«مهزلة قوميّة». «خلاصة الخزي». «فوضى تامّة داخل مستوعب قمامة في حطام قطار». «النقطة الأدنى في تاريخ الخطاب السياسي الأمريكي». «ليلة مثيرة للغثيان». «هذه ليست مناظرة رئاسيّة بل مصارعة في الطين».
تلك بعض أكثر التعليقات تأدباً في الصحافة الأمريكيّة على المناظرة الرئاسيّة الأولى (من ثلاث) بين الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، ومتحديه مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن. وتحدّث أحد خبراء الإعلام معلقاً: «بصفتي شهدت جميع المناظرات الرئاسيّة الأمريكيّة طوال الأربعين سنة الماضية، وكنت حكماً في بعضها، وساعدت أحد المُرَشحيْن في بعضها الآخر، وغطيّت كثيراً منها، أقول وبكل ثقة أنّ مناظرة ترامب – بايدن هي الأسوأ على الإطلاق».
تعليقات الجمهور كانت لاذعة أكثر بما لا يقاس، واشتكى كثيرون على مواقع التّواصل الاجتماعي من أنّهم فقدوا الاهتمام بمتابعة المناظرة بعد مرور ربع الوقت المخصص لها (90 دقيقة)، واعترض آخرون حتى على وصف ما جرى بـ»المناظرة» واعتبروه إهانة لمدينة كليفلاند – حيث جرت – وفشلاً ذريعاً لمؤسسة التلفزيون الأمريكيّة فوق فشل النظام الديمقراطيّ للدولة الأعظم في العالم. وللحقيقة، فإن ما شاهدناه خلال بث حيّ ومباشر كان أقرب إلى مباراة سّباب علنيّ، وبلا أي قيمة سياسية، ولم يتضمّن أيّة نقاشات جديّة حول التحديات العديدة التي تواجهها الدولة الأمريكيّة، ولا شكّ بأنّه لم يساعد أيّاً من المترددين في حسم خيارهم بالتصويت لمصلحة أحد المرشحين على الآخر، كما هي الغاية من المناظرات، لا بل ولربّما ستردع المناظرة / المباراة عديدين عن المشاركة بالاقتراع من حيث المبدأ، كفراً بهذا الإسفاف، الذي انحدر إليه الصراع على قمّة السلطة التنفيذيًة في الولايات المتحدة.
الإعلام والإمبراطوريّة يداً بيد نحو الحضيض
بالطبع لم تصل مؤسسة التلفزيون الأمريكيّة، ونوعيّة الخطاب السياسيّ في النظام الأمريكيّ إلى هذه الرداءة في يوم وليلة. فالعالم يشهد منذ عدة سنوات تراجعاً تراكميّاً ونوعيّاً في قيمة المادة الإعلاميّة المقدّمة على الشاشات الغربيّة عموماً، وفقد معظم الجماهير ثقته في الأسماء الكُبرى في دنيا الصحافة والإعلام، وجاء فوز ترامب بالمنصب الرئاسيّ قبل أربع سنوات – وهو القادم من خبرة طويلة في التلفزيون – بمثابة الضربة القاضية لكل تظاهرٍ بالعقلانيّة أو الاتزان أو حتى ممارسة السياسة في أجواء نخبة دولة طالما حاضرت في الكوكب من أقصاه إلى أقصاه في فضائل الديمقراطيّة والحريّات والانتخابات.
لذا فإن المناظرة وترامب وبايدن كليهما كانا تتويجاً رمزيّاً، ونهاية منطقيّة لمسار تراجع مستمر، وتمثيلاً بليغاً لحالة الوهن الأخلاقي والفكري التي أصابت النخبة الأمريكيّة وتهافت قيم إمبراطوريتها المعولمة، واتساع حالة الاستقطاب بين مكونات الشعب الأمريكي لدرجة الاستعداء.
وهو بالفعل ما أظهره استطلاع للرأي أجرته إحدى الجامعات وخلص إلى 74 في المئة من المواطنين كانوا يخططون لمتابعة المناظرة، منهم 3 في المئة فقط قالوا إنّ هناك احتمالاً لتغيير آرائهم بناء على مجرياتها، الأمر الذي يعني ببساطة أن الأغلبيّة الساحقة قد حسمت موقفها بشأن الانتخابات الرئاسيّة بالفعل، ولم تعد بحاجة لمزيد من البهلوانيّات على شاشات التلفزيون كي تنتخب في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لكنها تُقبل على مشاهدة المناظرات كما الجماهير الرياضيّة على مباريات كرة القدم: لدعم فريقها، والسخرية من الفريق الآخر دون أي احتمال لأن يغيّر أحد الحاضرين فريقه المفضّل أثناء التسعين دقيقة.
المناظرة المقبلة: هل يمكن إنقاذ السفينة الغارقة؟
تعرّض محّكم المناظرة المذيع المعروف كريس والاس (قناة فوكس نيوز) إلى سيل من الانتقادات. فاتهمه البعض بأنّه «لم يكن على مستوى الحدث» ووصفه آخرون بأنّه «الحَكَم الذي لم يكن حاضراً». لكن الواقع أن هذا الحَكَم لم يكن ليفعل أيّ شيء تجاه المهمّة المستحيلة مع متناظرين من قماشة ترامب وبايدن.
والسؤال الآن في أوساط إعلاميي التلفزيون الأمريكي عن جدوى إجراء المناظرتين الباقيتين (15 و22 الشهر الجاري). إذ يرى البعض عبثيّة تكرار «اللّيلة السوداء للديمقراطيّة» ودعا عدد من الكتّاب في الصحف إلى إلغائهما، أو استبدالهما بمناظرات عبر الرسائل البريديّة (في إشارة ساخرة إلى الجدل الواسع حول مبدأ التصويت عبر البريد) أو على الأقل تغيير قواعد إجرائهما بحيث يمتلك الحَكَمُ سلطة تقنيّة للسيطرة على المتناظرين ومنع الصوت عمّن يخرج عن الوقت / المضمون.
لكّن الأمل ميتٌ بالطبع بأن يستمع لهم أحد في صناعة التلفزيون الأمريكيّة المعاصرة، حيث جودة المحتوى هي آخر الأولويات مقارنة بنسب المشاهدة وأعداد المتابعين وقابليّة تسجيل فيديو المناظرة على التقطيع لاستخدام مقاطع على الشاشات ومواقع التّواصل الاجتماعي. لن تجد التلفزيونات تسليّة للدهماء بأفضل من تبادل المرشحين لمنصب الرئاسة الشتائم والنعوت والاتهامات، ومقاطعتهم لبعضهم بوقاحة.
بدا بايدن عجوزاً متهالكاً (كلا المرشحين في العقد السابع من عمرهما) وظهر مبكراً بأن استراتيجيته في الظهور تقوم على تجنّب الوقوع بأخطاء فادحة، لكنّه أساء عدّة مرات لرئيس الدّولة (إخرس، المهرّج، أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدّة، الدّمية في يد بوتين – الرئيس الروسيّ…)، فيما كان ترامب كطفل سريع الغضب، استمر في مقاطعة بايدن طوال الوقت والتعليق على كل شتيمة بأفظع منها، مع التركيز على إظهار بايدن في صورة العاجز والضعيف، متفاخراً بأنّه أنجز في 47 شهراً – فترة توليه منصب الرئاسة – ما عجز عن إنجازه غريمه طوال 47 عاماً خلال مهنته السياسيّة الطويلة في محيط واشنطن.
ورغم أن تقييم الجمهور مال لمصلحة بايدن – مع اتفاق الأغلبيّة بالطبع على فوضوية المناظرة ككل – فإن ذلك يُحسب للأخير، الذي كان يواجه خصماً خبيراً بمسائل الظهور التلفزيوني والاستعراض وطرائق التبختر أمام الكاميرا – وهي خبرات لم تسعف صاحبها كثيراً هذه المرّة، فلجأ إلى شدّ عصب قاعدته، التي تضيق يوماً بعد آخر، مثل جماعة العنصريين البيض المعروفين بالأولاد المزهوين – براود بويز – فرفض إدانتهم، وخاطبهم مباشرة أن « قفوا، وكونوا على أهبة الاستعداد» وهو ما أثار غبطة هؤلاء، وفق ردود أفعالهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
ديمقراطيّة مُفلسة وتلفزيونات للتسليّة
بغض النظّر عن تفاصيل المناظرة الماضية، ومستقبل النسختين الباقيتين، فإن جدليّات (ترامب – بايدن) تقدّم للجمهور المعاصر أفضل صورة ممكنة وحيّة على الهواء مباشرة لإفلاس مشروع الديمقراطيّة الغربيّ، حيث التباين بين الحزبين الكبيرين المحتكرين للسياسة في قائدة العالم (الحرّ) غير موجود فعليّاً بكل ثقله، وأصبح مقتصراً على الثّانوي والشخصيّ والمشهدي دون البرنامج والمضمون والقضيّة، وشهادة على التردّي المحتّم لدور الإعلام المرئي كفضاء للنقاش المجتمعيّ العام عندما يحكمه حصراً منطق الربح.
في هذا الوقت الصعب الذي يرزح تحت ثقله أغلب الأمريكيين، يتخلى الإعلام – كما تخلّت النخبة عنهم – ويستقيل من مهمّته المفترضة الأساس في المجتمع الديمقراطي بالضغط على المرشحين السياسيين لتقديم مقاربات محددة بما يخصّ السياسة الاقتصادية مثلاً (لا سيّما وملايين المواطنين والشركات تأثروا سلباً بعد تفشي وباء كوفيد 19) التحديات العرقيّة والأيديولوجيّة، التي تسمم السّلم الأهلي وتقف في البلاد على حافة حرب أهليّة، الحروب التجاريّة المفتعلة مع الصين، الحق في العلاج والتعليم، مصاعب المناخ والموارد والهجرة، وغيرها من المسائل الاستراتيجيّة، التي تمس الأغلبيّة وبقيّة الكوكب ورائها.
لكن إن بقيت الأمور بالثوب ذاته – وهو الأمر المتوقّع – فلن تكون المناظرتان المقبلتان وحدهما في نطاق الاستعراض الشديد التسطيح للتصفيق لسيىء أو أسوأ، بل وكل شيء آخر في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وسيمشي الإعلام والإمبراطوريّة يداً بيد إلى الحضيض.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن