آمل أن يكون أحد ما من بين أصحاب القرار سمع من الضيف السعودي الذي زارنا هذا الأسبوع. اسمه عبد العزيز خميس، وهو صحافي قديم ومعروف. الإثنين، حضر مؤتمراً دولياً في القدس وتحدث بحرية عن العلاقات بين السعودية وإسرائيل. صحيح أنه ليس مبعوثاً رسمياً من المملكة لكنه الأمر المتبع بغياب العلاقات المعلنة بين الدول. فالعلاقات تجري من تحت الطاولة، بعيداً عن وسائل الإعلام، أو لغرض الحذر؛ تقوم على أساس محافل خاصة تخرج وتأتي. إذا ما نجحت البذور التي غرسوها سيعقبهم أصحاب القرار.
الأفكار التي خرجت على لسانه بسيطة ومفهومة، لكن استنتاجها صعب على الهضم. لا لأن المطالب عالية فحسب، بل أيضاً بسبب تعقيداتها. إسرائيل اليوم لا تستمع للتعقيدات، فهي مشغولة بنزاعات داخلية، ولهذا تبحث عن كلام سريع وزهيد الثمن، يداعب غرورها ويعطي بعض المواساة. سلام كهذا لن تحصل عليه من السعودية. ما نحن مستعدون له، كما ألمح، يتعين عليكم أن تكسبوه بعمل صعب.
تحدث الصحافي السعودي في مؤتمر دولي للمركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية، وعُني المؤتمر بالشراكة الإقليمية في هذه الأوقات للتحالفات المختلفة. الندوة التي دعي للحديث فيها عنيت باتفاقات إبراهيم. هو ابن 61، صحافي معروف، يدير برنامج مقابلات يومية في قناة “سكاي نيوز” بالعربية، التي تبث من دبي.
له في المهنة نحو أربعة عقود، معظمها في صحف وقنوات تلفزيونية سعودية. سكن نصف هذه الفترة في بريطانيا، وهناك عمل في الإعلام السعودي. كان المحرر الاقتصادي لصحيفة “الشرق الأوسط” في ذروتها في التسعينيات. حساب “التويتر” خاصته تجاوز منذ زمن بعيد الـ 300 ألف متابع.
ربما نجد رمزية ما في أنه تحدث إلينا من القدس. قال إن إسرائيل قوية في وعي الكل السعودي. الحل، بالتالي، يجب أن يبدأ منه. بعد ذلك وصف للحضور كيف ترى بلاده نفسها. السعودية ليست حلقة أخرى في دول اتفاقات إبراهيم، فاجأ الناس، وبالتالي لن تنضم إليها. هي هيمنة، وهكذا ينبغي لإسرائيل أن تراها كالشريك الأهم لها. أطلق كلمة “جديد” عدة مرات. “المطلوب نهج جديد، هناك حاجة لجدول أعمال جديد. الاتفاق مع السعودية سيجلب لإسرائيل دولاً إسلامية عديدة”، على حد قوله.
السعودية 2023 مملكة ليبرالية أكثر مما كانت، أقل تزمتاً، متصالحة ومنفتحة تقريباً على كل تغيير. الإسرائيليون لا يريدون؟ سيأتي الإيرانيون. الأمريكيون يترددون؟ سندعو الصينيين. من ناحيتها، هذه ليست سياسة عقاب، بل دعوة للانضمام إلى رحلة. نحن مملكة في إقلاع، ومن ينضم إلينا إلى حجرة الطيران، كثيرة فرصه لرؤية النعمة. في هذا الفهم قدر كبير من الثقة بالنفس، بل قليل من الغرور. ربما نرى فيه أيضاً مسيحانية علمانية. لكن الرياض اليوم بحاجة إلى المليارات. لا يملكون مالا لتبذيره على الحروب. ولا رغبة أيضاً. عبد العزيز خميس لم يقل هذا صراحة، لكن نفهمه من بين السطور. أنتم تنشغلون بالصغائر، هكذا يروج لنا، تتقاتلون على العدم. العالم لن ينتظر. وسفينة الفضاء تستعد للانطلاق.
منذ بضع سنوات والسعودية تبني نفسها من جديد؛ تقيم مواقع سياحية وتطور أخرى، تستثمر في التنمية الثقافية، التجارية، التكنولوجية وتسعى لإشفاء كل جرح أو نزاع كانت تشارك فيه. هذا نمو سريع، مع أهداف وجداول زمنية تكلف مالاً طائلاً. وهي تطالب قادتها بجدية عالية وبتعطيل لضجيج الخلفية. من ينظر إليهم هذه الأيام سيلاحظ أن القصر يحاول إدارة الظهر، بقدر استطاعته، للتزمت الديني ولماضيه المتطرف. وبقدر ما تنجح، تجتهد الرياض لتقليص مشاركتها بنزاعات الآخرين. رفعت يدها عن سوريا الأسد، بعد سنوات مولت فيها فصائل المتمردين وتسعى الآن للمصالحة معه. خفضت السرعة في المعركة ضد الحوثيين في اليمن، بعد أن هاجموا منشآتها النفطية في السنوات الأخيرة، بتكليف من إيران. والآن استأنفت العلاقات مع إيران.
في عملية البناء هذه تنظر القيادة السعودية إلى المستقبل والماضي معاً. في السنوات القريبة القادمة سنسمع من الرياض قصصاً وأساطير شعبية سترسم أمامنا رواية وطنية قديمة. سنسمع عن مكتشفات أثرية تعطي مفعولاً للمكانة الأسطورية للمملكة ولمجد العائلة السعودية. “ليس بيننا خطاب كاف عن التاريخ بين الأديان ومؤمني الأديان”، توجه عبد العزيز خميس للسامع الإسرائيلي. “علينا أن نتعاون معاً كي نصمم التاريخ بصورته الصادقة”.
يأتي مواطن سعودي إلى القدس ويعرض على الإسرائيليين مصالحة عميقة جذورها في التاريخ القديم. ليس هذا لأن القادة سمحوا له بذلك، وليس باتفاق سلام فحسب، بل إشفاء جراح عتيقة بين الشعب اليهودي والعالم الإسلامي. في السعودية يعرف كل واحد كيف انتهت حياة تعاون اليهود والعرب في عهد محمد في شبه الجزيرة العربية. قبيلتان يهوديتان، قريظة وبنو قينقاع أبيدتا بقوة الذراع؛ أبيدت الأولى بالسيف، وطردت الأخرى إلى منطقة سوريا. يحاول خميس أن يقول إنه بالنسبة لهم، السلام مع دولة الشعب اليهودي ليس صفقة عقارات أو إنجازاً يستهدف الحصول على أصوات انتخابية، بل محاولة لتصفية حساب فتح في القرن السابع الميلادي.
“انظروا كيف يرى السعوديون الإسرائيليين”، يضيف، “الشبكات الاجتماعية تفتح الكثير من الأبواب. لا يجب النظر إلى السعودية فقط كفرصة اقتصادية، بل أيضاً كباب لحل دائم”. هكذا لذع توقعات السلام لدى نتنياهو: “أنا لا أحب الدعاية والأقوال التي يقولها زعماء سياسيون في إسرائيل. السعودية مختلفة جداً. لها الكثير من المسؤولية. يجب الحديث عنها باحترام شديد وليس كدولة صغيرة تأتي إليكم”.
أمن البحر الأحمر
ولفت انتباه سامعيه إلى مسألة مهمة دحرت إلى الهوامش، وهي أمن البحر الأحمر. بالنسبة إلى السعودية، البحر الأحمر هو جبهة داخلية مكشوفة، شريان مواصلات إلى أوروبا، شرفة تطل على دول إفريقيا، وفي السنوات الأخيرة يشكل ساحة سيطرة بين الكتلة السنية والمعسكر الإيراني، وفيه مصالح للجميع. حجم التجارة الدولية الجارية في هذا البحر يصل إلى 700 مليار دولار في السنة.
حث خميس إسرائيل على القفز إلى المياه والتعاون في الجهد الدولي لضمان حركة الملاحة في البحر الأحمر. هو لم يقل هذا، لكنه قصد القدرات العسكرية والجوية التي لدى إسرائيل وكفيلة بأن تعزز الأمن في البحر، إذا وجدت في أيدي الطرف الصحيح. مصر منذ سنين وهي مشاركة في ذلك، وعملياً سلاح البحرية لديها وسيطرتها على القناة وضعا تحت تصرف السعودية. وتساءل “لماذا لا تتعاون إسرائيل في البحر الأحمر؟”، “الصينيون هناك، والروس، والإيرانيون أيضاً يبنون قواعد. ثمة حاجة لنهج جديد تجاه البحر الأحمر”.
في ختام أقواله، تناول التقارب السعودي الإيراني. وقال إن على إسرائيل أن تفهم ما الذي حصل هنا. “أنتم ترونه كاتفاق سيئ يتعارض والتطبيع معكم، لكنه اتفاق جيد لإسرائيل، فهو سيهدئ المنطقة والدعم الإيراني لمنظمات متطرفة. هذا جزء من الاتفاق. وهذا سيحل المشكلة في لبنان. فلماذا لا تنظروا إلى الاتفاقات كاتفاقات ستساعد على تلقي ما نريده في المنطقة من إيران؟ إيران تأتي إلى السعودية للحديث ولإدارة جدول أعمال إقليمي جديد. يوجد الكثير من الأمور للعمل عليها معاً. الصينيون فازوا لأنهم جاءوا ووضعوا جدول أعمال. ليس كالولايات المتحدة والبريطانيين الذين فكروا بمصالحهم. الصينيون فكروا بمصالحنا وبمصالح الإيرانيين، ولهذا أذهلوا الأمريكيين. فكروا بنا. في السعودية جيل قيادة جديد، وعلى إسرائيل أن تهتم بذلك”.
عبد العزيز خميس يعبر عن الروح التي تهب في المنطقة. الشرق الأوسط في ذروة عملية مصالحة. هذه تجربة في بدايتها ولا يمكن أن نعرف إلى أين ستصل حركة البندول. الكل يقلص المسافة عن خصم الأمس: مصر عن تركيا، والإمارات عن سوريا، السعودية عن إيران، وكذا مصر عن إيران. كل هذه ميول، بعد سنوات من سفك الدماء وإفساد المال القومي على القتل والخراب، يتوجهون لنهج متصالح. الصين هي الأخرى قوية في مشاركتها، وهي ضيف مرغوب فيه، ليس فقط كلاعب اقتصادي، بل أيضاً كمحفل سياسي جديد. عندما كان كل هؤلاء يتقاتلون، كانت إسرائيل تراقب وتنتظر. اليوم، نجدهم يذيبون الجليد، أما هي فتتقاتل مع الآخرين ومع نفسها.
قد يكون بالغاً هنا وهناك. هو وطني سعودي، مقرب من المملكة. ولهذا فقد مجد ومدح بلاده بلا انقطاع. لعل محاولة محمد بن سلمان رفع السعودية إلى القرن الـ 22 منذ بداية القرن الـ 21 لن تنجح ما يتمنى لنفسه. ولا يزال، مع حسم العوامل الموسمية، الصورة التي يضعها أمامنا مطابقة للأصل. فهذا ليس النووي الإيراني ولا المناطق الفلسطينية، إنه القرص كما يقول، وهو يدعونا لتغييره.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 31/3/2023