من العنوان تأخذك الشاعرة منى العاصي إلى ما قبل تداعياتها.. تدهشك بتراكيبها اللغوية ومجازاتها المغايرة لتوقعاتك أو هواجسك.. تسحرك بغرائبيتها، التي قد تبدع بتراكيبها اللغوية حالات من السريالية، لكنها تبدد بحثك عن الحكاية وتشتت أو تعدد رؤياك.. فتغدو القصيدة «وهلة»، أو عدة وهلات حزينة يائسة تارة، ومفعمة بأمل الأسئلة تارة أخرى.. تنفلت المفردات من بيئتها لكنها تشكل جملا شعرية تبدو كقصيدة بحد ذاتها، تشي بانتقائية من يلتقطها.. فهل تحقق منى العاصي خصوصيتها في ديوان «تمرين على النباح»؟ أم تثير أسئلة طازجة بغموضها المدهش ومجازاتها المغايرة؟
ما قبل العنوان
اللافت في عنوان هذا الديوان أن العاصي تضع عتبة قبله، ولا تأبه أكانت عتبة نقدية أم لا، بل تأخذنا في مجازاتها إلى أسئلة مغايرة: هل نحن ما زلنا نتدرب على «النباح»؟ وأيننا من عواء الذئاب إذن؟ وهل ينحصر التداعي بين النباح والعواء؟ بالتأكيد لا بد من التساؤل بين سطور القصائد عن رمزية المفردة في العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية، وتسللها بين طيات القصائد: (وأن أبواباً مواربة تنشد/ للوداع/ وأحياناً/ للنباح) ويبدو أن التداعي لا يتوقف على المفارقات اللغوية، بل ينفلت ليوّلد عناوين جديدة، وبمجازات مغايرة أيضاً، كما في «مقام الناب» قصيدة بداية الديوان: (النصوص عيال الخراب/ والشعر استغفار القلوب المثقوبة). ومن ثم تتابع الحالة ولكن بانزياحات جديدة، كعنوان «مقام النباح» والسطر الذي يليه: (وإنّا بماء الحزن نتماسك).
وليس بالضرورة عند الشاعرة أن يرتبط العنوان بحبكة ما أو برؤيا ما للقصيدة، فثمة عناوين رقيقة ومرهفة، نجد فيها ألفاظا قاسية، وثمة عناوين بعيدة عن الحالة، ولكن فيها إشارات لأصحاب النباح والعواء، كما في «سجادة لحبق الأربعين» التي تصير فيها خليلة الذئب، والصحابُ مجاز: (لو أنّ لي جسداً/ يؤجل حروبه عليّ/ أو/ لي أتباعاً/ يتركون على علاّقة الصباح عواءً/ يلملمون ما يُأكل من كتفي/ لقلت:/ أنا خليلة الذئب/ والصحابُ مجازٌ).
والمفارقة اللافتة أن القصيدة التي يشكل معها الديوان تناصاً لعنوانه، لا يحبك عنوانها «تمرين على النباح» أي خيوط مع رؤيتها، ولا يرتبط بمفردة أو بإشارة حتى مع ما بين سطور القصيدة.. وكأن على القارئ أن ينبش دلالات المفردات، أو تأويلات الجمل، ليصل إلى ما قبل العنوان أو ما بعده: (ستبدأ حفلة الركض/ تمتمت بما لا أعني وعبرت باب العداوة/ يحرسه صاحب البناء/ عرف الله فصرت عدوته/ بدأت حفلة الركض/ فاستنجدت بالبيرة/ وبحشيش الأفغان/ وربطت خيط قلبي بخيمة/ على حدود البلاد/ ليت البلاد بلاد، يقول سانغو الغاني/ وتسيل من عينيه سفن الأجداد/ أسمعني حكاياته فبكيت/ ولعنت الأبيض والأسود/ وما بينهما/ وشتمت الدول الخمس/ والأشياء التي يسبقني قلبي إليها/ ولا تحدث).
ربما على القارئ أن يفكك استعارات ومجازات مفردات وتراكيب هذه القصيدة، فيعود بالركض عبر الحدود إلى مآسي اللجوء والتشرد وبعثرة الأمنيات.. ولا يكون كل هذا مجرد تمرين على النباح، بل تشكل القصائد أو المقاطع الأخرى في الديوان حالة خاصة، قد تكون مفصلية في حياة الشاعرة، أو جزءاً من سيرة المنافي ومسير اللاجئين، الموزعة على عدة قصائد كما في «هواء مالح» وفي قصيدة «كما لا يشاء»:
(أتذكر أصدقائي/ كفزع المنجل من رفة قشة/ أولئك الذين رعوا دربي/ كعواء الذئاب/ الذين رافقوني/ حد الحافة/ ليدفعوني/ ها أنا أهدل جفن الخطب/ تمجيداً للغاية).
ولا يمكن حصر العلاقة بين عناوين الشاعرة وقصائدها بعناوين محددة، فثمة قصائد تحقق العاصي فيها تميزاً لافتاً لتلك العلاقة، كما في قصيدة، «رجل يابس»، وثمة قصائد بعد العنوان أو قبل عنوان آخر، كما في «أربي بحيرة لأغرق فيه»، وأخرى رائعة تتجاوز عنوانها، كما في قصيدة «وحدة بكعب عال»، وثمة قصائد بلغة جزلة وعالية جداً، كما في «أنخاب للهزيمة» لكنها غامضة بتراكيبها ورؤيتها.
مفردات وتراكيب
قد يساهم تكرار بعض المفردات والتراكيب في وضع القارئ في الأجواء العامة للشاعر، وفي مشهدية أمكنته التي يعيش فيها أو يزورها أو يصنعها.. وقد يشي التكرار المولّد لدلالات جديدة بأن الشاعر يبحث عن خصوصيته أكانت هويته أم لغته.. فثمة جمل أو تراكيب تتكرر في الديوان، كما في قصيدة «ذو النون» وقصيدة «أخوة اللحم»، وثمة مفردات تتكرر بين قصائد وسطور الديوان، كالحبق والنافذة والعتمة والظلال والجثة والشرفة.. ومفردات تتكرر في العناوين وداخل القصائد، كتمرين والمقام والعتمة: «ظهر للعتمة.. وإن اعتمت.. وأبواب العتمة..»، لكن هذا التكرار يفتح غالباً أبواباً جديدة للدلالات، ويمنح المفردة بتراكيبها معاني مفتوحة على التأويل، كما في مفردة «أربعين» مثلاً: أربعون حرباً وجسد واحد.. سجاد لحبق الأربعين.. لك أربعين باباً».
في «التمرين على النباح» يتتالى تمرين كسر المسلمات، ليست الآتية بالمعنى أو تأويلاته وحسب، وإنما إعادة لدلالات تلك المسلمات باستعارات ومجازات متجددة، ويتجلى ذلك في بحث الشاعرة عن خصوصيتها بفانتازيتها اللغوية – إذا صح التعبير – مشكّلة مشهديات وتصورات تنحو نحو السريالية أحياناً، وتشدها خيوط متداخلة لإعادتها إلى رؤيا القصيدة، أحياناً أخرى.. «يكتب طعامه بزيت البلاد/ ويأكل نصوصه نيئة»، «تذكر جارته أن أمه الحبلى/ ابتلعت رغباتها/ فجاء موته مبقّعاً». وفي قصيدة «سبب النار» ثمة لغة ساحرة وجزلة، جمل واضحة وأخرى غامضة تصيغ بتراكيبها مشهداً سريالياً، قد تأخذه التأويلات إلى أبعاد خاصة، وقد تتباين حوله رؤية الرؤيا:
(رغوة الماء حين يشرق صوتك/ ضجر المرايا من معطفك/ ضلال يدي/ إذ تناولني مفاتيح الغياب/ الأشياء ساحرة في بيتك/ تتحرك بلا أقدام/ كأنها تأويل خطاك/ وحدك/ تقف هناك على شرفة جثتك/ تسقي نبتة/ وتبكي من الحب). وثمة قصائد تأخذنا فيها اللغة بمجازاتها الخاصة إلى انزياحات متباينة، فتتداخل أو تتبدد أو تتعد الرؤيا/الحكاية في القصيدة الواحدة، كما في قصيدة «ذو النون»: (لو أن لي من الطين إخوة/ لصار دمي أساً/ أو لي من البنات حصى/ لبنيت شواهد/ لملح أمي). وتتنقل بين أجواء ومناخات متباينة في القصيدة نفسها، ولا يساعدها الحرف «لو» على استدراك الانتقالات المغايرة: (لك أربعين باباً/ ويد من الغبار/ خلف ركام اسمي/ تصلي المدينة لخطوة بنصف نعل/ الحرس يبتعد/ وعزلة تؤوب/ لقلب مكشوف كمسافة/ ولفتة تأخذني إلى شرفة من كثافة الفراغ لا أراها/ مغنون/ يجدلون أصواتهم/ ليصعد إليّ كل ما أخافه/ غيابه/ وأسماء بلا حاشية).
ومع جنوح العاصي نحو الغموض المربك والمدهش، إلا أن «الحكاية» تغدو في بعض القصائد بصيغ شعرية لافتة وتحقق رؤيا خلاقة، كما في «وجع مستعار»: (نثرت بذور الخراب في قبو أبي/ ورفعت طرف ثوبي مرة/ فأنجبت عشر نساء/ من ضلعي/ جهلت الظلال كلها/ فاستعنت بأمي/ كي لا تتوه الجهات/ لي تسعة من الأبواب قالت/ وما كنت بينا لأمسح غبار المفاتيح/ كنت أغادر اسمي ببلاغة النحاة/ أسمع صوت خطوات/ فوق جسدي/ كأني دليل المرارة ونشيدها). ومن الممتع والمبدع عند العاصي، إعادة صياغتها للمسلمات في إعادة تعريفها لبعض المفردات، كالوقت والغفلة والصمت، ونرى ذلك في قصيدة «ما لا يزال ينعتق»، وكذلك في تناولها «أو حكيها» عن اليوميات والجيران وبعض الشخصيات بلغة ساحرة ورشيقة وجذابة، كما في قصيدة «إلى كمال سبتي» وفي «مروّض الرسائل» و»بهية» و»سارة».. وفي القصيدة الجميلة «عامل نظافة»:
(في الخامسة صباحاً يشق ستار الفجر/ يرتدي تعبه/ويكفكف ما تدلى من أصابع/ يزين قبعته بوردة من خراب الذاكرة/ وبلا خطى يقطع الطريق/ يلوك حجار الرصيف بمكنسته/ موقظاً بقاياها المدينة النائمة/ يجمع أعقاب السجائر/ والنبيذ المراق من سكرة هائم/ يكوم القبل المذروفة من شفاه الأمس/يخرّمها ويعلقها في الذاكرة المترعة باليأس).
المرأة/الشاعرة
منى الشاعرة، ومنى الشاعرة/ المرأة، ومنى المرأة، ثلاث نساء يتقاسمن المقامات الثلاثة، والهم والوحشة والفرح واليأس والحزن، والذكريات والأمنيات.. ووجع المنافي والندم.. وتتمظهر هذه العلاقة الإشكالية والجميلة في آن بين قصائد الديوان.. (كنت أغادر اسمي ببلاغة النحاة/ أسمع صوت خطوات/ فوق جسدي/ كأني دليل المرارة ونشيدها/ كأنني منى العاصي). منى المرأة الأم والابنة والصديقة المحبة.. تبدو في الديوان كأنها خرجت من كل حياتها وخيباتها بابنة وحيدة، تحتفي بها من غلاف الديوان الذي رسمته نايا علاء البديري، إلى الإهداء: «إلى غزالتي نايا».. ومن ثم إهدائها القصائد كقصيدة «عرق بلدي»، وتسللها في ثنايا القصائد (لا أحد يعرف من لديه فم ليغلقه/ فنحن سكان الطابق كلنا عيون/ وأبواب شققنا / حدقات/ أوصدي الباب على أصابع نباحها يا أمي/ أنا خائفة/ لا تخافي يا نايا/ هي الجارة/ تكسّر خشب وحدتها).
وتحكي العاصي المرأة عن الأمومة والطفولة، وعن والدها وإخوتها ومراحل من حياتها، وغربتها وسفرها ومنفاها، وتتقاسم مع منى المرأة/الشاعرة، ومنى الشاعرة، القصائد الوجودية الجوانية والحنين واليأس والأسئلة.. وإن بدت المرأة المهزومة غالباً، لكنها لم تكن أبداً المرأة المنكسرة.. وتحكي منى المرأة عن وحدتها بأكثر من قصيدة، وعن الحب والعلاقة مع الرجل، ولكنها لا تنحو نحو الغزل الساذج، أو الجسد وإغراءاته السخيفة، بل ترتقي بالعلاقة واللغة معاً، كما في «لو» و»عشب تحت خطاهم» و»لعله الحب» و»خيط»، وغيرها من القصائد: (أختفي بين يديك،/ ويفوتني فجر وصبح/ أناديك/ ولو أخرتك/ سجاجيد الحبق/ لو مرة، في كل هذا الغياب/ تأخذني أسيرة/ ويدنو/ مثل صوت الناي/ عمري/ وأموت خلسة).
منى المرأة/ الشاعرة: (أربعون حرباً وجسد واحد/ يكثر العابرون وتقل الخطى/ تشد على أصابعي رجفة/ وشيب يجوب المسافة). ثمة علاقة حميمية ودافئة مع الأصدقاء، ثمة إخلاص في إعادة الذكريات وتبادل المودة، وثمة رقي في تعاملها مع الجيران وساعي البريد وعامل النظافة.. وحيادية ومحبة في تدوينها ليومياتها، ونلاحظ جمالية ذلك في قصيدة «مروّض الرسائل»: (اسمه الإريتري/ يبري ضلع الغابة بفمه/ ويرتعش كالحزن/ يخاف من سيرة البحر/ والرغيف/ ويحلم بحقل نساء/ لكن الأمنيات تتبخر من شفتيه دخاناً يشبه جنية/ يقبلها ثم يكتب/ وينادي أشجار الشارع بأسماء أطفاله/ ثم يعزف موسيقى سوداء/ لامرأة عاقر).
منى المرأة الشاعرة اللاجئة المعانية المتأملة والحالمة.. المهزومة ولكن ليست المنكسرة.. كلما أخذتها سريالية لغتها إلى عالمها، تعيدها اليوميات إلى حميمية الأصدقاء ورسائل المغتربين.. وكلما أخذتها المجازات إلى فضاءات رحبة وتأويلات غريبة، تعيدها «نايا» إلى أمها: (لو أن لي ظناً بعشر أصابع/يتبع أثر أمي على سرّتي/ لتصدق «نايا» أن لي أماً/ نسيت حليبها ناشفًا على رداء الحنين).
منى الشاعرة: (سميت نفسي شاعرة/ فنزعوا اسمائي كلها/ وخانني الحي والميت) توزع الشاعرة قصائد ديوانها على ثلاثة مقامات، تبدأها بمقام الناب «النصوص عيال الخراب/ والشعر استغفار القلوب المثقوبة»، ويليه مقام النباح «وإنّا بماء الحزن نتماسك» ومن ثم مقام الندم «تلك هي حياتي/ لم تكن سوى كرسي وحيد/ على شرفة جثتي». هذه المقامات والسطور التي تليها، تحاول أن تضع إطاراً لقصائدها وانطباعات عن رؤياها، لكن قلما نجد مناخات مختلفة بين الثلاثة أقسام، أو لغة متباينة أو موضوعات وأغراض خاصة، قد تكون مراحل زمنية من حياة الشاعرة، أو تركيز على جانب ما من نفسيتها أو حالاتها الشعورية.. ففي مقام الناب نلاحظ تعدد القصائد التي فيها استعادات لبعض الأصدقاء، وفي مقام النباح تتطرق القصائد لعلاقة المرأة بالرجل، وحميمية الذكريات، وقصائد عن الأخوة والأهل والطريق إلى المنفى.. وفي المقام الأخير، مقام الندم، تحكي القصائد عن المنفى، والعلاقة مع الجيران، واليوميات.. وتغلب القصائد الطويلة على قصائد المقام الأول، وتتعدد رؤيا بعضها، لتعود الشاعرة إلى تكثيف قصائدها في المقامين التاليين، وتتنوع القصائد في شكلها وأسلوبها وأغراضها وخواتمها (أريد أن لا أقع على رخام صمتك/ وأتكسر/ مثل مزهرية اللغة/ في صوتك).
الشاعرة منى كغيرها من شعراء قصيدة النثر، متأثرون بدراية أو دون دراية بمن سبقوهم في بناء شكل القصيدة.. ولا تأبه كغيرها لتسطير قصائدها، فثمة قصائد يكتفي السطر بمعنى ما، أو تنتهي الجملة بوقفة ما، أو توزع كلمات القصيدة علامات ترقيم ظاهرة أو مخفية، وغيرها من الوقفات كالسؤال والاجابة عليه.. لكن المزاجية هي السائدة في تسطير قصائد هذا الديوان، فقد نرى في السطر حرفاً أو كلمة واحدة، وقد نرى سطوراً كاملة، كما القصة أو المقالة، ويظهر ذلك بوضوح في قصيدة «مياه مشبوهة» مثلاً:
(غادرت عيادة طبيبي، خفيفة كمغفرة
تركت في حوض أسماكه رجالا كانوا يسبحون في دمي
علقت على جدران عيادته الصور المبعثرة في ذاكرتي.
حتى الأسماء، التي كان يلقيها الأصدقاء تحت نافذتي كحبات قمح يابسة، زرعتها له في أصيص نبتته السويسرية المدللة.
اصطاد كل النحل من قميصي ونظف ألوانه المائعة من الحدائق
أنا خفيفة من قصائدي أغرقها في كأس البيرة
ومن أصدقاء كانوا يزدحمون في قلبي بلا أكتاف).
منى العاصي الشاعرة الفلسطينية، لم تذكر فلسطين في كل ديوانها، لكنها تكتب عن النكبة والنكسة والشتات بدموع والدها، وحليب أمها الجاف ومعاناة أخوتها وأصدقائها.. ولم تحك عن حرب بعينها، لكنها كتبت عن تداعياتها، وبقايا أثرها، كما في قصيدة «أصابع ليست للعدّ»: (بعد موت البلاد/ سيبعث الموتى/ لا شقائق نعمان لملوكنا/ ولا نرجس/ لكؤوس المدللات/ سيخرجون زيناً أسود/ تضيء الأمهات به قناديل البصر/ صور الأبناء ستملأ الأرصفة/ وبوجوه حديدية/ هي كل ما تبقى/ من ألغام الحرب/ نبكي).
تنجح الشاعرة منى العاصي في ديوانها بتحديد ملامح من خصوصيتها اللغوية، وتطويعها للكلمة ومعناها، وصياغتها لجمل شعرية ساحرة بدلالات طازجة.. لكن جنوحها نحو لغة تلامس الفنتازيا، يأخذ القارئ إلى حالاتها الوجدانية وتأملاتها تارة، ويبعده تارة أخرى، في حين تأخذه المشاهد السريالية إلى حيز من الغموض، ذلك الغموض المدهش الموحي بإرباك دافئ حميمي وتأويلات خلاّقة، قد يعيد تشكيله القارئ لرؤيا ما، أو يثير أسئلته وتداعياته.. وقد تبحث القصيدة بانتقائية خاصة عن قارئها.. وقد نرى البساطة والغموض في القصيدة الواحدة كما في قصيدة «تعطيل» مثلاً:
(أفكك أعضائي الزائدة عن الليل/ لينام خفيفاً/ كظل/ ساقاي في جرة الملح
ليجف الورد/ على أظافر الوحشة/ يداي على النافذة/ فزاعة/ لرأس جاري الفضولي/ على باب الحلم/ ألصق وجه البلاد/ تعويذة/ وأنام في شق الجدار
كلغم).
كاتب وصحافي فلسطيني/سوري