من بقي للإيرانيين غير “حزب الله”؟

حجم الخط
0

دخل جينرال عربي من دولة بعيدة الأسبوع الماضي إلى مكتب لواء في الجيش الإسرائيلي في مبنى هيئة الأركان في الكريا (وزارة الدفاع). طل الضيف على المشهد من النوافذ الواسعة وقال لمضيفه: “لو أن أحداً ما قال لي قبل سنة إني سأقف في مكتب لواء في الجيش الإسرائيلي وأطل على مشهد تل أبيب، لقلت إنه مجنون”. ليس مؤكداً أن معظم الإسرائيليين يفهمون مدى عمق وسرعة التغيير الذي يمر على العالم العربي في موقفه من إسرائيل، وهو لا يزال في ذروته، وهذا أيضاً من علامات التغيير: في الأسبوع الماضي كانت هنا قمة قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية من ممثلي الجيش وسلاح الجو والأسطول، بحثوا مع قيادة الجيش الإسرائيلي سيناريوهات حرب مختلفة كفيلة بأن تقف إسرائيل أمامها. لم يأتوا للانشغال بنصب بطاريات دفاع جوي، بل للحديث عن خطط عملياتية. أرادوا معرفة كيف ستكون حرب في كل ساحة ذات صلة بإسرائيل، ماذا ستكون الأهداف الإسرائيلية وما المشاكل التي تشغل بال إسرائيل في كل سيناريو.

في السنوات التي كانت فيها إسرائيل تحت مسؤولية قيادة أوروبا في الجيش الأمريكي كان اهتمامهم يتلخص بإرسال بضع بطاريات باتريوت وسفينة “ايغس” للدفاع ضد الصواريخ. لقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية مصلحة والتزام بمستوى آخر: ستدار كل حرب لإسرائيل في المنطقة تحت مسؤولية أمريكية. ولهذا ستكون مشاركة فيها وفي مضاعفاتها.

العالم العربي قلق من الضعف الذي يبديه الأمريكيون في المنطقة، ويرى في إسرائيل السند المستقر التالي بعد الولايات المتحدة. ضباط الجيش الإسرائيلي يجدون أنفسهم في القبعات المعاكسة: حين يطيرون غرباً فهمّ متسول من دولة صغيرة يطلب مساعدة القوة العظمى، وحين يطيرون شرقاً سيتعاطون معهم كممثلي قوة عظمى بحد ذاتها.

المجال الهائل الذي فتح لإسرائيل في اتجاه الشرق مدوٍ في حرية العمل الذي يمنحه، سواء في الجو وفي ساحات أخرى. تُعد إسرائيل طوبة أساسية في هندسة منظومة الدفاع الجوي التي تقام شرقنا، إلى جانب الأمريكيين. ستكشف هذه المنظومة أخطار إطلاق صواريخ إيرانية من كل نوع كان غرباً، وقد أثبتت نفسها في شباط من هذا العام باعتراض مسيرتين إيرانيتين انطلقتا باتجاه إسرائيل. وحسب التقارير، فقد شُخصت المسيرتان ولوحقتا ببضع منظومات دفاع أمريكية في المنطقة واعتُرضتا أخيراً من الأمريكيين فوق العراق.

لحرج إسرائيل والسعودية، كشف الأمريكيون هذا الأسبوع عن لقاء سري بين رئيسي الأركان الإسرائيلي والسعودي، الذي عقد في شرم الشيخ بعد الاعتراض الناجح، لكنه حرج مؤقت. زيارة بايدن لإسرائيل والسعودية هذا الشهر ستعطي مفعولاً رسمياً وعلنياً لمنظومة الدفاع الجوي، وشراكة أولى علنية بين إسرائيل والمملكة المسؤولة عن المقدسات الإسلامية.

لن يكون هذا انطلاقاً سريعاً لعلاقات كاملة مثلما مع الإمارات أو البحرين. فالتقدم مع السعوديين سيكون بطيئاً وحذراً أكثر بكثير من جهتهم، لكن الشهر القادم سيسجل كعلامة طريق في العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي.

ينظر الإيرانيون، وهم الذين تعرضوا لسلسلة هجمات وتصفيات بعيون تعبة، إلى ما ينسج بين إسرائيل والعالم السني. وقد عادوا هذا الأسبوع إلى المحادثات على الاتفاق النووي وهم مصممون على الحصول على تنازل أمريكي إلى جانب العودة إلى الاتفاق من العام 2015. إدارة بايدن، التواقة لتخفيض أسعار الوقود قبل انتخاب منتصف الولاية التي ستجري في تشرين الثاني، ناضجة تماماً لمنحهم تنازلات إضافية. لكن مشكوك فيه إذا كان الطرفان سيكتفيان بإجمال المفاوضات قبل موعد الانتخابات في الولايات المتحدة.

هذا الأسبوع صرخت العناوين الرئيسة عندنا عن “خلاف حاد” في القيادة الأمنية بالنسبة للاتفاق النووي، لكن الحقيقة هي أقل صراخاً من العناوين. ثمة إجماع في المنظومة الأمنية على أن الاتفاق النووي في 2015 سيئ، وثمة من سيقول حتى سيئ جداً، وكل يرى الفضائل أو النواقص التي فيه. في شعبة الاستخبارات يعتقدون أن الاتفاق سيمنح زمناً غالياً للجيش الإسرائيلي لتحسين وتطوير الخيار العسكري حيال إيران، بينما يرى الموساد ازدهاراً مرتقباً للاقتصاد الإيراني والأموال التي ستضخ إلى فروع إيران للإرهاب، ما سيصعب مهمة الإحباط عليه. هذان الموقفان معللان وجديران بالإنصات، لكن الحقيقة المؤسفة أنهما لا يعنيان الأمريكيين. والولايات المتحدة مصممة على الوصول إلى اتفاق، وإيران تدرك ذلك، دون صلة برأي رئيس الموساد أو رئيس شعبة الاستخبارات.

تستبق إسرائيل حتى الآن وبعدة خطوات كل محاولة رد إيرانية على الهجمات التي تتعرض لها، لكن فرضية العمل يجب أن تكون بأنهم في لحظة ما سينجحون: سواء في إصابة إسرائيلي في الخارج أم في إطلاق طائرة نحو إسرائيل. سلسلة إخفاقات إيران في خلق معادلة مع إسرائيل كفيلة بدفعهم لاستخدام فرعهم المتقدم في لبنان الذي ظل صامتاً حتى الآن.

حزب الله، المتورط عميقاً في الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان، أوضح بأن إيران ستعرف كيف ترد بنفسها على ما يحصل في أراضيها. نصر الله لا يبحث عن مغامرات، لكنه سيواجه طلباً إيرانياً لا هوادة فيه لتنفيذ عملية ضد إسرائيل. ويمكن للذريعة أن تكون تنقيبات الغاز في حقل كاريش أو رداً على الطلعات اليومية لسلاح الجو في سماء لبنان. عندما نجتذب إلى دوامة انتخابات مضنية، وتكون في القدس حكومة انتقالية مرة أخرى – فإن الإغراء كفيل بأن يتغلب على “حزب الله”.

بقلمألون بن دافيد

 معاريف 1/7/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية