لندن – “القدس العربي”: دق جمهور برشلونة الوفي، أول مسمار في نعش خروج الكابوس جوسيب ماريا بارتوميو من النادي، وكانت البداية باعتصام المشجعين أمام بوابة دخول “كامب نو”، استجابة للدعوات غير المسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي يقودها تحالف “مانيفستو أزولغرانا” المعارض، والرئيس السابق خوان لابورتا والمرشح المحتمل فيكتور فونت، للمطالبة بسحب الثقة من رجل الأعمال المشكوك في انتمائه لريال مدريد، بعدما قاد البلوغرانا إلى الهاوية في سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة.
فاجعة ميسي
قطعت رسالة “الفاكس” التي بعثها ميسي الأسبوع الماضي، لإعلان رغبته في الانفصال عن “كامب نو”، شعرة معاوية بين الجمهور والرأي العام بأكمله، وبين مجلس الإدارة، التي لا تصفه تلك المنظمة المعارضة سوى بـ”مجلس العار”، وكأن الجميع في كتالونيا كان ينتظر لحظة الانفجار العظيم، لتبدأ الانتفاضة الحقيقية، بالحصول على مذكرة سحب الثقة، التي تقدم بها المرشح المحتمل في الانتخابات المقبلة خوردي فاري، لإسقاط بارتوميو ومجلس إدارته بالضربة القاضية، بجمع توقيعات 15% من الأعضاء، الذين يبلغ عددهم 110 آلاف و132، وذلك في غضون 14 يوما، ليحق للمعارضين إجراء استفتاء على إقالة المجلس الحالي، بدلا من الانتظار حتى مارس/ آذار المقبل، بشرط ألا تقل نسبة الناخبين عن 66.6%، وفي خضم الضغط الجماهيري المتزايد على بارتوميو ومجلس الإدارة، خوفا من فقدان أفضل لاعب في تاريخ النادي، وجد رئيس النادي الأسبق خوان لابورتا، الفرصة المثالية، لرد الصاع صاعين للرئيس الحالي، على خلفية المشاكل القديمة، التي جعلت بارتوميو يتقدم باستقالته، عندما كان مسؤولا عن كرة اليد والهوكي، اعتراضا على سياسة المحامي الشهير وطريقة إدارته للكيان، حين كان رئيسا عام 2005.
وشن لابورتا، الرئيس القادم المحتمل، هجوما حادا على الرئيس الحالي، في مقابلة صحافية بعد تهكم الثنائي اللاتيني لويس سواريز وآرتورو فيدال على مجلس إدارة النادي، حذر خلالها من عواقب رحيل ليو، حتى أنه وصف خروجه بالخطأ التاريخي، من دون أن يفوت الفرصة للتشفي والشماتة في الرئيس بقوله: “مسكين برشلونة، للأسف النادي في أيدي هؤلاء غير الأكفاء”، والأمر ذاته ينطبق على المرشح الآخر البارز فيكتور فونت، هو أيضا أطلق العنان لنفسه في تغريدة عبر “تويتر”، بعد الاستفاقة على فاجعة البرغوث، متقدما صفوف المطالبين بالتضحية بالرئيس وإدارته من أجل الحفاظ على ميسي، الذي وصفه بـ”الأسطورة المحلية الصنع”، غير أنه وضع الكثير من علامات الاستفهام حول طريقة معاملة بارتوميو مع أفضل لاعب في تاريخ النادي، وهذا بحسب قوله “سبب إصرارنا على إقالة بارتوميو وإجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت”، فيما تؤكد جُل المصادر التي تحظى بمصداقية لا بأس بها، أن الرئيس المثير للجدل، لن يستقيل أو يتخلى عن منصبه قبل الموعد، الذي اقترحه لعقد انتخابات مبكرة في العقد الأول من العام الجديد، حتى لو كان المقابل خسارة الأسطورة، التي سيتفاخر بها من سيسمع عنها ويشاهدها عبر “يوتيوب” أو الوسيلة المتبعة في المستقبل البعيد، أكثر ممن كان محظوظا بمشاهدة البولغا يغير التاريخ في “كامب نو” منذ ظهوره على الساحة منتصف العقد الأول من القرن الجديد، وحتى مشهد الختام المؤلم، لحظة خروجه من ملعب “النور” وهو يجر أذيال الخيبة، قهرا وحزنا على أسوأ هزيمة في تاريخه مع البارسا، وأسوأ هزيمة أوروبية على الإطلاق، ليلة الانكسار بالثمانية أمام البطل بايرن ميونيخ في ربع نهائي ذات الأذنين، وهذا يدفعنا لوضع أسئلة بالجملة، لمعرفة أسباب تشبث بارتوميو بوظيفته وإصراره الغريب على قيادة النادي من فشل إلى فشل، إلى أن بلغت القلوب الحناجر بعد “خراب مالطة”، بوصول الفريق الذي كان يُضرب به المثل في والإبداع والسحر الكروي إلى الحضيض قولا وفعلا.
