من المسؤول عن دخول فتيات من الوسط العربي في إسرائيل عالم الجريمة؟

حجم الخط
1

منى جاءت من بيت مفكك؛ والداها مطلقان، الأب فلسطيني تورط في جرائم مخدرات وتحرش جنسي وسجن مدة 12 سنة، وبعد ذلك عاد إلى الضفة الغربية؛ الأم حاضرة – غائبة. منى وأختاها اعتبرن منذ سن صغيرة “فتيات في خطر”. الثلاثة وصلن في مراحل مختلفة إلى مؤسسات مغلقة لرعاية الشباب في وزارة الرفاه. من نقطة الانطلاق هذه، بدت قصيرة طريقهن إلى عالم الجريمة والعضوية في عصابات وتورط مع القانون. يبدو أن العنصر المفاجئ في حياتها هو أنها ليست في السجن، على الأقل الآن.

         منى (اسم مستعار كأسماء الفتيات الأخريات اللواتي أجريت معهن مقابلات من أجل هذا المقال)، عمرها 20 سنة. وهي في البيت، وليس من وراء القضبان، كجزء من برنامج تأهيلها. وقد اعتقلت بسبب الاتجار بالمخدرات، لكنها في نهاية المطاف أدينت بحيازة المخدرات في إطار صفقة ادعاء، التي أعطتها أيضاً الأمل بمستقبل مختلف. تعيش الآن مع أختيها في شقة صغيرة في أحد الأحياء غير الجيدة في حيفا. في الشقة أريكتان وتلفزيون ومنفضة سجائر مليئة بأعقاب السجائر. في المطبخ المهمل عدة صناديق، وإلى جانبها زجاجات كحول فارغة. تجلس منى في احدى زوايا الغرفة وتروي قصتها.

قصتها مع عالم الجريمة بدأت في الشارع مثل كثير من الفتيات العربيات (تقريباً 400 ملف تم فتحها لفتيات عربيات في السنة الماضية). كان عمرها 16 سنة عندما خرجت من المدرسة الداخلية لرعاية الفتيات واكتشفت بأنه لا إطار تعليمي لها ولا إشراف. بعد ذلك، عرض عليها أحد المجرمين رعايته. وكل ما عليها أن تفعله هو تنفيذ عدة مهمات لصالحه. “لو كان هناك من أخذ بيدي بقوة لما كنت اقتربت من الجريمة”، قالت. “كفتاة، لم أعرف شيئاً في هذا العالم. هذه العضوية وفرت لي كل ما كنت أريده. بكلمات أخرى، ما كان ينقصني منذ طفولتي”. ما كان ينقصها هو الملابس الجميلة ورحلات استجمام ودلال، وهذه أمور تحتاج إلى المال. وفجأة أصبحت هذه الأمور في متناول اليد وحتى بالمجان.

هذا الادعاء معروف، معروف جداً لكبيرة المشرفين في مؤسسة مغلقة لرعاية الفتيات، التي تحدثت مع “هآرتس”. “يفعلن ذلك بسذاجة. يردن معاملة لم يحصلن عليها في الطفولة. عندما يأتي شخص ويوفر لهن هذه المعاملة، يكن جاهزات لفعل أي شيء من أجله”، قالت. ولكن الدكتورة نسرين حاج يحيى، من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قالت إن الصورة أكبر ومعقدة أكثر، وأن الدوافع في مرات كثيرة لا تكون الرغبة في الكماليات، بل في البقاء. “الفتيات اللواتي تعتبر احتمالية انزلاقهن إلى الجريمة عالية، هن الفتيات اللواتي ينتمين لعائلات معروفة. نتحدث عن والدين غير متعلمين وغير مندمجين في سوق العمل، وعائلة أحادية الوالد. الفتيات يشعرن بعبء كبير، ومعظمهن يدخلن إلى عالم الجريمة بسبب الضائقة، لأن هذا هو الملجأ الأخير لهن”.

لكن عندما يعرفن إلى أين وصلن ويدركن بأن هذا الملجأ يعرضهن للخطر، يمسي الأمر متأخراً جداً. “في البداية، أردت الهرب من هذا العالم إلى مكان بعيد. ولكني خفت كثيراً”، قالت منى. “هؤلاء أناس يمكنهم فعل أي شيء. كنت أشاهد كيف يفرضون الرعب على أشخاص آخرين وحتى على مجرمين مثلهم. في حالتي، لم يكن هناك من يحميني”.

بدون حماية أو إمكانية تبدو واقعية للمغادرة، كلما مر الوقت أدركت بأنها خاضعة كلياً لسلطة العصابة التي كانت عضوة فيها، مثل فتيات أخريات التقت معهن هناك. اقتصر هذا على مهمة هنا ومهمة هناك. وقد اضطررن إلى أن يجندن عضوات جديدات والقيام بـ “نقل المخدرات ونقل أشياء من مكان إلى آخر، ومراقبة أشخاص ونقل أموال إلى حسابات بنكية، وجمع معلومات عن مجرمين آخرين أو عن نشاطات الشرطة”، وصفت منى. “كثير من الفتيات يفتحن حسابات بأسمائهن ويقمن بتبييض أموال لصالحهم”.

“الفتيات لا يعتبرن جزءاً فقط من الجريمة، بل هن ضحايا بكل معنى الكلمة. أشارت منى إلى أن جزءاً من وظائفهن هو توفير خدمات جنسية للزعران وأصدقائهم. الفرق الوحيد بينهن وبين نساء يعملن في البغاء هو أنهم لا يدفعون لهن مقابل ذلك. هذا جزء من “علاقات الزمالة”، يقولون لهن. هن الحلقة الأضعف في طبقة الضعفاء”، قالت المرشدة الكبيرة، ويتعرضن للعنف الجنسي والجسدي والنفسي”.

       مشكلة التقاعس

شهادة الدكتوراه لنسرين حاج يحيى، التي تمت بالتعاون مع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية وصندوق بورتلاند، تتناول هذا الموضوع: “العوامل التي تدفع فتيات وشباباً في المجتمع العربي إلى الجريمة”. وللدقة، تناولت عاملاً واحداً، وهو التقاعس. “الشباب الذين هم خارج إطار التعليم، ولا أفق تشغيل لهم، هم الأكثر انجذاباً للاندماج في عالم الجريمة”، قالت حاج يحيى، وأشارت إلى النسبة العالية لهذه الظاهرة في أوساط الشباب والفتيات، أبناء 19 – 24، في المجتمع العربي، 33 في المئة، (مقابل 14 في المئة في أوساط اليهود). هذه أقوال تتفق معها زينب الأطرش، وهي مركزة ومرشدة لمجموعات في المركز الجماهيري ضد العنف والجريمة في المجتمع العربي. وقالت إن الفتيات لا يرتبطن بالمجرمين الذين يجبرونهن. “نحن لا نتحدث عن الإكراه من قبل المجرمين في معظم الحالات، لكن الظروف تفرض ذلك على الفتيات”، قالت وأحصت على سبيل المثال ارتفاع نسبة التسرب من المدارس وازدياد عدد الشباب في خطر في الوسط العربي، لا سيما الفتيات. وهناك أسباب أخرى. مثلاً “شيء ما حدث في الطفولة داخل العائلة”. “بشكل عام”، تضيف الأطرش التي أسست برنامجاً ضد العنف في المدارس والتابع لوزارة التعليم: “كلما كان هناك المزيد من العائلات المفككة التي تدخل إلى هذه الدائرة، سنجد عدداً أكبر من الشباب والفتيات الذين سيدخلون إلى عالم الجريمة”.

لينا تعتبر مثالاً جيداً على ذلك. فعندما كان عمرها 13 سنة، تعرضت لاعتداء جنسي، الذي كان جزءاً من تجربتها التي رافقتها في فترة المراهقة. كانت النهاية أسوأ، حتى لو لم تدرك ذلك في البداية. بعد ثلاث سنوات ونصف أصبحت عضوة كاملة في منظمة جريمة تتاجر بالسلاح، وهذا نشاط أدى إلى إدانتها في آب 2020، بسبب توسطها في صفقة سلاح وتقديم وسائل للجريمة. في قرار الحكم، قرر قاضي المحكمة في بئر السبع، القاضي يوئيل عيدن، التساهل معها وعرض عليها تسعة أشهر للخدمة المدنية فقط. وكتب في قرار الحكم بأنه “لا يوجد خلاف على أن الظروف الشخصية للمتهمة ظروف خاصة، منذ الطفولة وحتى الآن”.

الآن، حيث تمر في إعادة تأهيل في مركز للعلاج، تصف حياتها مثل “فيلم أسود”: “لا أستطيع حتى ذكر تفاصيل ما حدث معي، خوفاً منهم. وحتى أشعر بفقدان الكرامة”. حسب قولها: “بدأ هذا بغرام خيالي كاذب وأموال ورفاهية، لكن أثناء ذلك كان هناك إهانة وأضرار نفسية وحتى أضرار جنسية”. وقد ركزت على أن استغلال الفتيات ليس فقط في الجانب الجنائي – الإجرامي، بل وفي استغلال جنسي شديد، الذي يبقى تحت الرادار. “لقد شاهدت الكثير من الأضرار الجنسية. الفتيات يصمتن لأن الخوف مزدوج، الخوف من المجرمين والخوف من المجتمع الذي لا يقبل الفتيات اللواتي تعرضن للضرر”.

      

المرشحات الطبيعيات

في العام 2007 (السنة الأخيرة التي يوجد حولها بيانات في وزارة الرفاه) كان هناك 40 ألف شاب في المجتمع العربي في أعمار 12 – 17 يتعرضون للخطر، 37 في المئة منهم كانوا من الفتيات. ومنذ ذلك الحين، قدرت جهات مهنية ارتفاع العدد باستمرار. “نتحدث عما قبل خمس سنوات”، قال مصدر مطلع، وتابع: “كم هو عدد القتلى منذ ذلك الحين وحتى الآن، وكم عائلة تدمرت؟ الوضع يزداد”.

الفتيات اللواتي جئن من عائلات فقيرة واللواتي يعتبر العنف في مرات كثيرة جزءاً من خلفيتهن، يتحولن بدرجة معينة إلى “مرشحات طبيعيات” للانضمام إلى هذا العالم، خصوصاً الآن؛ لأنه بالنسبة للمجرمين فإن النساء بشكل عام والفتيات بشكل خاص تحولن إلى “لاعبات مشروعات”، وهذا توجه جديد في المجتمع العربي. “في السابق، لم تستخدم منظمات الجريمة وأعضاؤها، النساء والفتيات الصغيرات. وهذا يعتبر ضعفاً أو عدم كرامة”، قال أحد المجرمين من منطقة المثلث. “لكن مثلما لا توجد حدود للمجرمين الآن بالمعنى العنيف والقاتل، فلا توجد لهم أيضاً حدود بهذا المعنى”.

حقيقة أن النساء للوهلة الأولى ليس لهن علاقة بهذا المشهد، هي أفضلية بالنسبة لرؤساء هذه المنظمات. “الفتيات لا يثرن الاشتباه في الشرطة، ومعظمهن ليس لهن قضايا”، قالت المرشدة من مركز التأهيل. “إضافة إلى ذلك، لا يقدمن شكاوى في الشرطة على ما تعرضن له. ولهذا أسبابه، منها الخوف وعدم التسبب بالضرر لشخص أحببنه”. حسب قولها، “معظم الفتيات اللواتي تم تجنيدهن كانت لهن علاقة حميمة مع شخص في العصابة أو المجموعة، وهناك من يستغل ذلك”.

هذه قصة ديانا، ابنة 19 من الشمال. قبل نحو سنة ونصف انضمت إلى مجموعة من الشباب تعودوا على الالتقاء مرة كل أسبوع واللهو. أحد الشباب أسر قلبها. “ظهر كشخص ذكي وثري. كانت لديه سيارة من نوع “سكودا”، وترك انطباعه في كل الفتيات”، قالت. “لم أحبه لأمواله. عرفت أنه يحصل على المال بشكل سهل وبطرق غير قانونية. رويداً رويداً، عرفها على أصدقائه الذين لم تحبهم قط. لكنها كانت مفتونة به. ذات يوم، طلب منها أن تنقل سيارة لشاب في الجنوب مقابل المال بالطبع. “لقد أعطاني مبلغاً لم أمسكه في حياتي. أخرج رزمة كبيرة من المال وأخذ منها مبلغ 2800 شيكل”. وعندما ركبت في السيارة، اكتشفت أن فيها كمية كبيرة من الحشيش، لكن هذا لم يصدها. “من هنا بدأت الحكاية”.

في تلك الفترة كانت سعيدة وثرية أكثر بكثير مما عرفته قبل ذلك. المال السهل والماركات والحياة الاجتماعية التي تحسنت بشكل كبير، كل ذلك جعلها تنسى قلق الماضي والخوف من السجن. “كنت أشتري الملابس لصديقاتي وأدعوهن كل أسبوع”، تذكرت. “لكن بعد أن تم اعتقالي، اختفين جميعاً. ليس الصديقات الجديدات هم اللواتي أدرن ظهورهن لي فقط، بل أيضاً الصديق الجديد. “تخلى عني وأوصل رسالة بأن لا أذكر اسمه في التحقيق. كان هذا بالنسبة لي طعنة في القلب. حينها عرفت أنني كنت مجرد أداة لعب في يده ويد جماعته”. الآن هي في برنامج تأهيل مع شروط مقيدة.

       بعضهن يعملن وحدهن

إلقاء نظرة على معطيات العام 2020، قال مصدر في شرطة إسرائيل، تظهر أن فتيات عربيات كثيرات تم اعتقالهن للاشتباه بجرائم مخدرات. وإضافة إلى ذلك، ثمة مخالفات سرقة واعتداء، حتى لو كان بنسبة صغيرة، وجرائم سلاح وتآمر على ارتكاب جريمة. “النظرة في أوساط الفتيات تغيرت مؤخراً”، قال فراس، وهو عامل اجتماعي وكان مدير مؤسسة مغلقة لرعاية الشباب في منطقة الوسط. “أرى في منشورات الطالبات في الشبكات الاجتماعية صوراً للسلاح وأغنيات مع إشارات تهديد وعلاقة بالإجرام. الأجواء العامة في أوساط الشباب في المجتمع (معطيات 2020 أظهرت ارتفاعاً في نسبة الإجرام في أوساط الشباب والفتيات)، تجرفهم جميعاً إلى عالم الجريمة. وقال بأن “الفتيات ضحايا للمؤسسة والمجتمع والعائلة والمدرسة”.

في هذا السياق، أشارت الأطرش إلى أنه ليس كل فتاة عربية تورطت في قضايا جنائية بالضرورة تم تجنيدها من قبل منظمة إجرامية. “هناك فتيات نفذن الجرائم مع أصدقاء أو أقارب”، قالت. “أو وحدهن”. هناك كثيرون يمكن اتهامهم بهذا الوضع، قال فراس، لكن الاتهام في المقام الأول موجه للسلطات. ورغم ارتفاع عدد الشباب في خطر في المجتمع العربي، إلا أنه لا يوجد ما يكفي من برامج الحماية والتأهيل من أجلهم. “كل المجتمع تقريباً هم شباب في خطر. وما دام لدينا سلطات فاشلة وتمييز ضد المجتمع العربي من قبل الدولة، سنواصل العيش في الجريمة والعنف. معظم المكاتب لا تعمل”، قال. “أعرف شباباً وفتيات في خطر، لكني لا أستطيع أخذهم للتأهيل”.

حتى قبل التأهيل، كيف يمكننا إقناعهم بالخروج من هذا العالم؟ “ما البديل الذي سنعرضه عليهم”، تساءل باستغراب. “هذه هي المشكلة. لا بديل تأهيلياً قد يناسب هذه الشريحة من السكان في المجتمع العربي”. إذا كان الأمر هكذا، فالمشكلة ليست الدولة فقط، بل أعماق المجتمع أيضاً. “ثمة مسؤولية على المجتمع ورجال الدين والمثقفين والقيادة. ولا أحد من هؤلاء يتحدث عن الموضوع، ولا يكلف نفسه عناء فتحه. إذا لم تكن هناك برامج مناسبة للتأهيل ومعالجة الشباب فنسنتدهور أكثر فأكثر”.

نور، التي هي الآن في العشرينيات، تشعر بالإهمال منذ الطفولة. والدها قتل وهي صغيرة، والدتها تركتها بعد ذلك. وما زالت تطاردها مشاعر الغضب، وبالأساس عدم الثقة بالمؤسسة والمجتمع، الذي لم يمنحها أي دعم بعد قتل والدها، وهي حادثة لا تفضل التحدث عنها.

تدحرجت مع مرور السنين إلى عالم الجريمة. “كانوا بالنسبة لي العائلة”، قالت. “لقد كبرنا معاً، وكان بيننا شيء مشترك. كان يصعب الابتعاد عنهم، لوجود أمور كثيرة تربطها. وكلنا معاً شعرنا بحماية معينة”. في السنة الماضية تم اعتقالها وبحوزتها كمية من المخدرات ليست للاستهلاك الشخصي، الأمر الذي غير مسار حياتها. عملياً، كان عليها الاختيار بين السجن وبديل تأهيلي يتضمن شرطاً، وهو الانفصال بشكل كامل عن المجموعة التي تربت معها. وقررت أن تشاهد ما الذي يختفي وراء الباب رقم 2. “لم أتخيل أنه يمكنني الابتعاد عنهم”، تقول الآن. “ولكن تقويم الماضي يحتاج إلى التضحية بالحاضر”. يبدو أنها قد نجحت الآن.

 هآرتس 10/8/2022

بقلمضياء حاج يحيى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية