنا وهناك، ولطالما كان الأدب في مواجهة هذا الموضوع، خاصة جنس الرواية الذي جسد هذا الصراع وهذا العالم المتناقض.
ومن هذا المنطلق نستطيع أنْ نقرأ رواية «ممر آمن» للكاتب الكُردي السوري جان دوست، الذي رصد فيها بعُيون طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره انعكاسات الحرب الجارية في سوريا بعد الثورة، خاصة ما عاناه الكرد من ظُلم وتَقْتيل واختطاف وتهْجير من قراهم ومن أراضيهم ومن منازلهم، بداية من احتلال الدواعش للعديد من المدن السورية سنة ألفين وأربعة عشر وصولا إلى عملية «غصن الزيتون» التي قادتها القوات التُركية على قرية «عفرين» الواقعة على حدودها سنة ألفين وسبعة عشر.
«ممر آمن» رواية جمع فيها جان دوست بين التخييلي والتسجيلي، ورسم أحداثها في جو سوداوي كابوسي عجائبي، مستحضرا فيها بعض النصوص العالمية والأساطير وقصص الأنبياء. وهي تمتد على مئة وتسعة وسبعين صفحة عن دار مسكلياني التونسية للنشر: إنها رواية تفضح «بازارات» السياسة، وتؤكد على أن لا ممر آمن في الحرب إلا طريق الموت.

الطـفل الســــارد:

تعتبر الطفولة تجربة كونية يشترك فيها جميع البشر، وهي من أهم مراحل الإنسان تأثيرا في حياته، ولذلك كانت محط اهتمام الكثير من الروائيين، وغالبا ما كانت تمثل مرحلة البراءة والشقاوة والتعلم من تجارب الحياة. والملاحظ أن الطفل لا يمثل نفسه داخل الرواية، بل يجري تقديمه من قبل الكبار. إلا أن جان دوست في ممره الآمن آثر جَعْل الطفل «كاميران مسؤولا عن السرد، وعن تأمين مختلف أحداث الرواية، إذ أن الأطفال في الحرب يكبرون بسرعة لا لأنهم لا يعيشون طفولتهم فقط، بل لأنهم ينخرطون في سلسلة من العلاقات البنيوية المعقدة مع تجربة الكبار، وكما قال درويش يولد الأطفال في الحرب رجالا. ولأن السارد في هذه الرواية هو طفل، فقد أوهمنا جان دوست بأن «كاميران» لا يعنيه المتلقي فأوجد له مسرودا له من محيطه الحميمي والخاص، وهو مكمن الطرافة، إذ أنه كان يسرد حكايته الأليمة لطبشورة لونها أصفر سماها صفْرا، كان يحتفظ بها ويعتبرها صديقته المقربة فالأطفال يتعلقون دائما بأشياء غريبة وغير معهودة، غير أن ذلك سيكون موظفا في الرواية. ولم يكتف كاميران بالتعلق بهذه الطبشورة، بل كان متعلقا ككل طفل بدراجته الخضراء ذات الشراشف الحمراء، وإذا دققنا في هذه الألوان فسنلاحظ أن كاتبنا وظف الألوان جيدا فكانت على قياس العلم الكردي:
استطاع الطفل أنْ يحتفظ بالطبشورة الصفراء لكنه لم يستطع أنْ يحتفظ بدراجته الخضراء التي يستحوذ عليها في ما بعد أحد مسلحي الفصائل المتطرفة، التي رافقت الجيش التركي في غزو عفرين واحتلالها، بعد استيلائهم على بيت كاميران وسرقة ما فيه، وهي إشارة رمزية لسرقة الحلم والوطن والأرض.
ولما أوكل جان دوست مهمة السرد إلى طفل، كان على وعْي بأنه لا يمتلك القدرة على السرد بلغة قصصية عالية، التي قد تشتمل على مضامين يتعسر عليه الإحاطة بها، لذلك جاءت الرواية في لغة بسيطة تتلاءم ومستوى طفل صغير. ولأن الحرب قاسية وفجة، جاءت اللغة شبيهة بها فهي، لا تخلو من كلمات نابية يستعملها الطفل وخاله «علي» عازف البزق أحيانا تعبيرا عن إدانتهم لوضعهم المأساوي، في الوقت الذي كان بالإمكان أن يعيش كاميران بسلام هو وعائلته: فهو طفل لطبيب جراح اختطفه «داعش» عند احتلاله لمدينته ولأم كانت تعمل أستاذة لغة إنكليزية أخرستها الحرب بعد أن قتلت ابنتها الصغرى بشظيه قسمتها نصفين أمام عينيها. ومنذ ذلك الحين عاش هذا الطفل عدم الاستقرار والخوف والكوابيس الليلية التي جعلته يعيش بعاهة حاول أنْ تكون سره، أو هكذا كان يعتقد وهي التبول اللاإرادي، وهي حالة تُصيب أغلب الأطفال في هذه الظروف. هذا السر الذي كان يُخفيه عن الجميع حتى عن أمه، وكان يقوم بكل المستحيلات حتى لا يفتضح أمره. حولت الحرب حياة هذا الطفل إلى جحيم، وإلى حزن دائم ولذلك، في استراتيجية التسمية عمد جان دوست إلى إسناد اسم معاكس لشخصيته، فسماه كاميران وهو اسم كردي يعنى السعيد، وهذا ما يجعلنا نقول مع لغرام هيو»لا تثق بالراوى وثقْ بالرواية».
لكن كاميران رغم مرارة الحرب عاش لحظات من السعادة، عندما اكتشف جسده وعاش تجربة الجنس مع إحدى الشابات الأرامل «مزيت» التي فقدت زوجها في الحرب وهي مازالت عروساً، اكتشاف الجسد كان بمثابة الدخول في مرحلة الرجولة وكانت أجمل الحروب التي انتصر فيها هذا المراهق هي حرب الجسد. لم يكتف كاميران بنقل مأساته فقط، وإنما رصد لنا عبر أحداث الرواية مآسي العديد من السوريين الذين هُجروا من أراضيهم، أراضي الزيتون الذين شَقُوا في سبيل رؤية ثمارها وسقوها بعرقهم وجهدهم، فإذا بهم يجدون انفسهم مشردين بلا مأوى وبلا سند: عائلات فقدت أبناءها ونساء فقدن أزواجهن، سواء بالموت أو الاختطاف، أطفال يموتون بالقذائف وإنْ لم يموتوا بها ماتوا من الأمراض والخوف، ورجال ماتوا بجلطات قلبية نتيجة القهر الذي رأوه في هذه الحرب البشعة.