من هو بارتوميو؟
وُلد جوسيب ماريا بارتوميو في برشلونة في السادس من فبراير/ شباط 1963، لكنه عاش في فيلانوفيا ديل فاليس، ودرس هناك في أرقى المدارس، مثل “أولا إسكولا أوروبا” المرموقة، وقبل تخرجه من إدارة الأعمال، مارس الرياضة في ريعان شبابه، حتى أنه لم يحمل لواء برشلونة فقط، بل أيضا الشقيق العاق المحسوب على ريال مدريد “إسبانيول”. وفي تلك الأثناء، وضع حجر أساس علاقته المتينة بصديق العمر ساندرو روسيل، حيث التقى به للمرة الأولى في المؤسسة التعليمية اليسوعية “إسادي” في جامعة رامون لول الكتالونية، كأول خطوة لدخول عالم المال ورجال الأعمال، وكانت البداية، بتوليه منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة “أديلتي”، تلك الشركة العريقة التي لها جذور في طرابزون التركية، وتم تأسيسها على يد جده مطلع تسعينات القرن الماضي، كشركة هندسية لبناء الجسور. وتابع طريق تعزيز شبكة العلاقات والنفوذ، بشغل منصب مدير شركة “إي إف إس”، المتخصصة في صيانة المحطات والمعدات الكهروميكانيكية، ومع توسيع دائرة العمل بتحمل مسؤولية وتمويل استثمارات ضخمة بعشرات الملايين جنبا إلى جنب مع شريك الرحلة ساندرو روسيل، الذي رافقه في كل المحطات، سواء السياسية أو التجارية، بما في ذلك العمل في الحزب الشعبي اليميني، والشراكة في مؤسسة “إنكيتيفز كومس إس إل”، فضلا عن عملهما المشترك مع شركة “كوبرا” المملوكة لرئيس الميرينغي السيد فلورنتينو بيريز. وقبل هذا وذاك، تسلل صاحب الـ57 عاما إلى السلك الإداري في برشلونة، مع وصول روسيل إلى منصب نائب الرئيس عام 2003، وآنذاك بدأ يتردد اسمه بين أروقة النادي، لتأثيره الكبير في القطاعات المسؤول عنها، أبرزها الكرة الطائرة والهوكي والسلة، لكن بعد عامين، وتحديدا في مارس/ آذار 2005، قام رئيس النادي لابورتا بإعفاء بارتوميو من منصبه، بعد سلسلة من الخلافات والصدامات حول الرؤية المستقبلية للألعاب التي كانت تحت إدارة جوسيب.
برشلونة الجديد
على النقيض مما قاله المتحدث الرسمي السابق كامبرا، إن الرئيس لابورتا ونائبه روسيل قد حلا خلافاتهما العامة بعد عشاء مطعم “سبيك إيزي”، أسفر تحالف روسيل وبارتوميو، عن وصول الأول لسُدّة الحكم وصديقه إلى منصب النائب، بحسم انتخابات 2010 بنسبة 61.35% من الأصوات، ولم يستغرق الثنائي وقتا، لإثارة الجدل، بالعبث بمقدسات و(DNA) برشلونة، بالموافقة على صفقة رعاية مع الخطوط الجوية القطرية، كنهاية للزمن الجميل، حيث كانت المرة الأولى، التي تتغير فيها السياسة، باستقطاب رعاة ووضع إعلانات تجارية على القميص، بعد سنوات من الشراكة غير الربحية مع مؤسسة “يونيسيف”، وهو ما أثار غضب مؤسس نهضة برشلونة الحديثة الراحل يوهان كرويف، وجعله يقول عبارته الشهيرة: “تحول برشلونة من كونه أكثر من مجرد ناد (الشعار الذي كان يميز الكيان الكتالوني) إلى ناد آخر”، ولم يكتف بذلك، بل استقال من رئاسته الفخرية للنادي، ومع بداية 2014، جاءت فرصة العمر لبارتوميو، بعد الكشف عن أولى الفضائح المدوية، التي عُرفت إعلاميا “قضية نيمار”، التي بدأت بشكوى رفعها خوردي كيسيس لقاضي المحكمة الوطنية الإسبانية بابلو رويز، للكشف عن التحويلات التي تمت لإنهاء صفقة الدولي البرازيلي، وقبل حتى من التأكد من أنها تمت بمدفوعات إضافية قُدرت بنحو 40 مليون يورو، من تحت الطاولة، كما هو الاتفاق مع شركة (DIS) البرازيلية ووالد اللاعب، لتمرير الصفقة من سانتوس الى برشلونة قبل ريال مدريد، الذي كان يتصدر قائمة الطامعين في ساحر “الماراكانا”، وهو ما أجبر روسيل على تقديم استقالته، لتأتي الرئاسة إلى بارتوميو على طبق من فضة، ومن حُسن حظه، أن القاضي رويز، منحه البراءة في منتصف 2016، لكن في نفس عام قضية نيمار، خرج الفريق من الموسم خالي الوفاض، بخسارة كل الألقاب، كما الحال في حملة 2019-2020، وفي أبريل/ نيسان من العام ذاته، فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عقوبة رادعة على النادي، بمنعه من شراء لاعبين جُدد لفترتين، ولولا الرفع المؤقت للعقوبة، لما قام بارتوميو بدعم المدرب الجديد لويس إنريكي بأكثر من 150 مليون يورو، نصفها في السفاح الأوروغواني لويس سواريز، لتصحيح مسار الفريق بعد الموسم الصفري مع الأرجنتيني تاتا مارتينو.
تأثير MSN
على الرغم من البداية التعيسة للويس إنريكي، بدخوله في مشاكل مع ميسي والنجوم الكبار، إلا أن النهاية، جاءت مثالية بالمعنى الحرفي، بتحقيق الثلاثية للمرة الثانية في تاريخ الكتالان، بالجمع بين الثنائية المحلية الليغا وكأس ملك إسبانيا، وإقصاء الجار الإيطالي يوفنتوس في نهائي دوري الأبطال، وحدث ذلك بتأثير ومساهمة عظيمة لثلاثي الرعب (MSN) ميسي وسواريز ونيمار، ليجني بارتوميو الثمار سريعا، بهزيمة لابورتا في الانتخابات الرئاسية، التي تمت في الشهر التالي للثلاثية العظيمة، بحصوله على 54.63 % من الأصوات، وهو ما مكنه من إسكات أصوات المعارضة لفترة ليست قصيرة، بقوة الموج الجماهيري والإعلامي العالي بعد إنجاز الثلاثية، حتى عندما بدأت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، على غرار ما حدث في العامين الماضيين، بخروج الفريق من دوري الأبطال بطريقة أقل ما يُقال عنها “مهينة” على يد روما وليفربول، ظل محتفظا بالقليل من رصيده القديم عند الجماهير، إلى أن طفح الكيل مرة واحدة في الموسم المنقضي، أو بالأحرى مع بداية العام الجديد، بانفجار مشاكل وتراكمات السنوات الماضية دفعة واحدة. دعك عزيزي المشجع البرشلوني من فنكوش “إسباي بارسا”، ذاك المشروع الذي باع به كل من روسيل وبارتوميو “الوهم في عبوات” للأعضاء والمشجعين، بالتعهد بإعادة ترميم وصيانة “كامب نو” ليتماشى مع عصر التكنولوجيا بتكلفة كانت تتراوح في البداية بين 30 إلى 40 مليون يورو، وفي الأخير تحولت إلى عمل فرعوني بتكلفة تقارب المليار بنفس العملة، لكن هناك نقاط سلبية لا يمكن غض الطرف عنها، لعل أهمها وأبرزها معاناة بارتوميو ومجلسه المعاون في بناء فريق كرة قدم يعبر عن هوية “لا ماسيا”، ويتجلى ذلك بوضوح في فشل مجلس الإدارة في تعويض المغادرين المميزين ببدلاء على نفس المستوى، أو حتى نصفهم، والإشارة إلى ثنائي الوسط تشافي هيرنانديز وشريكه الرسام أندريس إنييستا، بعد رحيل الاثنين، لم يعد خط الوسط كما كان في سنوات “التيكي تاكا” الجميلة، ونفس الأمر بالنسبة لنيمار، الذي أنعش الخزينة بقرابة الربع مليار يورو في صيف 2017، وإلى الآن لم تعوضه الإدارة ببديل بإمكانه مساعدة البرغوث على صنع الفارق.
كافح المدرب السابق إيرنيستو فالفيردي مع قائمة متهالكة، نصفهم تخطى حاجز الـ30 والنصف الآخر لم يتحمل ضغط اللعب بقميص البلوغرانا، في مقدمتهم ملك الإصابات عثمان ديمبيلي، الذي كبد الخزينة أكثر من 105 ملايين بعملة القارة العجوز، ليحل محل نيمار في صيف 2017، وتبعه الصفقة الأغلى في التاريخ فيليب كوتينيو، بشراء عقده من ليفربول مقابل رسوم بلغت حوالي 145 مليونا، ومع ذلك، لم يحصل الفريق على أي استفادة من اللاعبين، فقط الأول استسلم للعنة الانتكاسات، والثاني هرب إلى بايرن ميونيخ على سبيل الإعارة، بعد فشله في التعبير عن نفسه على مدار 18 شهرا، وما زاد الطين بلة، عدم الوفاء بالعهد مع ليو، بضم أنطوان غريزمان رغما عنه، والتخاذل في مفاوضات إعادة صديقه المقرب نيمار جونيور، ثم المقامرة غير المحسوبة، بطرد المدرب الباسكي القريب من ميسي والكبار المتحكمين في غرفة خلع الملابس، ناهيك عن تسريب فضيحة التعاقد مع شركة افتراضية لتشويه صورة القائد والقدامى، والعكس بالنسبة للرئيس ومجلسه المعاون. فضلا عما قاله المسكين إيريك أبيدال، عندما شطح بخياله، للتهكم على اللاعبين وتحميلهم مسؤولية تراجع النتائج وإقالة فالفيردي، وكذا تعيين كيكي سيتيين على عكس رغبة اللاعبين ومن دون الرجوع إليهم، ليستفيق برشلونة وجمهوره على كابوس القرن أمام بايرن ميونيخ. ومع ذلك، لم ولن يفكر الرئيس في تقديم استقالته، كنوع لطيف من أنواع الاعتراف بالفشل وتهدئة الرأي العام بعد الفضيحة، بل فعل العكس لإخماد الثورة التي تُحاك ضده، كما فعل بعد الخروج المذل من الأبطال، بالبدء في ما وصفته الصحافة المقربة من النادي “ثورة التصحيح”، بطرد أبيدال وكيكي سيتيين وتعيين رونالد كومان، لإعادة بناء الفريق بمشروع قادر على محو العار، بجانب حيلة تقديم موعد الانتخابات الرئاسية ثلاثة شهور فقط، لكن على أرض الواقع، يمكن القول إنه يواجه خطر سحب الثقة منه، إذا نجح المخلص فاري في جمع توقيع 16 ألف قبل انتهاء مهلة الـ14 يوما، وإلا لن تكون هناك قوة قادرة على إزاحته من سُدّة حكم “كامب نو” إلى أن يدعو بنفسه للانتخابات الجديدة في الموعد المُحدد، ولو أنه في كل الأحوال، سيذكر التاريخ أن برشلونة فاز مع بارتوميو بـ12 بطولة، لكن لن ينسى أن هذا الرئيس تسبب في خراب وتدمير النادي، وقبل أي شيء، سيكتب التاريخ أنه كان الرئيس الذي سمح بخروج معبود الجماهير بطريقة لا تليق بتاريخه، وقبله الخليفة المستقبلي نيمار.