منصور فهمي صاحب «أحوال المرأة في الإسلام»: محاولة التثوير الفكري ومصيرها البائس

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: «التقليديون لا يخافون عدم التدين، إنما يخيفهم إعلان عدم احترام المناخ العام المحيط بالتدين». (منصور فهمي).

شهد المجتمع العربي والمصري بشكل خاص نهضة فكرية حاولت أن تزيح الراسخ من أفكار العصور الوسطى، كان ذلك في مطلع القرن الفائت، وكان هناك العديد من الأصوات، ربما أشهرها في العشرينيات طه حسين وكتاب «في الشعر الجاهلي»، وعلي عبد الرازق وكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وكل منهما دفع ثمن الخروج على الموروث الديني وتبعاته الاجتماعية والسياسية في الأساس، إلا أن هناك أصواتاً ما كادت أن تضيف انتقاداتها للسائد إلا واختفت، بل ارتدت منزوية، والتزمت بأفكار ورؤى قديمة، وقضت ما بقي لها من حياة تُكفّر عما اعتقدته في النهاية ذنباً قد لا يُغتفر. من هؤلاء يأتي منصور فهمي 1886 ــ 1959 صاحب كتاب «أحوال المرأة في الإسلام»، الذي بسببه عاش العزلة الفكرية وآثر السلامة حتى نهاية حياته.

طالب السوربون ورسالته المشؤومة

قدّم منصور فهمي أطروحته للدكتوراه إلى جامعة السوربون في ديسمبر/كانون الأول 1913، تحت عنوان «حال المرأة فى التقليد والتطور الإسلامي»، التي صدرت بعدها في كتاب بالفرنسية بعنوان «أحوال المرأة في الإسلام» ــ لم يُترجم حتى عام 1997، وصدر ضمن منشورات دار الجمل. ترجمة رفيدة مقدادي ــ إلا أنه وقبل مناقشته الرسالة بأيام ورد إلى الجامعة المصرية تقرير يقول إنها رسالة معادية للإسلام، كما إنها تحت إشراف أستاذ يهودي ـ المقصود ليفي برول ـ عندئذ طلبت إدارة الجامعة منه تأجيل المناقشة، إلا أنه لم يستجب، ونوقشت الرسالة فى موعدها المحدد، بعدها عاد إلى مصر، لتكون في استقباله حملة شنتها صحف السلطة والأزهريون والسياسيون الرجعيون ضده، وكانت الاتهامات الموجهة إليه أنه ملحد وعدو للدين ومفسد للشباب وذيل للمؤامرة اليهودية على الإسلام. وفي النهاية وجد نفسه مفصولاً من الجامعة المصرية. ولم يجد الرجل سوى الاختباء في قريته قرابة السبع سنوات، حتى قيام ثورة 1919، ليحاول بعدها العودة إلى الجامعة، لكنها كانت عودة مشروطة بأن يعتذر، أو بمعنى أدق يُعلن توبته عما اقترفه عقله، فأذعن قائلاً «يظهر أنني انحرفت قليلاً، حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة، وحين قوبلت في مصر بضجة كبرى ازددت عناداً، ثم كتب الله أن أجلس طويلاً مع بعض مشايخ العلماء من ذوي الأفق الواسع والصدر الرحيب، فبدأت أخلص من الزيغ لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله». حتى أنه انتقد أطروحته بعد ذلك في عدد من المقالات نشرها في بعض الصحف والدوريات. بعدها عاد فهمي إلى الجامعة عام 1920، وتدرّج حتى أصبح عميداً لكلية الآداب، ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، وعضوا في مجمع اللغة العربية.

أحوال المرأة في الإسلام

لم يكن منصور فهمي أول مَن تعرّض لوضعية المرأة ومشكلاتها، فقد سبقه الطهطاوي وقاسم أمين على سبيل المثال، إلا أن الأول دعا إلى الأخذ بالرؤية السلفية التي ترتكز على القوامة، وحجاب المرأة وضرورة طاعة المرأة للرجل، بينما الثاني دافع عن الحجاب وتعدد الزوجات. إلا أن فهمي هو أول مَن كتب بمنهجية علمية ـ من وجهة نظر علم الاجتماع ـ عن الخطاب الإسلامي وتعامله مع المرأة، مفرّقاً بين الدين والمؤسسة الدينية من جهة، وشخصية نبي الإسلام ونصوصه المقدسة، التي ساهمت بشكل أو بآخر في وضعية المرأة في ظل الإسلام. وقد ناقش منصور في جرأة غير معهودة ـ وقتها ـ عدة قضايا لم يكن أحد يستطيع الاقتراب منها، أو مجرد التفكير فيها بهذه الطريقة.

يرى فهمي بداية أن الحجاب هو حصيلة للتقاليد وليس الدين، فالشريعة الإسلامية لا علاقة لها بالحجاب.

الدين والتقاليد الاجتماعية

بداية يُفرّق فهمي بين المحمدية والديانة الإسلامية، فالأولى تتمثل في عقيدة محمد في نقائها الأول، بينما الثانية تعني مؤسسات من أصول شتى‏ ومنابع مختلفة‏،‏ اتخذت بمرور الزمن هيبة القوانين المقدسة.‏ فيؤكد على رغبة محمد الشديدة فى حماية المرأة وصيانتها، لكن المؤسسات الدينية والقوانين الثيوقراطية هي ما أدى إلى انحطاط المرأة، لأنها حوّلت سلطة الأب أو رب العائلة إلى سلطة مقدسة تتماهى مع سلطه الله، وأن هذا الوضع الاجتماعي، ومن ثَم الديني، جعل البيت هو عمل المرأة الوحيد، وكان عليها أن تنزوي فيه قهرا. ويرى أنه «على الرغم من أن الإسلام أعطى للمرأة شخصية خاصة بها، إلا أننا نؤكد أن المرأة بعد الإسلام وُجدت في وضع أكثر دونية عما كانت عليه قبل الإسلام». فإن كانت وضعيتها متدنية نظرياً قبل الإسلام، إلا أنها كان لها حضور اجتماعي، فكانت تشارك في الغزوات وتعمل في التجارة ولها حرية اعتناق الدين الذي تريده. أما بعد الإسلام ومن خلال تفاوت النصوص المقدسة، فالأمر انقلب، فنظرياً كان من المفترض أن تكون في وضعية أفضل، لكن واقعياً واجتماعياً كانت أسوأ بكثير. «بعد انتصار الفتوحات الإسلامية ذبلت شخصية المرأة العربية وتلاشت قيمة وزنها الاجتماعي. إن المؤسسات ذات المصادر المختلفة كتعدد الزوجات والارستقراطية والثيوقراطية، كل هذه عوامل تضافرت لتساهم في مهانة المرأة التدريجية».

أسطورة الحجاب

يرى فهمي بداية أن الحجاب هو حصيلة للتقاليد وليس الدين، فالشريعة الإسلامية لا علاقة لها بالحجاب. كما ربط ما بين (العزلة والحجاب والطبقة الاجتماعية) فالحجاب والعزلة لم يُفرضا على الجواري مثلا ـ واقعة عمر بن الخطاب الشهيرة، ونهره الجارية ذات الحجاب لأنها تشبهت بالحرائر ـ ففي العزلة والحجاب تمييز للحرائر كشرف لبنات الطبقات الراقية عن بنات العامة.‏ وقد تطورت هذه الفكرة من ميراث عزل المرأة بعيدا عن الحرب القبَلية،‏ حتى لا تؤخذ سبيّة،‏ أو تُخطف كغنيمة‏.‏ «واستعمال الحجاب لم يكن شاملاً، ولدينا الوثائق التي تشير بالتأكيد إلى أن النساء في تلك الحقبة الزمنية، وفي مجتمع محمد لم يخضعن لاستعمال الحجاب. ومن دون شك فإن عادة الحجاب أخذت، مع مرور الزمن، تعمم وتتوطد مع تقدم الإسلام». فالأمر طبقي بالأساس، حتى إن عزلة النساء «أصبحت مع الزمن شيئاً مألوفاً، وأخذت تُعمم أكثر وأكثر، واعتُبرت في النهاية شيئاً طبيعياً جداً. فالمصطلحات التي تعبّر عنها كانت تستخدم لإطراء امرأة ما، أو عائلة بأسرها.. وحتى حين حكمت مصر في القرن السابع للهجرة الملكة شجرة الدر، فالواعظون في الجوامع لم يجدوا تعبيراً أفضل لإسداء الإطراء للملكة إلا بالحديث عن حجابها الصارم، قائلين (واحفظ اللهم الجبهة الصالحية، ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين، ذات الحجاب الجميل والستر الجليل، والدة المرحوم خليل».
من ناحية أخرى فما ذكره القرآن بشأن الحجاب كان خاصاً بزوجات محمد وليس بغيرهن من المسلمات. كما أن الحجاب لم يكن عادة عربية لكنه أُخذ عن شعوب أخرى مثل الترك والفرس. أما (النقاب)، فيراه الرجل (موضة)، فهو لم يكن يستعمل فى عهد محمد، مستشهداً بابن سيرين ــ من علماء القرن الأول الهجري ــ بأن النقاب لم يكن سوى موضة، تم استحداثها فى النصف الثاني من القرن الأول الهجري. وفي الأخير يرى منصور فهمي أن السبب الرئيسي لانحطاط المرأة هو «فصلها عن الرجل وعزلها عن المجتمع». هذه خلاصة رسالته التي نال من خلالها درجة الدكتوراه، الرسالة التي أنفق فيها من عمره ووعيه خمس سنوات، إلا أنه لم يستطع مقاومة الإرهاب الفكري الذي طاله واتهمه بالكفر والإلحاد، فانعزل تماماً عن دوره التنويري، قاطعاً صلته بكل ما كان يؤمن به قائلاً .. «الخير كل الخير في أن لا تخرج المرأة من البيت ومن ميدان الزوجية ومن ميدان الأمومة حتى تسهر على راحة زوجها، والشر كل الشر هو فى سوق المرأة إلى المصانع والحوانيت مما يتنافى مع قوانين الله والطبيعة. ومطلب المرأة بخلاف ذلك هو مطلب موهوم».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية