منهجيات في قراءة التاريخ

إذا كان جاك لوغوف قد دعا إلى تحويل التمثيلات التاريخية بالحوليات والإخباريات إلى ما سماه (التاريخ الجديد) ؛ فإن هايدن وايت خالفه بأن التاريخ في هذه التمثيلات يفتقر إلى المكون السردي التام، وطبَّق نظريته هذه على كتاب «حوليات القديس غال» واجدا في جمله التاريخية، تفككا وخلوا من التحبيك الذي فيه تتحقق العلاقات التي تجعل الأحداث متصفة بالترابط، متوصلا إلى أن الحوليات لا خلاصة لها لأنها ببساطة تنتهي بمتن هو (مات الإمبراطور هنري وخلفه في الحكم ابنه هنري).
ولعل الذي أوحى لهايدن رؤيته التاريخية هذه، مثال فورستر (مات الملك ثم ماتت الملكة) كمتن حكائي لا يرتفع إلى درجة المبنى الحكائي؛ إلا بالسببية أي (مات الملك ثم ماتت الملكة حزنا عليه) وهذا هو ما يتحقق في كتابة التاريخ؛ فالمؤرخون لا يريدون لعملهم أن يكون مفككا بفجوات وانقطاعات، لذا لا تغيب الروابط السببية عنهم وهم ينسجون الأحداث مرتبين لها ترتيبا يرتفع بالتمثيل التاريخي للوقائع من العمل الحولي إلى العمل القصصي، وإلا فإن الحادثة التاريخية التي تُروى من دون تحبيك سردي هي مجرد محتوى لا ترابط شكليا فيه، وهو ما يمثل عليه وايت بحملات تشارلز ضد الساكسونيين.
إن الذي يدحض منهجية رؤية التاريخ كحوليات هو النظام السببي، الذي يتحقق بالتحبيك السردي، وصحيح أن في هذا تدخلا إبداعيا في ما هو وقائعي كان قد حدث، لكنه مهم في توصيل القصدية التي تجعل النتائج بمسبباتها. وما دامت السببية حاضرة فهذا يعني أن هناك نتيجة. بهذا تكون نظرة وايت للتاريخ نظرة محايثة تفترض السرد مهما في تسجيل الأحداث التي تُقدم بوصفها المحتوى الشكلي للخطاب التاريخي. وهذا ما يجعل كل حدث تاريخي بحسب وايت (قابلا لسردين على الأقل للحدوتة)، وهو لا يريد بذلك نظرية أو منهجا، وإنما يريد شكلا في الخطاب يمكن أن يستخدم في تمثيل الأحداث التاريخية. ولما كان السرد هو الشكل؛ فإن القصة التاريخية هي التمثيل الشكلي لمحتوى أحداث وقعت، من خلال المحاكاة المحتملة التنقيحية، وليست المحاكاة طبق الأصل الفعلية، محكية على لسان راو هو غير المؤرخ، والنتيجة أن القصة التي تتم روايتها في السرد هي محاكاة للقصة المعيشة في منطقة ما من الواقع التاريخي. وهذا هو الفرق بين النظرية التاريخية التقليدية والنظرية التاريخية المعاصرة، فالأولى تقول بأن المؤرخ يروي ما حدث فعلا، وهذا ما يسميه هايدن وايت (النمط الأطروحي في الخطاب التاريخي) ويرفضه لأنه يتناسى السرد الذي به يتشكل هذا الخطاب، ممثلا بمقولة بنديتو كوتشه «حيث لا يوجد سرد لا يوجد تاريخ».
وطرح في كتابه «مدارات الخطاب مقالات في النقد الثقافي» ـ الذي نأمل أن يترجم إلى اللغة العربية ـ مصطلح Tropology والتربولوجي هو علم مدارات الكلام، واجدا أن منظري التاريخ متفقون على أن الكتابة التاريخية بعامة تحتوي على عنصر التفسير، الذي يجعلها غير قابلة للاختزال وغير قابلة للاسترداد، متأثرا بمارتن هايدجر ومصطلحه (المعاودة petition ) فلا يكون الحبك السردي إقحاما، وإنما هو تطوير وسيرورة لا تخلو من ميتافيزيقية سردية. وتغدو مسألة السرد عبارة عن شكل المحتوى للخطاب التاريخي، وهذا هو التميز الذي جاءت به نظرية هايدن وايت، مغيرة ما كان معتادا عند أغلب مؤرخي القرن التاسع عشر حول الخطاب التاريخي وارتباطه بالأيديولوجيا، ومنهم هيغل الذي اهتم بالتاريخ السياسي، وتلاقي الخاصية التاريخية بالنظام الاجتماعي، كما في كتابه (محاضرات حول فلسفة التاريخ).

من سمات التاريخ السياسي أنه موجه فكريا بإطار فني، غايته تقليص المسافة بين الواقع والخيال، وجعل الواقعي هو الغالب تدعيما لبطولة إنسانية، أو توكيدا لفعل ملحمي يصعد فيه الواقع تصعيدا دراماتيكيا.

ومن سمات التاريخ السياسي أنه موجه فكريا بإطار فني، غايته تقليص المسافة بين الواقع والخيال، وجعل الواقعي هو الغالب تدعيما لبطولة إنسانية، أو توكيدا لفعل ملحمي يصعد فيه الواقع تصعيدا دراماتيكيا. وكأن كل ما في التاريخ هو حقيقي، وأن ما دون ذلك لا يطاله شك، لأنه وقع وانتهى وصار ماضيا، وهو ما ترفضه نظرية التاريخ الهايدنية، التي ترى التاريخ ليس ما وقع ماضيا، بل ما هو واقع في ماض مستمر في الحاضر، ومتجه إلى المستقبل، فنصوص التاريخ المدون لم تقل كل ما مضى، إذ ما زال هناك مغيب ومسكوت عنه كثير في بطون التاريخ.
ومن الوقائع التاريخية التي عالجها هايدن وايت معالجة سردية، المحرقة اليهودية الهولوكوست، وتساءل: هل إن حدوث هذه المحرقة كان أمرا طبيعيا؟ أم هي مسألة رأي وحسب، وأن بوسع المرء كتابة تاريخها بأي طريقة يشاء؟ واستعرض وجهات نظر بعض الباحثين اليهود مثل نيدال ناكيه، مجيبا عن أسئلة من قبيل: هل إن الهولوكوست حدثت فعلا؟ هل هي أبحاث تاريخية أو أيديولوجية بثها الإسرائيليون بتأويلات مختلفة، وقد يغير تأويل واحد بعمق حقيقة المحرقة وآخر لا يفعل ذلك؟ مبينا أن الذي يرافق التنوع في وجهات النظر هو الاحتدام التراجيدي، الذي يضفي على تراجيديا الواقعة مزيدا من الاشتداد والاحتراب، حيث يريد كل منظور أن يثبت صدق الأحدوثة التمثيلية، التي تتضمن فعلا وزمانا ومكانا وليست مجرد أمثولة إخبارية.
والفرق كبير بين التمثيل والإخبار، فالتمثيل يحاول أن يجعل رؤية العالم تصويرية (يصور لنا ما حدث محكيا) بينما يحاول الإخبار أن يجعل رؤية العالم حقيقية (ينقل لنا ما حدث فعلا). ويترتب على هذا التفريق أن التمثيل يجعل الفعل محتمل الوقوع، ومن ثم لا يقبل الفعل التصديق ولا التكذيب. في حين يجعل الإخبار الفعل متحققا، ومن ثم قد يكون قابلا التصديق كما يكون قابلا التكذيب. ومن هنا تصبح معرفة موقع المؤرخ في السرد مهمة، لأنها توصلنا الى معرفة الكيفية العقلية التي كُتب بها التاريخ، كما تضعنا في الصورة التي بها فُهم خطابه الفكري. يقول هايدن وايت: «إذا كنت ستذهب إلى التاريخ فينبغي أن تكون لديك فكرة واضحة عن أي تاريخ تريد أن تذهب إليه، وينبغي أن تكون لديك فكرة جيدة، عما إذا كنت مستعدا لاستضافة القيم التي تحملها إليه»( كتابه «محتوى الشكل»). وكان بول ريكور قد أكد استحالة نقل التاريخ لما قد وقع بالفعل، بالاستناد إلى الزمانية والميتافيزيقية السردية. ولا يرى وايت غرابة في عدم شعور المؤرخين السرديين بأي حرج حيال التشابه بين القصص التي يرونها، وتلك التي يرويها كتاب التخييل. والسبب تعالق السردي بالتاريخي، وهو ما يجعل التوثيق مندمجًا في التخييل. إن ذلك كله يتحقق عند المؤرخ الذي يتبنى منظورات تتفاوت، أو تتقاطع أو تتناظر، أو تتوافق بإزاء مروي من مرويات التاريخ، رافضا الثبات عند منظور واحد يلتزم به في تدوين الوقائع التاريخية، انطلاقا من مقصدية جعل التاريخ، موزعا في تواريخ، حيث لكل تاريخ منظوره الكتابي.
ومن المعروف أن تناول الحدث التاريخي من منظورات متعددة، يتطلب استعمال تقانات معينة من قبيل التغريب والحلم والقرين والمفارقة والفانتازيا والديالوغ والمونولوج، فضلا عما يقتضيه ذلك كله من تغير في وظائف الساردين وأنواعهم.

٭ كاتبة وأكاديمية عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية