تمر الأيام والشهور والسنين ونحن نعيش في هذا الزمان فتناً ومتغيرات كثيرة وخطيرة، تعصف بنا كما تعصف الريح بالورق اليابس عن الشجر، فتن تتبدل فيها أحوال الناس وتتغير فيها النفوس، وتضيق بها الصدور، تمر على العباد كالليل المظلم، وقد اخبرنا بها رسولنا – صلى الله عليه وسلم – الفتنة وعمومها وشدة خطرها، فقال عليه الصلاة والسلام : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا). وقال عليه الصلاة والسلام: ( ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به)، وهذه بعض الأدلة التي تدل على كثرة الفتن، وأنه لا يكاد يسلم منها أحد، وهذا يفيد أن المسلم بحاجة إلى الثبات على الدين، والحرص على القيم الإسلامية والفطرة السليمة، والتصدي لهذه الفتن، والثبات يحتاجه حتى الأنبياء والرسل، قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) سورة الإسراء (73+74)، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يكثر القول في سجوده: (اللهم مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك)، لذلك كان النبي – صلى الله عليه وسلم يكثر الطلب ويدعو الله تعالى في سجوده بالثبات، فالناس أولى وأحرى إلى ذلك. ومن أهم أسباب الثبات على الدين، أن يتمسك المسلم بالكتاب والسنة، فهم حزام الأمان من الضلال بعد الهدى، فهم الأصل وأساس الخير، فمن اعتصم بهما فقد هدي، ومن استمسك بهما فقد فاز وأفلح، وقد ضمن الله – تعالى – لمن تمسك بهما أنه لا يضل ولا يشقى، قال تعالى : (…فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) سورة طه (123..126)، وقد لخص الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى- حقيقة الاعتصام بالقرآن العظيم بقوله : ( وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علماً وعملاً، وإخلاصاً واستعانةً، ومتابعةً، واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة ، وقد أجمع المسلمون أنه لا مخرج للعبد من الفتن المتلاحقة والبلايا المتعاقبة إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، وأجمعوا على أن من أهم أسباب حلول الفتن مخالفة الكتاب والسنة، كما قال تعالى: (…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة النور 63 . وختاماً.. فإن الواجب على المسلمين الإقبال على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قراءةً وحفظاً وتعلماً وتدبراً وتعليماً والتحاكم إليهما، ونبذ جميع الأعراف والتقاليد والعادات والأنظمة المخالفة لهما وتقديمهما على كل شيء، وجعلهما حكماً عند التنازع والاختلاف، فلا نقدم عليهما رأياً ولا نظاماً ولا سياسة ولا عقلاً ولا شهوةً ولا مذهباً، ولا أي شيء، كما قال تعالى : (…فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) سورة النساء 59، ويجب على طائفة – بقدر الكفاية – من علماء المسلمين وطلاب العلم المتمكنين ببذل الأوقات واستخدام شتى الوسائل في بث أخبار اليقين بنصر الدين، والاهتمام ببناء النفوس، وتربيتها التربية الإيمانية، لمواجهة المرحلة المستقبلية لهذه الأمة، والحرص التام على نشر الكلمة والبيان بالحكمة البالغة والحجة الدامغة لكتم الأفواه التي تنادي إلى نبذ الكتاب والسنة، والإقبال على هدي الغرب الكافر والسير وراؤهم، وهل هؤلاء المنادين الناعقين إلا دعاة للفتنة على أبواب جهنم؟! أيمن هشام محمود عزريل [email protected]