منْ يَسمع نَحيبَ اللّغة؟

حجم الخط
4

لست مصابةً بمتلازمة التحذلق اللغوي (Grammar Pedantry Syndrome) وهي في أبسط تعاريفها لمن لا يَعرف: (اضطراب وسواسي قهري يشعر المصاب به برغبة دائمة في تصحيح جميع الأخطاء النحوية والإملائية للآخرين) بل على العكس من ذلك كنتُ وما أزال مؤمنة بتجديد اللغة وتيسيرها، بل حتى «تفجيرها» بشرط أن لا ننسف القواعد التي يقوم عليها بنيان اللغة، وإلا أصبح الأمر فوضى.
وحساسيتي للغة العربية ناجمة عن كونها ليست لغتي الأم، فهي لغة ذهبتُ إليها ولم تأتني، ولأني عشقتها بذلت جهدا كبيرا في تعلمها، والتخصص في آدابها، ساعيةً للتميز فيها، وقد كان إتقانها أداةً ضرورية لي وأنا أقدم النشرات الإخبارية في بداياتي في تلفزيون البحرين، ثم وأنا أقضي ربع قرن في إعداد وتقديم البرامج الحوارية الثقافية في تلفزيون دبي. وكم أفسدتْ عليَّ هذه الحساسية الاستمتاعَ بإلقاء جيد أو أغنية جميلة حين أجد أن صاحبها لا يحترم أبسط قواعد اللغة فأقول في نفسي (صحيح الحلو ما يكملش) وهذا ما حدث معي وأنا أستمع إلى موال للفنان اللبناني عاصي الحلاني من أربعة أبيات فقط، ارتكب فيه عشرة أخطاء، أنقل الموال بحرفيّتِه وأترك لأهل العروض خاصّة جبْرَ ما فيه من كسور: قالت ألا لا تلج دارنا… إن أبانا لرجل غائر / قالت إن قصرنا عالي البنا… قلت لها إني فوقه طائر / قالت أليس البحرَ بيننا… قلت لها إني لسابح ماهر/ قالت إن إخوتي سبعة… قلت لها إني لأسد كاسر. وقد نسخ عاصي الحلاني الموال من المطرب السوري أديب الدايخ بأخطائه، ولو تمهّل وعرض الأبيات على من له أدنى اطّلاع على الأدب العربي ـ أو حتى استفتى غوغل فقد وردت فيه الأبيات بصيغتها الصحيحة مئات المرات – لأخبره أنّ الأبيات من قصيدة للشاعر الأموي وضاح اليمن ولها قصة شهيرة ذكرتها كتب الأدب ومنها كتاب «الأغاني». وتكرّر معه هذا العبث اللغوي أيضا في بيتين شهيرين هما: قبَّلتُها عندَ الصّباحِ فجَاوبَتْ … أفْطرْتَ يا هَذا ونَحنُ صِيَامُ/ فأجَبتُها: أنتِ الهِلالُ وعِندَنا … الصَّومُ في مَرْأى الهِلالِ حرَامُ. ليصبحا وقد أفسدتهما ستةُ أخطاء: قبلتها في الصباح فقالت … أتفطر يا هذا ونحن صيام/ قلت لها أنت الهلال عَندي … والصوم من بعد رؤيا الهلال حرام. وحتى لا نظلم عاصي الحلاني نذكر أنه ليس الوحيد الذي شابت الأخطاء ما غناه بالفصحى، فأغلب الفنانين الجدد يقعون في أخطاء كهذه بعد أن أصبح الغناء باللغة الفصيحة طريقا للانتشار، أعاد تعبيدَه كاظم الساهر بأغانيه النزارية.

والساهر لم يسلم أيضا من بعض السقطات اللغوية ومنها كسرُه كلمة الشّفاه الثانية وحقّها أن تكون مرفوعةً في أغنية «كتاب الحب» فقال: أحلى الشّفاه التي تعصي وأسوأها / تلك (الشفاهِ )التي دومًا تقول بلى. رغم أنه يحسب له امتلاكه شجاعةَ الاعتراف بأخطائه اللغوية حين قدّم أغنية «دلوعتي» في السعودية فاعتذر لجمهوره، وأرجع ذلك إلى السرعة والارتجال وقال بأن «لغة الأغنية تحتاج إلى مدقّق لغوي».
وحتّى لا يُظنَّ أن وقوع الأخطاء بأي شكل كانت مقصورا على اللغة العربية للازدواجية التي نعيشها بين اللغة الفصيحة وعاميّاتٍ متعددة تكاد تصبح لغات منفصلة لشدّة اختلاف بعضها عن بعض، أسجّل أن ظاهرة الأخطاء في الأغاني عالميةٌ، فببحث سريع على محرك «غوغل» يدلّنا على أخطاء لغوية وتركيبية عند كبار الفنانين العالميين فيعطينا أمثلة عن ذلك عند الفنان العالمي بوب ديلان، الذي حاز جائزة نوبل في الأدب سنة 2016 «لإسهاماته الشعرية وأثرها في الأغنية الأمريكية» كما جاء في تعليل المنح. وعند «البيتلز» أشهر فرقة غنائية، وعند ألفيس بريسلي أيضا وأديل وماريا كاري وبريتني سبيرز وإلتون جون وغيرهم كثير. لكن ما يدفعنا لانتقاد هذه الظاهرة أنَّ تجنبَها بسيط ومتاح، فما المانع من أن يعرض الفنان أغنيته على شخص يتقن اللغة العربية وإيقاعَ الشعر فيجنبه أخطاءها التي تصبح أحيانا خطيئة، مثلما فعل الفنان التونسي لطفي بوشناق في بيت تغنّى به الكثيرون قبله وبعده، من قصيدة للشاعر الصوفي عبد الغني النابلسي: أنا يا سعاد بحبل ودّك واثق … (لم أنْسَ ذِكْرَكِ) في الصباح وفي الغلسْ. فغنّاه (لَمَسْتَ ذِكْرُكِ) فأخطأ في النحو وفي العروض وفي المعنى في ثلاث كلمات. وهي استهانة لا عذر فيها إذ كيف فهم معنى البيت بالطريقة التي غناها به.

وأذكر مثالا آخر عن أخطاء الكبار ما حصل مع الفنان محمد عبده في موال «ولما تفيأنا ظلال خميلة» من كلمات الشاعر البحريني إبراهيم العريض فقد غنى الشطر التالي: وحَدَّثْتُها بالحُبِّ وهيَ مُصيخَةٌ (أي مستمعةٌ منصتةٌ) سنةَ 1978 في قطر (مُصيغَة) وغناها بعد ذلك بعشرين سنة (مُصخِيةَ) ، فأخطأ في اللغة في النسخة الأولى وأخطأ في الوزن في النسخة الثانية، وجلّ من لا يخطئ مرة ثانية.

والمؤلم أن الأغنية إجمالا نصّ قصير يمكن مراجعة كلماتها بسهولة ثم إنّها تسجّل في استديو، حيث يعيد الفنان أداءها عشرات المرات ليستقر على صيغة ترضيه. في زمان مضى كان الفنان محاطا بملاك يتقن اللغةَ والشعر والعربية يحرسه، فأم كلثوم رغم حفظها للقرآن في سن مبكرة، كان الشاعر أحمد رامي عاشقها الأبدي يتدارس معها عيون الشعر العربي ويضبط لها القصائد التي تغنيها، لذلك حينما نعثر عندها على خطأ ولو كان صغيرا كأن تقول (تملُكه) بدل (تملِكه) في قصيدة «أغدا ألقاك» نشعر بأننا عثرنا على كنز في بحر القصائد الفصيحة التي غنتها، وكذلك هو الحال مع فيروز فالرحبانيان كانا أرباب كلمة إضافةً إلى عبقريتهما في التلحين، ومنصور تحديدا كان شاعرا بالفصحى، صدرت له عدة دواوين، إضافة إلى مستشارهما وأستاذهما الشاعر سعيد عقل، فمن أين يتسرّب الخطأ! بل يقال إن فيروز ـ كما ذَكر سعد الله آغا القلعة – امتنعتْ عن نشر أغنية لحنها لها رياض السنباطي من كلمات جوزيف حرب، لأنها أخطأتْ في بيت منها يقول: أذاكرٌ أنت وجهي إنّه زمنٌ … عليه مرسومةٌ أيامُنا الأوَلُ. فغنتها (أيّامنا الأوَلِ) كما جاء في التسجيل غير الرسمي المتاح على الإنترنت. وكذلك كان محمد عبد الوهاب، فقد غنى عشرات القصائد الفصيحة بسلامة لغوية تُشهدُ له، وإن كانت أخطاؤه أكثر من أخطاء أم كلثوم أو فيروز، رغم تبنّي أمير الشعراء أحمد شوقي له إلى حد أن أفرد له غرفة في دارته. ولا زلتُ أتعجبُ كيف غنى سنة 1928 وأحمد شوقي حيّ: مَوْقِعي عندَك (لا يَعلمُه)…آهِ لو تعلمُ عندي موقِعَك! » والصواب (لا أعلمه). بل كيف فضّل أن يغيّر كلمة (قدّامي) في: ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيتُ، بكلمة (أمامي) في قصيدة «الطلاسم» الشهيرة لأبي ماضي لأن اللفظة (قدّامي) لم تعجبه رغم أنف الوزن. وللإعلامي عارف الحجاوي حلقات في برنامج «فصيح» تتبّع فيها بعض أخطاء موسيقار الأجيال اللغوية، فذكر له مثلا ثلاثة أخطاء في الضبط في قصيدة «أعجبت بي» للشاعر العباسي مهيار الديلمي، وجلّ من لا يخطئ.
وأذكر مثالا آخر عن أخطاء الكبار ما حصل مع الفنان محمد عبده في موال «ولما تفيأنا ظلال خميلة» من كلمات الشاعر البحريني إبراهيم العريض فقد غنى الشطر التالي: وحَدَّثْتُها بالحُبِّ وهيَ مُصيخَةٌ (أي مستمعةٌ منصتةٌ) سنةَ 1978 في قطر (مُصيغَة) وغناها بعد ذلك بعشرين سنة (مُصخِيةَ) ، فأخطأ في اللغة في النسخة الأولى وأخطأ في الوزن في النسخة الثانية، وجلّ من لا يخطئ مرة ثانية.
رجائي أن لا يستهين القارئ بموضوع الأخطاء هذا، فحرف واحد قد ينقل المعنى من سماء الإبداع إلى أرض الكلام العادي، مثلما حدث مع الأغنية الشهيرة التي أمتعَنا بها مرارا صباح فخري «على العقيق اجتمعنا» فكم كانتِ الصورة الشعرية جميلة وموحية حين يغنّيها الأستاذ صباح: «ما أظن مجنون ليلى قد جُنَّ بعضَ جنوني» وكم أصبحتْ جملة أقلّ من عاديةٍ حين أضاف إليها صبحي توفيق وغيره حرفا واحدا فغدتْ «ما اظن مجنون ليلى قد جُنَّ بعضَ الجنون» ويا بُعد ما بين المَعنَيَيْن والجُنونيْن!
لا أريد أن أضخم الأمر كما ورد في مقال وَجد فيها كاتبُه خطأين نحويين للفنان اللبناني مروان خوري في أغنيته «لحن قلبي» فعَنْوَنَ مقاله ب«مروان خوري.. ما هذه المجزرة اللغوية؟» لكني في المقابل أتمنى من الفنانين الذين يغنون باللغة العربية الفصحى أن يقتدوا بأمثال مارسيل خليفة وماجدة الرومي ـ وهي بالمناسبة مجازة في الأدب العربي – ويدققوا نصوصهم حتى لا تجرح الأخطاء آذان مستمعيهم، وحتى لا يتساءل أحد منذ نصف قرن إلى الآن ماذا يقصد طوني حنّا حين غنّى «سگلت الزين» بالجيم المصرية، فيجيبه العارفون: لا تشغل بالَك، هو يعتقد أنّ البدو ينطقون (سألت) هكذا!

شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية