من حكايات «إزميرالدا»

(1)
المعتوه
المعتوه، الذي لم يبرح كرسي خياله خالقاً حياة لغرباء، ظل طيلة خمسين عاماً يحاول أن يبادلهم السلام، راسماً لهم تجاعيد تليق بهم فوق حيطان وحدته.
المعتوه الذي خلقني كتذكار يقيه ملل الخوف، لم تشفع له لوحات ملفوفة رتلها عليّ، وعلمني تفاصيلها بيقين مخشوع. لم تشفع له رحلات كثيرة، ومسافات طويلة لم تتعد بلاطات خياله/كنيسة داومتْ على زيارتي/تنيناً مجروحاً أبكي مُشفقة على دمه الحي، وأبصق على شمعة تنير وجه قاتله. لم تشفع له زيارات آحادٍ كئيبة، ونزهة تتسم بالبراءة، رغم تنانير قصيرة مُهرّبة وأزهاراً تذبل قبل عبوري بوابة حديدية، أسرع من سلام فاتر ألقيه إليه كمتسول. أزهار تتفتت في جيب طفولتي كتعويذة ضد كوابيس أقل سخافة من وجهه، وأكثر احتمالا من ملمس يده كلما مسح دموعي، أو آمنني من خوف.
المعتوه.. الذي لم يبرح مكانه وقد تلمّس أعوامه الخمسين، قرر أن يكون احتفالياً وفق مشيئته، ففتح نافذة وحيدة تبادل سذاجته الرقص/ترسل تحيات لغرباء لم تزل طفولتهم تساومهم على نسيان جرحهم الحي.

(2)
القديس
هوايته الوحيدة لملمة اعترافات الأطفال، كتسلية بيضاء في لون شعره، بدون التورط في ألعاب يجهلها. احتفظ اليوم بخطيئتين، لم يسمح لهما بالتداول. تحفظ الأولى درجة خشوعه أمام الآخرين، والثانية تمنحه نعمة البكاء بينه وبين نفسه. بخطيئتين ومسبحة، ساوم رفيقة خياله ــ رغم خيانات غيبية يجهلها ــ طيلة أعوامه الخمسين، كتعويذة أو طقس يأخذ فرصته في المباهاة، تدخين أعوامه مثلاً كل ليلة/سماع حكايات عجائز حكيمات، يتقيأ نهاياتها عند مقابرهن/حفظ قصاصات عن لصوص احتفظوا بحبيباتهم عند حد المقاصل/تربية القطط الشرسات/الجلوس مع الله أحياناً حينما تكون ربّته منشغلة عنه بفيلم السهرة، أو تعد قهوتها التي يشرب بقاياها
باردة، فينصرف عنه الله، لأنه ــ القديس ــ لم يُحسن كرم الضيافة.
وهكذا..
أخذت تطوله المساومة، بدون أن تمَس الربّه، التي أتقنت اللعبة ورسمت ملامحها فوق مسبحته، مُدركة أن ضحك الأطفال سوف يزيد من انحناءة ظهره، واعترافاتهم ستجعله يتعثر في ثوبه الفضفاض، الذي سيزداد اتساعاً بقدر خبثهم، ولامبالاتها
التي سيمسكها اليوم بين خطيئتين، تسمحان له بشرب القهوة في ميعادها،
وصلاة سرية تبرر غيابه عن ميعاده العرضي مع الله.

(3)
حكاية للفتيات الطيبات
الرحيمة التي انتوت وداع الجميع، ابتلعت شريط الأقراص المنومة عن آخره، واستسلمت لفرح يخصها وحدها، ولكنها نست أزهارها المتراصة على شرفتها، فاستسلمت لتأنيب الضمير. الرحيمة تذكرت وصايا قديمة، منقوشة على لوح طفولتها، وصايا عديدة انتهت صلاحيتها عند خدش صغير على فخذها الأيسر، رغماً عن تنانير لئيمة تتصنع النعومة. الرحيمة التي أشفقت على أزهارها، لم يشفق عليها آخرون، تنفسوها في ما بينهم، وعلقوا صورتها على حيطانهم المجروحة بلون براءتها/الآخرون تراصوا كبنيان أمام شرفتها، فابتسمت وتلت التعاويذ، وهي تمر بينهم وتهيل التراب، بينما يخطف أبصارهم نور خدش قديم، وبراءة مصطنعة من تنانير امرأة أنبها ضميرها حين نظرت إلى أزهارها المتراصة كبنيان.
الرحيمة الآن تعودت إحكام غطاء رأسها، حتى يظن الجميع أنها ابنة حلال، وألا تتبادل السلام مع أبناء عمومتها، وأن تخجل من نظرة عارضة لأبيها حين يفاجئ شرودها، وأن تستسلم لحكايات قديمة لم تتعرف مصدرها، عن بنات جميلات مخدورات لا يصافحن الشبابيك، ولا وجوه الغرباء/بنات يخفين حرارتهن وقت الصلاة، ويمارسن الوحدة مع الله!

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية