لندن – “القدس العربي”: رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها الرياضة بوجه عام وكرة القدم على وجه الخصوص جراء تفشي العدو الخفي كورونا في جُل بقاع الأرض، إلا أن هناك بعض المدربين واللاعبين استفادوا كثيرا من توقف النشاط الكروي، تجسيدا للمقولة الشهيرة “رب ضارة نافعة”، وكأن القدر أعطى هؤلاء فرصة أشبه بالمعجزة لتصحيح أوضاعهم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ما تبقى من الموسم بعد استئناف النشاط في مايو/ أيار المقبل، إذا جرت الأمور كما يخطط لها صناع القرار في عالم الساحرة المستديرة.
المستفيد الأكبر
لا يخفى على أحد الوضع المأساوي الذي وصل إليه جوزيه مورينيو مع توتنهام قبل اندلاع جائحة كورونا، على عكس بدايته المبشرة، التي أسفرت عن ثلاثة انتصارات في أول ثلاث مباريات بعد توليه الدفة الفنية خلفا لمؤسس مشروع سبيرز الحالي ماوريسيو بوتشيتينو، ووضح ذلك من خلال النتائج الكارثية بالمعنى الحرفي للكلمة، بتجرعه من مرارة الهزيمة 5 مرات مقابل تعادل غير مقنع أمام بيرنلي في آخر ست مباريات خاضها الفريق قبل التوقف الحالي، وبدأت الهزة العنيفة بالخسارة أمام لايبزيغ بهدف نظيف في قلب “توتنهام هوتسبير” في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، وتبعها بالسقوط على يد تشلسي وولفرهامبتون في الدوري الإنكليزي الممتاز، ثم الخروج من أعرق كؤوس العالم “كأس الاتحاد الإنكليزي” أمام نوريتش بركلات الترجيح، واكتملت المأساة بتوديع الكأس ذات الأذنين، بخسارة مذلة على يد ممثل شركة مشروبات الطاقة العالمية وصل قوامها لثلاثية بلا هوادة، كانت قابلة للزيادة للضعف لولا تراخي رجال المدرب جوليان ناغلسمان وشعورهم بأن بطاقة ربع النهائي قد حُسمت في أول 22 دقيقة، مع ذلك، حاول “سبيشال وان” كعادته بطريقة أو بأخرى، إقناع الرأي العام ومشجعي النادي، بأنه ليس المسؤول الأول عن الانتكاسة، بل الظروف الصعبة وسوء الطالع ولعنة الإصابات وغيرها من الأشياء التي عطلت صحوة أواخر يناير/ كانون الثاني وبداية فبراير/ شباط.
وكنا نلاحظ أنه بالكاد كان يتباكى على فقدان أهم أسلحته الهجومية، متمثلة في الضربة المؤلمة الأولى، بخروج القائد الهداف هاري كاين من الحسابات بداية من العام الجديد، ولحق به الثلاثي موسى سيسوكو، وسون هيونغ مين وستيفن بيرغوين، وكان من المتوقع استمرار غياب هذا الرباعي لنهاية الموسم، أو بالأحرى للجولات الأخيرة، فقط للمحظوظ بالتعافي قبل نهاية أبريل/ نيسان، أما بعد توقف كورونا، سيتغير الوضع من النقيض إلى النقيض، بفضل عامل الوقت، الذي جعل كاين جاهزا لخوض أي مباراة بعد تعافيه من الإصابة، ومع استمرار تعليق النشاط لنهاية الموسم المقبل أو بعد المقبل، سيستعيد مورينيو باقي أسلحته الهجومية، بمن فيهم شمشون الكوري والوافد الجديد من آيندهوفن، كأفضل حافز ودفعة معنوية للسبيرز ومورينيو لتصحيح أوضاعهم في الجولات التسع المتبقية على نهاية موسم البريميرليغ، إذ أن عودة هذا الرباعي، ستكون أشبه بالتعاقد مع 4 صفقات من العيار الثقيل في الربع الأخير للموسم، بجانب ذلك، سيتسنى للمدرب البرتغالي الاقتراب أكثر من اللاعبين، ليضرب عصفورين بحجر واحد، منها يعيد تأهيلهم ذهنيا ونفسيا للاستشفاء من آثار الهزائم الأخيرة المتعافية، ومنها أيضا يستقر على المجموعة التي تستحق ثقته والعكس، ليس فقط في ما تبقى من الموسم، بل في اختياراته للقائمة التي سيبقي عليها في مشروعه الموسم المقبل جنبا إلى جنب مع الصفقات المحتملة، ولا ننسى أنه منذ توليه المهمة، لم يحصل على وقته الكافي مع اللاعبين ليحدث لهم الاستيعاب الكامل لأفكاره وطباعه المختلفة عن البوتش، وها قد جاء توقف كورونا، ليعطي مورينيو فرصة على طبق من ذهب، أشبه بمعسكر الاستعداد المزدوج لنهاية هذا الموسم والقادم، ليعيد ترتيب أوراقه مع توتنهام، قبل أن يستنفد ما تبقى من رصيده عند إدارة النادي ويعود مجددا لدائرة الشك حول منصبه كما كان قبل معجزة توقف كرة القدم.
حظا أعطني وفي البحر ارمني
هذا بالضبط لسان حال مدرب برشلونة كيكي سيتيين، الذي لم يلتقط أنفاسه هو الآخر من وصوله إلى سُدّة حكم “كامب نو” بعد طرد عدو الجماهير ارنستو فالفيردي عقب الخروج من الكأس السوبر الإسباني بالخسارة أمام أتلتيكو مدريد في مباراة نصف النهائي، منذ تلك اللحظة يقولون في الصحف الكتالونية، إن الرجل الستيني لم يحصل على وقته لشرح أفكاره مع اللاعبين بنفس قدر الوقت الذي استهلكه في حواراته مع الصحافيين، بإجراء إما مقابلة أو مؤتمر كل 24 ساعة تقريبا مع زخم وازدحام جدول المباريات في الشهرين الماضيين، أما بعد توقف كورونا، سيجلس ليجني ثمار عامل الوقت، أولا بالبناء على المشهد الأخير قبل تجميد النشاط، حيث كان محظوظا بتفادي آثار هزيمة كلاسيكو الأرض بالسقوط في “سانتياغو بيرنابيو” بهدفين نظيفين، بالفوز في الأسبوع التالي على ريال سوسييداد بهدف ميسي، في الوقت الذي انحنى فيه ريال مدريد خارج قواعده، تحديدا في الأندلس على يد ريال بيتيس بهدف مقابل اثنين، لتعود الصدارة إلى البرغوث ليونيل ميسي ورفاقه حتى إشعار آخر، وهذا في حد ذاته، قد يتسبب في فوز البارسا باللقب، لو طُبقت فرضية إنهاء الموسم كما كان قبل التعليق، وهي واحدة من الفرضيات الأربع المطروحة على طاولة أصحاب القرار في الاتحاد الإسباني ورابطة الليغا، ثانيا وهو الأهم، في حال استكمل الموسم، سيكون محظوظا مثل مورينيو بالتواصل مع اللاعبين لفترة طويلة، لا تختلف كثيرا عن الجولة الصيفية الاستعداداية للموسم الجديد، ناهيك عن المكسب الذي لا يقدر بثمن، باستعادة السفاح لويس سواريز، بعدما كانت فرصه في العودة قبل نهاية الموسم ضئيلة للغاية، فما بالك الآن سيعود بمجرد استئناف الكرة.
وستمثل عودته إضافة كبيرة لكيكي سيتيين، بعد معاناة الهجوم في فترة غيابه، لعدم وجود بديل على نفس كفاءته وجودته، بإمكانه شغل مركز رقم 9، بمن فيهم بديل الطوارئ مارتن بريثويت، الذي جاء من ليغانيس بعد خروج عثمان ديمبيلي من القائمة بداعي إصابته الأخيرة، ما يعني أن برشلونة سيكمل الموسم بقوته الضاربة، وبعد حصول ميسي وباقي اللاعبين على راحة، كانوا في أمس الحاجة إليها، للتأقلم على أفكار مدربهم الجديد المختلفة عن فالفيردي، وأيضا للتخلص من مشاكل الإدارة التي بلغت ذروتها بعد صدام ليو والمدير الرياضي أريك أبيدال، على أمل أن يعود النادي من الإيقاف بطاقة إيجابية وروح مختلفة من شأنها أن تساعد المدرب على العمل في بيئة تمكنه من تطبيق وتنفيذ أفكاره بالصورة المطلوبة منه، كمدرب جاء خصيصا ليعيد طريقة “التيكي تاكا” وأسلوب السهل الممتنع الممتع المعروف عن برشلونة، بعد اختفاء هذه الهوية في حقبة فالفيردي… فهل يستغل الفرصة وينجح في فرض سيطرته وأسلوبه على اللاعبين ليثبت أحقيته بمنصبه؟
تميمة الحظ
واحد من أكثر المستفيدين من توقف كورونا، هو الفرنسي زين الدين زيدان، الذي اهتزت الأرض تحت أقدامه بشكل مفاجئ، بتذبذب واضح في الأداء والنتائج منذ الخروج الصادم من كأس ملك إسبانيا بالخسارة أمام ريال سوسييداد في “البيرنابيو” بنتيجة 4-3، بعدها أهدر نقاطاً تندرج تحت مسمى “نقاط في المتناول”، كتعادله أمام سيلتا فيغو وخسارته أمام ليفانتي وبيتيس، والأسوأ من ذلك هزيمته في عقر داره أمام مانشستر سيتي بنتيجة 1-2 في ذهاب دور الـ16، وهو ما ساهم في عودة الشكوك حول مستقبله مع الريال، حتى أن بعض المصادر زعمت أنه سيواجه المجهول إذا ودع الأبطال، لكن بعد تجميد النشاط، سنجد أنه تنفس الصعداء، لأسباب بالجملة، منها على سبيل المثال تخلصه من هاجس خوفه على وظيفته بانتهاء نغمة الحديث عن خليفته المنتظر في النادي الملكي، بعد فقدان صدارة الليغا والخروج من الكأس والاقتراب من الخروج من ذات الأذنين، بجانب ذلك، سيستعيد كتيبة المصابين، في مقدمتهم إيدين هازارد، الذي قلص خيارات الميرينغي في الثلث الأخير من الملعب، في ظل استمرار مشاكل الثنائي غاريث بيل وخاميس رودريغيز مع لعنة الإصابات المتلاحقة، ومع استمرار التوقف، سيكون هذا الثنائي قد حصل على وقته الكافي للتعافي من الانتكاسة بنسبة 100%، وقبلهما اليافع ماركو أسينسيو، الذي أوشك على الانتهاء من برنامج إعادة تأهيله من جراحة الرباط الصليبي التي خضع لها في أغسطس/ الماضي، هو الآخر، سيعطي حلولا إضافية لزيزو على الأطراف وفي العمق، ومعها ستشتعل المنافسة بين العائدين من الإصابة ورجال الفترة الصعبة إيسكو وفينسيوس جونيور وبدرجة أقل منهما البرازيلي الآخر رودريغو غوس، الذي هبط مستواه بشكل غير متوقع منذ العودة من عطلة عيد الميلاد.
وما سبق يعني أن إجازة كورونا الإجبارية، جاءت لتساعد زيزو على لملمة أوراقه من جديد، يكفي أنه سيتسلح بقوته الضاربة للمرة الأولى هذا الموسم مع استئناف النشاط، بعد الأرقام القياسية التي تحققت على مستوى الإصابات في الأشهر الماضية، أو بالأحرى منذ عودته في ولايته الثانية، دائما لا تسير معه الأمور كما يريد، لكن من يدري، قد يكون التوقف الحالي “طوق نجاة” بالنسبة له، ومن حسن حظه، أن تأجيل كرة القدم، أعاد كل الفرق إلى نقطة الصفر، بما فيها الفرق التي كانت قد وصلت لقمة المنحنى التصاعدي، مثل مانشستر سيتي والأندية التي تحسنت بشكل واضح في آخر شهرين، وهذا في حد ذاته، سيجعل فرص السيتي والريال شبه متساوية في مباراة إياب “الاتحاد”، حيث ستكون أشبه بالمباريات التحضيرية في بداية الموسم، كونها ستأتي بعد توقف طويل لا يختلف عن توقف نهاية الموسم، أي أن الطرف الأكثر تحضيرا وجاهزية سيكون المحظوظ ببطاقة التأهل، على عكس الوضع لو أقيمت في موعدها، منطقيا كانت فرص السيتي ستزيد على 70% بحكم أفضلية نتيجة الذهاب والحالة الفنية والبدنية التي كان عليها كيفن دي بروينه وباقي رفاقه، مقارنة بحالة التخبط التي كان يمر بها زيدان وفريقه، لذا أقل ما يمكن قوله إن زيزو كان محظوظا بما فيه الكفاية مثل مورينيو وسيتيين، وسيكون معه الوقت الكافي لإعادة الانضباط للدفاع وتصحيح كل الأخطاء التي تسببت في التراجع الأخير، وكما أشرنا أعلاه، سيكون متسلحا بالأسماء القادرة على صنع الفارق في الأوقات الحاسمة.
القائمة تطول
من ضمن قائمة المدربين المستفيدين من كارثة كورونا، ملك الغرينتا أنطونيو كونتي، بعد تراجع نتائج الإنتر في الأسابيع التي سبقت التوقف، كهزيمته أمام لاتسيو ويوفنتوس، ما تسبب في ابتعاده عن الصدارة بفارق تسع نقاط عن حامل اللقب في آخر ثماني سنوات، وفي نفس الوقت وضع علامات استفهام حول شخصية الأفاعي في مبارياتهم أمام المنافسين الكبار في ما تعرف بـ”الاختبارات الصعبة”، والتي أدت إلى الخروج المبكر من دوري الأبطال بعد الخسارة أمام بوروسيا دورتموند ثم بدلاء برشلونة في “جوسيبي مياتزا”، في مباراة كان يحتاج فيها الى الفوز بأي نتيجة لضمان الترشح للدور ثمن النهائي، على أي حال، ستكون لديه فرصة لا تعوض لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، أو على أقل تقدير إنهاء الموسم بنفس القوة التي بدأ بها رحلته مع النيراتزوري، بتقديم الأفاعي بصورة الفريق المقاتل الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، بتحقيق الثلاث نقاط كل أسبوع حتى لو كان في أسوأ حالاته، ونفس الأمر بالنسبة لمنافسه الشمالي ماوريسيو ساري، هو الآخر ليس بعيدا عن الخطر، لعدم ظهور ملامح مشروعه مع سيدة إيطاليا العجوز، بأداء غير مقنع بالنسبة للمشجعين، يتجلى بوضوح في عدم استقراره على تشكيلة ثابتة وتخبطه في اختياراته للمهاجمين، تارة بإجلاس كريستيانو رونالدو على المقاعد، وتارة أخرى يبقي مهاجمه المفضل غونزالو هيغواين على الدكة أو المنقذ الحقيقي باولو ديبالا، تقريبا لا يعتمد على الثلاثة في التشكيلة الأساسية، فقط يفعلها في الأوقات واللحظات الحرجة، مع ذلك، يُحسب له استغلاله لهدايا المنافسين، خصوصا الإنتر، ليجلس على صدارة السيريا آ ولو بفارق نقطة عن الوصيف لاتسيو، لكنه يدرك جيدا، أن ذلك لا يضمن استمراره في وظيفته لموسم آخر، فقط ما سيضمن مكانه هو نجاحه في تحدي إظهار بصمته كما تنتظر منه الجماهير، برؤية الفريق يقدم كرة قدم عصرية ولا يعاني الأمرين للفوز بهدف نظيف، بنفس الطريقة التقليدية التي كان عليها في حقبة أستاذ التكتيك والكلاسيكية ماسيميليانو أليغري، بجانب ذلك، إظهار ولو جدية إنهاء نحس دوري أبطال أوروبا، والبداية برد الصاع صاعين لليون، بعد الهزيمة في “غروباما” بهدف نظيف في ذهاب دور الـ16.
وتشمل القائمة أيضا المدرب النرويجي أولي غونار سولشاير، الذي سيجني ثمار عمله في الأشهر الماضية، باستعادة أهم أوراقه التي افتقدها لفترات طويلة، والحديث عن الفرنسي بول بوغبا والمهاجم الشاب ماركوس راشفورد، كأفضل دعم للفريق بعد صحوته الأخيرة في وجود المايسترو الجديد برونو فيرنانديش والنيجيري أوديون إيغالو، بتفادي الهزيمة في 10 مباريات متتالية في كل البطولات، ومع استمرار الوضع كما هو عليه بتحسن الأداء الجماعي والنتائج، سيكون مانشستر يونايتد منافسا شرسا على المركز الرابع المؤهل للأبطال الموسم المقبل، كذلك صاحب المركز الرابع تشلسي، سيكون لدى مدربه فرانك لامبارد فرصة مثالية لإعادة ترتيب أوراقه، بعد الهبوط المفاجئ في الأداء والنتائج، بصورة مغايرة تماما عن بدايته المبشرة، وكأن عناصر الشباب التي كان يعول عليها في بداية الموسم فقدت الكثير من الشغف والحماس أو ربما يعانون من قلة الخبرة في التعامل مع المباريات التي تلعب تحت ضغط، وهذا يعني أن سوبر فرانك بحاجة لوضع يده على أماكن الثغرات قبل أن يستيقظ على كابوس فقدان المركز الرابع لواحد من العائدين المحتملين للصراع على البطاقة الأوروبية توتنهام أو مانشستر يونايتد ولمّ لا آرسنال إذا استفاد ميكيل آرتيتا من التوقف، أيضا مدرب بايرن ميونيخ هانز فليك سيكون محظوظا بالتوقف، الذي سيمنحه فرصة استعادة الجلاد روبرت ليفاندوسكي، ونعرف جميعا مدى أهمية الجلاد البولندي في تشكيلة عملاق بافاريا، وغيابه عن أسابيع القتال من أجل الحفاظ على صدارة البوندسليغا مع محاولة الذهاب بعيدا في دوري الأبطال، حتما كان سيؤثر بشكل سلبي على هجوم البايرن، لكن بفضل التوقف الحالي، سيعود في الوقت المناسب لتقديم يد العون لمدربه فيما تبقى من الموسم. وبطبيعة الحال، كل ما سبق سيتوقف على قرار عودة النشاط الكروي من عدمه في ظل غموض الموقف مع استمرار هلع وفزع البشر من الوباء التاجي.