هذه الأجواء الكابوسية السوداوية ترمي بظلالها على رواية «الممر الآمن». ومن السطور الأولى نلاحظ حضور كافكا في هذا العمل، إذْ يرى الطفل كاميران نفسه يتحول إلى طبشورة عملاقة «ليلة تراءى للفتى المراهق «كاميران» أنه يتحول إلى طبشورة.

لقد جسد جان دوست في هذه الرواية الطفولة المسروقة، من خلال شخصية كاميران ونماذج أخرى مثل حميدة وألان وغيرهم، ولأن الواقع الذي يعيشه هؤلاء الأطفال في الحرب أبشع من كل خيال، فقد وظف الكاتب كل ما يبعث على السوداوية والعبثية، وذلك باستدعاء نماذج روائية عالمية صورت رحلة الإنسان الوجودية على أنها رحلة إلى المجهول والعدم والعبث، وكانت أعمالهم كابوسية ومخيفة.

التحول: بين كافكا وجان دوست

أكد رونالد جراي في كتابه «فرانز كافكا» على أن كتابات كافكا متعلقة بفظائع القرن العشرين، غير أن هذه الفظائع مازالت متواصلة إلى هذا القرن، لذلك بقيت عوالم كافكا ملهمة للعديد من الروائيين العرب وهي عوالم اللامعقول التي يحس فيها البطل الكافكاوي بالاغتراب والشعور بالخوف، وبالتالي بأنه مطارد من قوى خفية لا يَعرفها وتجعله يعيش في عبثية تامة، وهذا ما جسدته رواية كافكا «المسخ» أو «التحول».
هذه الأجواء الكابوسية السوداوية ترمي بظلالها على رواية «الممر الآمن». ومن السطور الأولى نلاحظ حضور كافكا في هذا العمل، إذْ يرى الطفل كاميران نفسه يتحول إلى طبشورة عملاقة «ليلة تراءى للفتى المراهق «كاميران» أنه يتحول إلى طبشورة، حيث أن الرواية تبدأ من إرهاصات النهاية، وهنا يتماهى السارد مع المسرود له تلك الطبشورة الصفراء . غير أن حضور كافكا جرى تحويل مجراه من قبل جان دوست، فإن كان «جريجور سامسا» بطل «المسخ» تبدأ مأساته من يوم تحول إلى مسخ، أيْ إلى تلك الحشرة المقرفة، فإن التحول عند جان دوست كان بمثابة نهاية المأساة عند الطفل كاميران، وكان يشعر بسعادة كبرى بتحوله إلى طبشورة عملاقة كأن بجان دوست يقول، إن هذا الطفل لا يريد أنْ ينتمي إلى عالم الإنسان الذي فقد كل الإنسانية نتيجة الأهوال التي رآها في الحرب القذرة، لم يعد يريد أن ينتمي إلى هذا الواقع الشرس الذي تفوق كثيرا حتى على الخيال. وتنتهي الرواية بهذا التحول السعيد الذي رافقه خيال تلك الأرملة» مزيت» التي عاش كاميران معها سعادة الجسد. التحول إلى جماد هو الأنسب في عالم لم يعد للإنسان فيه أي قيمة.. ولم يكن التحول إلى طبشورة إلا لأنها أداة الكتابة لعله يستطيع أن يكتب تلك المأساة يوما ما. وفي الحقيقة لم يكن هذا التحول الوحيد في الرواية إذْ يُحول جان دوست العجوز «زلوخ» التي تم الاستيلاء على حقلها الصغير المليء بأشجار الزيتون إلى حبة زيتون كبيرة، وهذا من شدة تعلقها بأرضها التي طُرِدت منها عنوة، وحسرتها على زيتونها: «تحولت العجوز زلوخ القادمة من قرية بعدينا إلى حبة زيتون كبيرة. تحولت إلى حبة خضراء داكنة سرعان ما تدحرجت على الأرض مثل كرة قدم أمريكية ضخمة… وسط ذهول الجميع ورعبهم». وهكذا كل واحد يتحول إلى أقرب شيء إلى قلبه. وعفرين كانت أرض الزيتون، وكان تعلق العفرينيين بها قويا، لذلك جعل كاتبنا شجرة الزيتون شخصية من الشخصيات المهمة التي شخصها فنسمعها تئن وتذرف الدموع على فراق من تحب، وهذا ما يؤكد أجواء الفانتازيا والعجائبية في هذه الرواية. هذا التعلق بالأرض وبالشجرة وبغصن الزيتون من قبل العفرينيين، جعل الكاتب يشير بطريقة مباشرة إلى قضية أخرى أكثر قدما، وأكثر مأساوية وهي القضية الفلسطينية، فلطالما كانت شجرة الزيتون رمزا لهذه القضية وفي انعكاس مرآوي يتساءل الكاتب: اتصبح عفرين فلسطين أخرى؟

سقوط تمثال كاوا الحداد والقضية الكردية:

بسقوط تمثال «كاوا الحداد» الماثل وسط عفرين، وبموت الخال نعسو أحد شخصيات الرواية تسقط عفرين في يد الأتراك، وهم بذلك يسقطون أحد المعالم الثقافية الذي يرمز إلى الحرية والوحدة. و»كاوا الحداد» هو أحد الشخصيات الأسطورية موجود في ملحمة «الشاهنامة»، وقصته أنه تغلب على الطاغية الذي استباح دم الكُرد وقضى عليه بضربة مطرقة أنهت معاناة المظلومين، وهو بطل قومي لكل الكُرد، بل الرمز الأكبر لوحدتهم في العالم ويعتبر «عيد النيروز» عندهم تخليدا لهذا اليوم المشهود، وهذا الحدث مثل انكسارا في الرواية وتعبيرا عن تبدد الحلم: «حتى العودة إلى عفرين صارت حلما».
هذه الخيبات التي عاشها الكُرد في محنتهم عبّر عنه جان دوست بهذه السوداوية والعبثية، وكانت أجواء الرواية حزينة وسوداوية وصادمة، لم يعبر عنها الكاتب بالأحداث فقط، وإنما أطرها بإطار موسيقي شبيه بالموسيقى التصويرية في السينما، من خلال عزف الخال علي على البزق والاستماع إلى الآهات الحزينة للفنان الكُردي «جميل هورو» .
ولم يكتف الكاتب بالنهاية الذي تحول فيها كاميران إلى طبشورة، وإنما وظف أيضا النصوص الأسطورية وقصص الأنبياء باستدعائه رمزية الطوفان «طوفان نوح» إذ تنتهي الرواية «لمخيم يطوف «.. «السيل على وشك أن يغرق المخيم» ولعلها إشارة منه إلى العقاب الذي يمكن أنْ يسدده إلى هذا العالم الذي فقد إنسانيته، لعله بتسليط عقوبة الطوفان نستطيع بمن نجا منه أخذ العبرة وإعادة إعمار العالم من جديد على شرط أن يكون أكثر إنسانية.
هكذا لم تخرج هذه الرواية في مضمونها عن اهتمام كاتبنا بقضيته، وإن كانت تختلف فنيا طبعا عن بقية رواياته، وهذا ما نلاحظه في أعماله مثل «دم على المئذنة «، «ثلاث خطوات إلى المشنقة»، «كوباني» ومن خلالها رصد جان دوست الظلم الذي يعانيه الشعب الكردي من التهجير، وإدانة كل ما يقع في سوريا بعد الثورة، حيث كان الشعب السوري هو الضحية الوحيدة، وهذا ما يؤكده أدونيس بقوله «لا أعلم من باع الوطن ولكني رأيتُ من دفع الثمن».

٭ ناقدة تونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية