مناطق النزوح تتحول إلى “علب سردين”.. الأحياء يجاورون القبور والإخلاء يحدد 11% من مساحة قطاع غزة للإقامة

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة – “القدس العربي”:

زادت أوضاع سكان مناطق جنوب قطاع غزة صعوبة، مع تزايد أعداد النازحين الجدد، بعد إجبار جيش الاحتلال مناطق جديدة على الإخلاء القسري، وبات سكان قطاع غزة مجبورين حاليا على الإقامة في مساحة 11% من إجمالي المساحة الكلية للقطاع، ما جعلهم يعيشون فيما يشبه بـ “علبة السردين”.

ازدحام شديد

ولم يعد هناك موطئ لإقامة أماكن للنازحين في مناطق وسط قطاع غزة، وتحديدا مناطق وسط وغرب مدينة دير البلح وبلدة الزوايدة ومخيم النصيرات، بعد أن توافد عليها منذ يوم الجمعة الماضية أعداد كبيرة من النازحين الجدد، بسبب أوامر الإخلاء المتلاحقة التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبحث مواطنون نزحوا لليوم الثاني على التوالي، من مخيم النصيرات عن مكان مناسب للإقامة فلم يجدوا، حتى إن منازل أقارب وأصدقاء لهم، كانت قبل نزوحهم ممتلئة بنازحين آخرين، أو دمرت في هجمات سابقة، وبات أصحابها إما في عداد الضحايا أو يقيمون في مراكز الإيواء.

ويقول محمد إسماعيل من مخيم المغازي، إنه اضطر في اليوم الثاني للخروج من مخيم المغازي، لافتا إنه في اليوم الأول لصدور أمر النزوح القسري، وحين ذهب أحد أفراد الأسرة لتفقد مكان مناسب للنزوح لم يجد قطعة صغيرة لوضع خيمة تؤوي العائلة.

واقع مرير

وهذا الرجل وهو في منتصف الخمسينات نزح منذ بداية الحرب ثلاث مرات، وهذه هي المرة الرابعة، وكان أطولها نزوحه في شهر يناير الماضي إلى مدينة رفح جنوب القطاع، حين نفذ الاحتلال عملية توغل برية كبيرة في المخيم، ووقتها خرج هذا الرجل وأسرته والدبابات الإسرائيلية تحاصر الحي الذي يقطن فيه، بعد أن دخلت بشكل مفاجئ، وبوضح أنه واجه وقتها الموت، ولجأ للنزوح القسري هذه المرة خشية من تكرار الاحتلال لفعلته قبل أشهر، حين دخل خلال المهلة التي حددها للسكان، على وقع عمليات قصف عنيفة.

ويوضح أن جيش الاحتلال يتعمد منذ مساء يوم الجمعة قصف العديد من أحياء المخيم بالقذائف المدفعية، كما ينفذ غارات جوية، وقد جعل ذلك الإقامة في ذلك المكان أمرا صعبا.

وقد حمل هذا الرجل مع أسرته ذات الخيمة التي كانت تؤويها في رحلة النزوح السابقة في مدينة رفح، وقال لـ “القدس العربي”: “في رفح حصلت على خيمة من إحدى الجمعيات، وعند عودتي للمغازي، قمت بفكها”، وظل منذ ذلك الوقت يحتفظ بالخيمة، لشعوره بأنه سيحتاجها في فترة ما، بسبب هجمات الاحتلال، لافتا إلى أنه بعد العودة من رفح نزح بعض الوقت عند أقارب له في نفس المخيم، بعد تهديد منطقة سكنه بالقصف.

ووقتما قابلت “القدس العربي” هذا الرجل صبيحة الأحد، كان يبحث عن مكان يقع وسط المخيم لوضعها، ويقول إن إيجاد مكان لنصب الخيمة ليس بالسهل، حيث يتوجب أولا أن يسأل عن مكان جلب المياه، بحيث لا يكون بعيدا، وعن مكان لدورة المياه.

وحال هذا النازح شابهت ما يعانيه إبراهيم الباز من مخيم المغازي أيضا، الذي قال إن رحلة النزوح رغم قسر مسافتها كانت أليمة، حيث ترك منزله وبات يبحث عن خيمة، ويقول إن تكلفة النزوح مرتفعة، حيث يحتاج إلى أكثر من 100 دولار لنقل أفراد أسرته وبعض الامتعة، في حين يزيد المبلغ للضعف، إذا ما قرر حمل المزيد من الأغراض.

ووصل النازحون الجدد إما مشيا على الأقدام، وقطعوا مسافة تزيد عن الخمسة كيلو مترات، او على متن سيارات أو شاحنات، ومنهم من حمل أغراضه على دراجة نارية بثلاث عجلات “تكتوك”، أو على عربات تجرها حيوانات.

ويقول محمد عوض، إن تدبر مكانا في منزله، لعائلة صديق له نزحت من مخيم المغازي، رغم ضيق المكان، فيما قام نازحون آخرون بنصب خيام لهم في أحد الشوارع القريبة من مكان سكنه، ويشير إلى أن اليومين الماضيين أعادا مخيم النصيرات لذكريات أول أسبوعين في الحرب، حين توافد عليه أعداد كبيرة من النازحين من مدينة غزة وبلدات الشمال، بناء على أوامر تهديد إسرائيلية، لافتا إلى أن عددا من هؤلاء النازحين يقيمون في المخيم منذ بداية الحرب، وأنه يجري التعامل معهم على أنهم من الجيران، لقرب سكنهم من منزله، ويقول “حين نزحنا بداية هذا العام من النصيرات إلى رفح ودير البلح، نزحت عائلات النازحين من غزة والشمال معنا، ولما عدنا رجعوا معنا”.

ولم يكن الأمر مغايرا لما تشهده مدينة دير البلح وبلدة الزوايدة، حيث توافد على تلك المناطق أعداد كبيرة من نازحي شمال وجنوب مدينة دير البلح، وآخرون من مخيم المغازي.

علبة سردين

وقد شبه محمد أبو سمرة من مدينة دير البلح لـ “القدس العربي”، وضع المدينة صغيرة الحجم، بانها أصبحت أشبه بـ “علبة سردين”، وذلك بسبب الازدحام الشديد.

ويضيف “النازحون الجدد سكنوا في أي مكان وجدوه فارغا”، وقد عبر هذا الشاب عن خشيته من توسيع جيش الاحتلال أوامر الإخلاء، لتشمل مناطق جديدة في خان يونس المجاورة ومناطق وسط القطاع، لافتا إلى أن المناطق التي هددت بالنزوح القسري كانت تقيم فيها أيضا عائلات نازحة من مناطق عدة في القطاع.

وكان من بين النازحين الجدد من نصب خيمته على أسوار المقابر التي يدفن فيها ضحايا الحرب، وعلى مقربة من إحدى مقابر دير البلح، التي لم يعد فيها أيضا متسع لضحايا الحرب بسبب الأعداد الكبيرة التي سقطت في هجمات الاحتلال، قال أحد النازحين الجدد لـ “القدس العربي”: “كمان شوي (بعد وقت قليل) راح تلاقي الناس بتسكن في المقبرة بجوار الأموات.. وين بدنا نروح”.

وتشابه صورة الأوضاع في مناطق وسط القطاع، ما يعيشه السكان والنازحون في مناطق “المواصي” غرب خان يونس.

وتقدر المنظمات الأممية والاغاثية الناشطة في قطاع غزة، أن عدد النازحين من القطاع وصل إلى مليوني مواطن من أصل 2.2 مليون، أي أن تسعة أشخاص من بين كل عشرة عاشوا معاناة النزوح القسري.

ويقول طبيب يعالج المرضى في عيادة النصيرات، إن الأمر يشكل خطورة كبيرة، ليس بسبب انتشار الأمراض المعدية في صفوف السكان فقط، بل بسبب قلة الدواء وعدم قدرة الطواقم الطبية على تلبية احتياجات الأعداد الوافدة.

ويؤكد لـ “القدس العربي” أن كل منطقة ينزح سكانها تغلق عياداتها الطبية سواء الرسمية، أو تلك المؤقتة المقامة من الخيام، وفي أغلب الأوقات لا تستطيع الطواقم الطبية نقل الادوية من هناك، ما يجعل النازحين الجدد يضافون إلى الأعداد الكبيرة في مناطق نزوحهم الجديدة، التي تراجع العيادات الطبية بحثا عن الدواء.

وفي هذا السياق، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إن الحرب المستمرة وأوامر الإخلاء المتكررة في غزة تؤدي إلى “حلقة مفرغة من النزوح تبدو بلا نهاية، وتجعل من الصعب بشكل متزايد على الناس الوصول إلى المساعدات الإنسانية التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة”.

وذكر المكتب أن أمر الإخلاء الجديد الذي أصدره الجيش الإسرائيلي، قلص مساحة “المنطقة الإنسانية” التي حددتها إسرائيل إلى 11% من مساحة قطاع غزة.

وقد تأثرت ست مربعات سكنية بأمر الإخلاء الجديد في دير البلح وخان يونس، بما فيها مربعان سكنيان داخل “المنطقة الإنسانية” التي حددتها إسرائيل في المواصي غرب خان يونس، كما تأثر أكثر من 120 موقعا للنزوح، تستضيف ما يقدر بنحو 170 ألف شخص.

وتوضح “أوتشا” أن أمر الإخلاء الجديد أثر على المرافق الإنسانية، بما فيها مستودع لبرنامج الغذاء العالمي، برغم النقص الكبير في سعة التخزين في غزة “مما يؤثر على قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تلقي وإرسال المساعدات”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية