من “أوسلو” حتى سلام الإمارات: “بالروح بالدم نفديك يا… إسرائيل!”

حجم الخط
0

تدهشنا رؤية جدول أعمالنا العام بحراك عظيم: ففي الأسبوع الماضي كنا في تداعيات كورونا والمظاهرات، وفجأة حل محلها اتفاق سلام مع الإمارات، ثم انتقلنا فجأة إلى الحديث عن الانتخابات.

كان يمكن للأمر أن يكون لطيفاً لو نجح أحد ما في لحظة ما وغير الخطاب لحل المشاكل التي على جدول الأعمال. ولكن انظروا حولكم: غلاف غزة يقصف على أساس دائم منذ أكثر من سنتين وإن يتغير جدول الأعمال. أكثر من 4.5 مليون فلسطيني لا يزالون يعيشون هنا، منقسمين بين غزة والضفة، سواء تحدثنا عن الضم أم تخلينا عنه. ونعم، لا تزال كورونا جاثمة علينا. يكتشف هنا نحو 1.500 مريض جديد في اليوم، والآثار الاقتصادية والاجتماعية قاسية حتى عندما نتبارك بمفاجأة جميلة من اتفاق سلام.

رغم الأسئلة المفتوحة عن بيع السلاح المتطور للإمارات، ثمة إجماع عن أنه اتفاق جيد لإسرائيل، أو على الأقل توافق واسع. هذا تغيير منعش، إذ إن الاستقطاب الذي تفشى هنا أنسانا القدرة الأساسية على الاتفاق على ما هو جيد وما هو سيئ لليهود. لكن الحديث عن شعار “السلام مقابل السلام” ليست دقيقاً؛ فأولاً لم نكن نزاع على أرض أو حرب ما مع الإمارات. وثانياً، لأن فضل الاتفاق يختلف عن الشعار في الجانب الفلسطيني.

لو اعتقدنا أن المشكلة الفلسطينية هي بذنب الفلسطينيين فقط، فستحتاج إلى حل. وطالما لم يكن هناك حل، فسنعاني نحن أيضاً.

منذ اتفاق أوسلو، اعتقدت القيادة الفلسطينية بأنه كلما انتظرت أكثر ستكسب أكثر. ومجرد طرح موضوع الضم كإمكانية في إطار “صفقة القرن” حتى لو تحطمت على شواطئ الواقع، فقد خرق الفكرة القديمة. وقد تعززت هذه القصة في اللحظة التي وضعت فيها الإمارات المشكلة الفلسطينية جانباً كي تحرص على مصلحتها ذاتها. الزمن لا يعمل بالضرورة في صالح الفلسطينيين، وكسر الفكرة القديمة أنباء طيبة، ولا يهم من أي جانب ننظر إليها. فمن جهة، يمكن لإسرائيل أن تكسب من علاقات محسنة مع دول عربية معتدلة حتى بدون الفلسطينيين، ومن جهة أخرى تخلصنا من الطريق المسدود للفكرة السابقة التي لم يعد منها طريق للوصول إلى اتفاق معهم، أو لحل المشكلة.

ولو اعتقدنا أن المشكلة الفلسطينية هي بذنب الفلسطينيين فقط، فستحتاج إلى حل. وطالما لم يكن هناك حل، فسنعاني نحن أيضاً. معنى الاتفاق مع الإمارات هو أن الفلسطينيين، وبعد 25 سنة من قيادة عفنة فشلت في بناء دولة، يواجهون تخفيضاً كبيراً لمستوى مكانتهم الدولية. فهل سيستوعبون بأنهم سيخسرون كل شيء إذا رفضوا كل صفقة؟ ربما، ولكن غير مؤكد.

لقد تحطمت الفكرة القديمة. ولكن السؤال هو ما الذي سيفعله هذا بالمثاليين. كان المثاليون الفلسطينيون جزءاً من التعليم والثقافية الداخلية. من ناحيتهم، “بالدم والنار نفديكِ يا فلسطين” (أو عملياً إسرائيل)، وفي أقصى الأحوال إذا لم ينجح هذا فسنموت كشهداء، ولكن المسألة مع المثاليين هي وجوب تحويلهم إلى طريق عملي، والمساومة على دورهم لهذا الغرض. فهم عديمو المعنى إذا لم يكن هناك أي سبيل للتوافق معهم.

هذا صحيح للمثاليين الفلسطينيين وللمثاليين من اليسار الإسرائيلي، فقد كان المثاليون يتبنون التنازلات وجلد الذات، ولكن رقصة التانغو تحتاج إلى اثنين في نهاية المطاف. لم يقرأ يسار الثمانينيات والتسعينيات الخريطة بشكل صحيح، ودفع على ذلك ثمناً حين هجرته الجماهير. هو خيار وهمي لم يعد قائماً، خيار يخدم حملات اليمين كإمكانية خيالية رهيبة وفظيعة. لا تزال بقايا جمراته تشتعل بين صفحات “هآرتس”، ولكنه حزب هامشي من ناحية انتخابية في أفضل الأحوال. وماذا عن المثاليين من اليمين؟ يتبين أنه لا يمكن الوصول مع يمينا والكتل وتصريحات الولاء، إلى نتيجة بالنسبة للضم رحمه الله. وإذا كان لا بد، فإن الاتفاق مع الإمارات يثبت كم يمكننا كسب علاقات محسنة مع دول المنطقة المعتدلة إذا ما هجرنا الأخيلة عن بلاد إسرائيل الكاملة. فهذه أخيلة ليس لها أغلبية، وفي كل الأحوال سيكون صعباً بعض الشيء تحقيقها طالما لم يتبخر 4.5 مليون فلسطيني مع إزاحة الموضوع عن جدول الأعمال، بل واصلوا السكن هنا. وسنضطر للوصول إلى حل ينبغي له أن يكون إجماعاً أو على الأقل بتوافق واسع.

بقلم: ليلاخ سيغان
 معاريف 21/8/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية