بيروت- «القدس العربي»: شبابيك تفتح على حكايات قهر يكسرها الطموح والبحث عن الوطن. أربعة من المسرحيين الفلسطينيين في لبنان استعادوا تجارب حياتهم من الطفولة إلى النضوج.
«منمنمات فلسطينية» عنوان اللقاء، نظمته مؤسسة فنون المسرح العربي ـ فضاء في دار النمر ـ بيروت. لقاء شكّل مناسبة للوقوف على صلة هؤلاء الفنانين بوطنهم، الذي يعرفونه من روايات الجدّات والأجداد.
تزامن إعتلاء الممثلة والسيدة المتعددة المواهب وفيقة لوباني المسرح مع اطلاقها لزغرودة فلسطينية، ثمّ بطاقة تعريف شخصية: من سعسع قضاء صفد. ولدت في نهر البارد، وأعيش في مخيم برج البراجنة.
وفيقة لوباني، المتميزة بروح مرحة، وابتسامة عفوية جميلة تنتمي لعائلة من 11 ولداً وبنتاً. حشريتها للتعلُّم جعلتها تتقن التطريز، وهي في الثامنة. فطرّزت لمساعدة عائلتها. مشغل التطريز يشغل المبنى نفسه لحضانة أطفال.. «تغيب معلمة أحل مكانها فأتقنت التعليم». حكاية تعلُّم جديدة ودورة حكاوتية.. وصارت تحضر أمام الجمهور كحكواتية. لكنها لم تحلم يوماً بأن تسافر في عرض مسرحي إلى الدانمارك، لكنه صار حدثاً فعلياً. تقول لوباني: تزامن السفر مع العدوان على غزّة. وهكذا باتت الإقامة في الدانمارك تجمع بين العرض المسرحي ليلاً، والمظاهرات المناصرة لغزّة نهاراً. المسرح يمنح الإنسان حرية ويجعله واثق الخطوات.
من حياته في مخيم برج البراجنة استخلص المخرج فادي دباجة حكاية شديدة الجاذبية. تنحدر عائلته من الكابري شمال عكا. في الحكاية: «من المعروف أن طرقات المخيمات عبارة عن زواريب صغيرة بالكاد تتسع لإثنين يقطعانها معاً. شبابيك المنازل المصنوعة من الحديد غالباً ما يفتحها أهلها دون انتباه للمارة. ولهذا تتكرر حوادث الصدم على الرؤوس، وتنتهي باعتذار و»عاملين قهوة تفضل «.
تقصّد فادي دباجة أن يرابط عند شبّاك النجدة في المخيم، منتظراً أن يصيبه بين لحظة وأخرى. ووقع المنتظر. فاستغله طالباً الدخول والمشاركة في النشاط. يروي فادي دباجة أن حسن ضاهر، مؤسس فرقة «السنابل» كان يُدرب الممثلين على مسرحية «البيضة الذهبية». وبات له دور. في العروض وكلما جاء دوره يبادله الجمهور بالضحك. اكتشف السبب وبطُل العجب: ماما «جاجي» كان يقول بدل ماما «دجاجي» باللبناني.
المسرح بالنسبة لفادي دباجة «قضية وليس ترفيهاً». ويقول: «يجب فتح الشباك على المخيم لإظهار القهر الذي يعيشه الفلسطيني». وروى اخراجه لفيلم «التربة» حيث يدفن الفلسطينيون موتاهم في مخيم برج البراجنة. «تربة» يقصدها الناس للتمتع بشجرها وأزهارها ومساحتها. وكل هذا يفتقده المخيم. فيلم «التربة» عُرض في مهرجان غزة السينمائي الدولي ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة. كما عُرض في حيفا.
من المخرجة والممثلة ميرا صيداوي استمع الحضور إلى حكاية قهر آخر سببه اللجوء. قهر غلبه طموحها وإصرارها بأن تكون فنانة، وليس فدائية تنفّذ عملية ضد العدو، والتي راودتها طويلا. إلى قرية الشيخ دنون في عكا تنتمي عائلتها. حكت عن طفولتها التي لفّها الفقر في منزل من تنك في بشامون. وعن إحساسها العميق بافتقادها لوطن. وهذا ما زاد من اصرارها لتحقيق طموحها. فكانت وجهتتها معهد الفنون في الجامعة اللبنانية حيث فازت بالمرتبة الأولى في امتحان الدخول. كتبت رسالة التخرّج عن فريدا كالو. وتخرّجت لكنها لم تجد فلسطين التي كانت تبحث عنها حتى الآن.
توقفت ميرا صيداوي عند الأدوار التي تُدعى لإجراء اختبار لها. «مطلوب سمرا، شعرها كورلي وبتحكي فلسطيني». وخلُصت مؤكدة حريتها بالإختيار في المنفى واللجوء.
المخرج عوض عوض كان مسك الختام بعد أن أدى دور العريف عن نفسه وزملائه. ينتمي لقرية سمارية في الجليل الأعلى. بعد أن قلّد لفظ أهلها الخاص جداً لإسم بلدتهم وللكبة بالصينية. قال إن بلدته حلُم سيراه قريباً حقيقة منجزة. روى تجربته مع الأمن العام اللبناني حين قدّم مسرحية تناولت شأناً لبنانياً. وعندما استدعاه الأمن العام للمثول وصفه ب»المخرج الفلسطيني». وهذا اعتراف افرحه، وكان يبحث عنه. فهو لا يحق له الإنتساب لنقابة، ولا توضع مهنته على بطاقة الهوية التي يحملها. وحكى عوض عوض عن والدته التي كانت تضربه لترغمه على قول «أي وليس أه». فوالدته ذات الجذور اللبنانية كانت تنشد «الإندماج والقبول».وتساءل عوض لماذا المخرج الفلسطيني يحصر عمله بفلسطين؟ الجواب أنها كوطن محتل تشغل حيزاً واسعاً من نشرات الأخبار. ووجد في ما تناقلته وسائل الإعلام من غزّة مسرحاً للكوميديا السوداء والتراجيديا، وحتى الوجودية التي تجلّت مع سؤال طفلة لطبيبها «دكتور يعني راح أضل عايشة؟».