منظمة “عرين الأسود” الفلسطينية بعيون إسرائيلية

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: يؤكد الباحث الكبير في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب الجنرال في الاحتياط أودي ديكل أن مجموعة “عرين الأسود” تنطوي على رسالة إنذار لإسرائيل محذرا من سيناريوهات خطيرة في ظل استمرار انسداد الأفق السياسي لدى الفلسطينيين.

ويقول ديكل إن “منظمة إرهابية” تنشط في الآونة الأخيرة في نابلس تضم عشرات المقاتلين المسلحين، ولا تنتمي إلى “حماس”، أو “فتح – كتائب شهداء الأقصى”، أو الجهاد الإسلامي. الأعضاء فيها، في أغلبيتهم، شبان فلسطينيون، بعضهم انتمى سابقاً لـ”فتح – التنظيم”، أو “حماس”، أو “الجهاد الإسلامي”، بعضهم أيضاً أبناء لأشخاص في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.

ويقول إنه تُنسب إلى هذه المجموعة أغلبية عمليات إطلاق النار التي حدثت في منطقة نابلس خلال الأسابيع الأخيرة، وتشكل أساس حالة التوتر القائم في الضفة الغربية: في أيلول/ سبتمبر الماضي وحده، تم تسجيل رقم قياسي بأكثر من 34 عملية إطلاق نار في الضفة الغربية- هو الأعلى منذ 10 أعوام. بعض العمليات تضمّن إطلاق نار تجاه مستوطنات، وإطلاق نار على السيارات في محاور الطرق، وإطلاق نار على قواعد ونقاط ارتكاز الجيش، وبالأساس الاشتباك المسلح مع قوات الجيش التي تنشط في البلدات الفلسطينية.

ويضيف: “معظم نشاط التنظيم يتركز في نابلس، وفي حالة واحدة، كان هناك علاقة ما بينها وبين شاب وصل إلى يافا لتنفيذ عملية، وكان مسلحاً بسلاح محليّ الصنع وعبوات، لحسن الحظ، قبضت عليه قوات الأمن قبل التنفيذ”.

الدوافع

ويرى الباحث الإسرائيلي أن الدوافع الأساسية وراء التنظيم هي التطورات التي حدثت في الميدان – العمل الناشط للجيش و”الشاباك” في إطار حملة “كاسر الأمواج” في شمال الضفة الغربية؛ ضُعف السلطة الفلسطينية وازدياد الصراعات الداخلية، تحضيراً لما بعد الرئيس عباس. متجاهلا الرغبة بالتحرر من الاحتلال وانعدام أي أفق آخر يضيف لذلك “ضعف قبضة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وانعدام الدافع لديها لمنع العمليات؛ الوضع الاقتصادي الصعب للشباب الفلسطيني الذي لا يعمل في إسرائيل؛ الانتشار الواسع والوفرة في وجود السلاح والذخيرة”.

ويشير إلى أن “عرين الأسود” مجموعة تبنّت ملابس سوداء ورموزا جديدة منها بندقيتان تلتقيان تحت قبة الصخرة. أمّا هدفها، بحسب بيانها- “المضي في طريق الشهداء”- الاشتباك مع جنود الجيش الذين ينشطون داخل المدن والقرى الفلسطينية، والتشويش على روتين حياة المستوطنين، وكذلك الدخول إلى “قبر يوسف”، بالإضافة إلى استنهاض الشعب الفلسطيني لتنظيم احتجاجات شعبية واسعة.

النشاط الرقمي

ويتنبه الباحث الإسرائيلي إلى أن المجموعة نشطة جداً في وسائل التواصل الاجتماعي، بالأساس تقوم بحملات في “التيك توك”، إلى جانب توثيق الاشتباكات ونشرها على شبكات التواصل مباشرةً، وتطالب الشعب الفلسطيني بالتجنّد لخدمة الأقصى، بالإضافة إلى إعلان إضرابات وتظاهرات ضد السلطة.

ويشير على سبيل المثال إعلان الإضراب العام، بعد العملية على حاجز مخيم شعفاط، دفع بمئات النشطاء في شرقي القدس، بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مواجهات “عنيفة” في الشارع، بالإضافة إلى الإضراب العام في أغلبية الجامعات في مناطق السلطة ووقف التجارة في مدن فلسطينية، مرجحا أنه رغم عدم انتماء المجموعة إلى أيٍّ من الفصائل أو الحركات، فإنها مزودة بأسلحة مهربة ومصنّعة محلياً، ويبدو أنها تلقت الأموال والسلاح من “حماس”.

ويشير ديكل لاستشهاد أكثر من عشرة مقاومين من أتباع “عرين الأسود” قُتلوا خلال اشتباكات مع قوات الجيش، بينهم محمود العزيزي، وهو ناشط فتحاوي بالأصل تحول إلى مستقل وكان القوة الدافعة إلى إقامة المجموعة برفقة إبراهيم النابلسي، مذكرا أنه تم اغتيال العزيزي في 24 تموز/ يوليو في بيت عائلته وبعدها تم اغتيال النابلسي أيضاً، فتولى مصعب اشتية قيادة المجموعة، وبات مطلوباً أيضاً للسلطة الفلسطينية، بعد حصوله على مساعدة مالية من “حماس”. وفي 19 أيلول/ سبتمبر، قامت أجهزة أمن السلطة بإلقاء القبض عليه بتهمة حمل السلاح، وتهم ضريبية، بالإضافة إلى الحصول على أموال والضرر بأمن السلطة.

ولفت ديكل إلى أنه رغم الاحتجاجات على الاعتقال، فإن السلطة الفلسطينية لا تزال تسجن اشتية وأن رئيس السلطة الوطنية محمود عباس، الذي لا يزال متمسكاً برؤيته “سلطة واحدة، سلاح واحد وقانون واحد”، وجّه تعليماته بتفكيك المجموعة، يبدو أنه من خلال الطريقة المعروفة بدمج الأعضاء داخل الأجهزة التابعة للسلطة.

ويتابع ديكل “على الأقل 20 ناشطاً في المجموعة، أو أبناء عائلاتهم، معتقلون لدى أجهزة الأمن الفلسطينية، وتُبذل جهود لإقناعهم بترك المجموعة والحصول على وظائف في السلطة، أو الأجهزة، بالإضافة إلى ضمان بحصانة من الاعتقال الإسرائيلي”.

إلى أين يقودنا هذا كله؟

على هذا التساؤل يقول ديكل إن مجموعة “عرين الأسود” تشّكل اتجاهاً ثورياً، شاباً ومقاتلاً، يعارض خط الرئيس عباس السياسي، وخصوصاً التنسيق الأمني مع إسرائيل والفساد في السلطة الفلسطينية. في المرحلة الحالية، تركز المجموعة على اشتباكها مع الجيش والمستوطنين، ولكنها يمكن أن تتحول إلى معارضة بارزة لقيادة السلطة الفلسطينية.

ويقول ديكل أيضا إن للمجموعة تأييدها في صفوف “فتح”، وبصورة خاصة في صفوف المعارضين للرئيس عباس ومن هنا يستنتج أنه من الصعب القول، بشكل قاطع، إن مجموعة “عرين الأسود” هي تنظيم فردي سيتفكك في المستقبل. ويرى ديكل أنه من الممكن أن تكون النبتة الأولى لسلسلة تنظيمات محلية لخلايا “إرهابية” مستقلة، لا تنتمي إلى أيٍّ من الفصائل، وتنشط في منطقة نابلس والخليل وشرقي القدس- هناك منذ الآن تنشط مجموعات من الشبان الفلسطينيين التي، بالإضافة إلى هدفها الحفاظ على الأقصى، تقوم بـ”أعمال عنف” داخل الأحياء العربية- كما حدث خلال عيد العرش اليهودي.

انقسام الفلسطينيين مصلحة إسرائيلية

ويعتقد ديكل أنه من المريح لإسرائيل العمل مقابل السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي، ومن ضمنه الانقسام الداخلي الفلسطيني الذي يساعد في الاستمرار في هذه المعادلة، وذلك لأن أغلبية ثقل المسؤولية عن حياة السكان الفلسطينيين لا تقع على أكتافها. وضيف على ذلك اعتبار آخر مفاده أن هناك حرية عمل عملياتية – أمنية إسرائيلية داخل مناطق السلطة الفلسطينية.

ويشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي، في معظمه، لا يزال يتمسك بالرؤية القائلة إن لا حاجة إلى مسار سياسي من أجل الوصول إلى اتفاق، وأننا “سنعيش على حدّ السيف”، زاعما أن الجمهور الفلسطيني أيضاً يعيش في واقع يبدو أن لا مخرج له، ولا طريقاً مؤكدة لمستقبل قومي أفضل، ولا يوجد قيادة يمكن الاعتماد عليها. ولذا يستنتج أنه بسبب ذلك قد حدث الفراغ الذي تنشط داخله المجموعات الشبابية الفلسطينية المقاتلة، التي تنجح في استقطاب عدد أعلى من الشباب، وأن مبرر وجودهم هو قتال الاحتلال، عبر المحاولات للدفع قدماً باحتجاجات جماعية.

ويعتبر أن الثمن الذي تحصده هذه المجموعات لا يتوقف فقط على الضرر بالإسرائيليين والجنود، إنما تُضعف السلطة الفلسطينية أيضاً وتزعزع قدرتها على السيطرة وفرض القانون والنظام والاستقرار في مناطقها.

لم نفقد السيطرة

وفي هذا المضمار يستذكر أن وزير الحرب بيني غانتس قد قال في مقابلة مع موقع “واينت” يوم 13 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد المواجهات التي اندلعت في شرقي القدس المحتلة إن “الحديث يدور حول فترة حساسة جداً”، لكنه أوضح: لم نفقد السيطرة… نستخدم جميع الأدوات الموجودة لدينا ونعززها كلما أمكن. نحن نقوم بخطوات هجومية في نابلس وجنين وكل مكان آخر يحتاج إلى ذلك”.

وأضاف: “في نهاية المطاف، سنجد هؤلاء الإرهابيين. الحديث يدور عن مجموعة من 30 شخصاً، علينا أن نعرف كيف نمس بهم وسنمس بهم. هذه المجموعة ستصل إلى نهايتها بطرق مختلفة، وآمل أن يحدث هذا بأسرع وقت ممكن”. كما يشير إلى سحب تصاريح الدخول إلى إسرائيل من 164 قريباً عائلياً من مجموعة “عرين الأسود”، بحسب منسّق أعمال الحكومة في الضفة”.

وضمن تساؤلاته يشير ديكل إلى أن هناك في إسرائيل مَن يرى أن الوقت حان لحملة “سور واقٍ جديدة لكن السؤال: ماذا سيكون الهدف من هكذا حملة، إن لم يكن لإسرائيل أيّ هدف سياسي تساعد الحملة على تحقيقه؟ ما معنى دعم فكرة “الدولتين” التي تحدث عنها رئيس الحكومة يائير لبيد فوق منصة الأمم المتحدة، من دون أعمال تعكس هذه المقولة؟ ويرى ديكل أنه لا يمكن إخضاع الطموحات الأثنية والدينية والقومية بقوة الذراع فقط ويضيف “حتى الآن، الإنجاز الوحيد لإسرائيل هو عدم وجود الدافع لدى المجتمع الفلسطيني بالتجند لمواجهة شعبية “عنيفة”، متوترة، وواسعة. الجمهور الفلسطيني تعب من قيادة السلطة ويئس منها، وحتى لو ما زال يرى أهمية وإنجازاً وطنياً في وجود السلطة ومؤسساتها بحد ذاته، لكنه يريد التغيير الحقيقي في قيادتها وطريقة عملها”.

إشارة للاحتلال

وبرأي ديكل فإن “عرين الأسود” هي إشارة إضافية إلى إسرائيل بأنها لن تستطيع “احتواء” المناطق الفلسطينية إلى الأبد، ومرحلة إضافية في مسار ضعف السلطة الفلسطينية في يوم ما بعد عباس. وحسب ديكل أيضا هناك عدة سيناريوهات يمكن أن تنمو في الوضع الحالي: 1- مبادرة من الأسفل تحصل على تأييد الجمهور الفلسطيني لتغيير القيادة وقواعد اللعبة الحالية؛ 2- سيطرة “حماس” على التنظيم وتعزيز “الإرهاب” والفوضى في الضفة الغربية؛ 3- ضغوط دولية على إسرائيل من أجل السماح بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية للسلطة الفلسطينية، كطريق وحيدة للحفاظ على السلطة.

ويعتقد أيضا هو الآخر على غرار باحثين إسرائيليين آخرين أن حملة عسكرية من نوع “السور الواقي” ستسرع مسار ضعف السلطة الفلسطينية، وتحولها إلى عنوان غير صالح لترتيبات سياسية، يضر بالغطاء الذي تنشط من خلاله أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، ويؤدي إلى نمو مجموعات شبابية فلسطينية مستعدة للتضحية بنفسها في الصراع مع إسرائيل، ومن شأنه أن يؤدي إلى أحد السيناريوهات التي تم ذكرها سابقاً.

وضمن تحفظه من شن حملة عسكرية واسعة داخل الضفة الغربية يخلص ديكل للتساؤل: هل إسرائيل – الجمهور والقيادة، ومن دون علاقة بالانتماء الحزبي- جاهزة لذلك، أو تعبّر عن رأيها في ذلك؟

من جهتها ترى المحللة في صحيفة “يسرايل هيوم” العبرية دانا بن شيمعون أن نشاطات جماعة عرين الأسود وإن كان يتركز في منطقة نابلس إلا أن إشارات أولية على اتساع التأييد للتنظيم تبدأ بالظهور في أماكن أخرى.

وعلى حد قول مصادر فلسطينية لا يجري الحديث في هذه المرحلة عن إقامة خلايا وظهور مقاتلين حسب نمط عرين الأسود في نابلس، بل تأييد معنوي من بعيد وإعراب عن التضامن مع فكرة “التمرد” لأعضاء التنظيم.

وتخلص بن شيمعون للقول إن أعضاء “عرين الأسود” عادوا وادعوا في الأيام الأخيرة بأنهم لا ينتمون لأي تنظيم فلسطيني منوهة إلى أن الإيضاح جاء في أعقاب ادعاءات سمعت في إسرائيل في أن التنظيم يعمل بتشجيع من حماس ومدعوم منها.

وتضيف “في قيادة السلطة الفلسطينية قلق كبير من وجودهم وقوتهم المتعاظمة. قبل أيام رفضوا عرض السلطة الفلسطينية وضع أسلحتهم والانخراط في أجهزة الأمن الفلسطينية. كما نفوا التقارير في نابلس تقول بأن بعض رجال التنظيم سلموا أنفسهم للسلطة الفلسطينية وقالوا إن هذه إشاعات مغرضة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية