من “رب البيت الخطأ”.. حتى بايدن: لماذا تتردد السعودية في “إعلان” تطبيع علاقاتها مع إسرائيل؟

حجم الخط
0

يعجب الكثيرون من التردد السعودي للانضمام إلى قطار السلام والتطبيع مع إسرائيل رغم أن الرياض هي التي أعطت ضوءاً أخضر للإمارات والبحرين والسودان للتقدم في علاقاتها مع إسرائيل حتى الحد الأقصى الممكن، بل إن السعودية فتحت مجالها الجوي أمام الطيران الإسرائيلي، والذي هو بحد ذاته خطوة تطبيع.

رغم كل هذا، واضح أن لقاء رئيس وزراء إسرائيل وولي العهد محمد بن سلمان في ليل 22 تشرين الثاني لم يعطِ النتائج المرجوة. والدليل: النفي السعودي الرسمي بعقد اللقاء. أما النشر العالمي الذي حظي به اللقاء فيحرج السعوديين. وهو أمر لا يصب في مصلحة إسرائيل.

وسيتعاظم السؤال: لماذا تتردد السعودية على خلفية تغيير الإدارة الأمريكية بعد أقل من شهرين، وجهود دول أخرى مثل الإمارات والبحرين والسودان وإسرائيل، لخلق واقع سياسي يتضمن حلفاً إقليمياً مناهضاً لإيران يقف في وجه إدارة بايدن كحقيقة ناجزة لا يمكن إلغاؤها؟

لهذا السؤال أجوبة عدة، أهمها تخوف الرياض من إيران ومن رد فعلها على التقرب من إسرائيل. فالسعوديين يتذكرون جيداً تلك الليلة، في منتصف أيلول 2019 التي هاجمت فيها إيران (بواسطة مبعوثيها في اليمن والعراق) منشآت نفط مهمة وعطّلتها لفترة طويلة. ويتذكر السعوديون أن لا أحد – لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل – رد على هذا الهجوم، ومن هنا استنتجوا بأنهم وحدهم في المعركة حيال إيران، وأن موازين القوى ليست في صالحهم.

سبب آخر هو التخوف السعودي من إدارة بايدن، وهذا ينقسم إلى سببين فرعيين: الأول، ستحاول الإدارة التقرب من طهران من خلال رفع العقوبات والعودة إلى الاتفاق النووي، مما سيحيي الاقتصاد الإيراني ويسمح لها بصب الوقود على شعلة كفاح الحوثيين في اليمين ضد السعودية.

الثاني، هو أن إدارة بايدن ستعود لتنظر إلى السعودية عبر الزجاجة المكبرة لحقوق الإنسان وستطرح أسئلة محرجة مرة أخرى عن قضية خاشقجي، وعن الإعدامات وحقوق العمال الأجانب في المملكة. وسيكون الدعم الأمريكي للرياض متحفظاً ومحدوداً، ومشكوك بأن يسمح بايدن وإدارته لإسرائيل بتسخين علاقاتها مع دولة يتحفظون عليها. بل ومن المتوقع لإدارة بايدن أن تعيد إلى الجبهة المسألة الفلسطينية وستتعاطى بسلبية مع كل تقدم عربي مع إسرائيل لا يراعي هذه المسألة. وبالفعل، إن تقارير موقف الملك سلمان الذي يرى في حل المشكلة الفلسطينية، وفقاً لخطة السلام السعودية – العربية (2002)، توجد شرطاً لكل تقدم للسلام بين إسرائيل والسعودية.

السبب الثالث للتردد السعودي هو الوضع الداخلي في المملكة. فالعالم الغربي وإسرائيل يريان في المملكة وسلوكها أساساً عبر أقوال وأفعال ولي العهد محمد بن سلمان، وأساساً عبر الإصلاحات التي يتخذها: تقليص صلاحيات وميزانيات “شرطة الأخلاق”، والإذن للنساء بسياقة السيارة، والحركة في الحيز العام بدون رجل مرافق (محرم) وحتى بلا حجاب. إن خطة 2030 التي وضعها جاءت للسير بالسعودية نحو مستقبل بلا نفط، وإقامة مدينة المستقبل “نيوم”. ولكن هذا الدليل يتجاهل عدة عناصر أخرى تلعب دوراً مهماً في السعودية، وأولًا وقبل كل شيء مكانة بن سلمان الذي يعتبر بالخطـأ كـ”رب البيت” في المملكة. عملياً، منذ عين ولياً للعهد في حزيران 2017 ثمة صخب كبير في أوساط العائلة المالكة على تعيينه وسلوكه. وعندما عين في المنصب كان بن سلمان في الـ32 من عمره – شاباً جداً مقارنة بأولياء العهد السابقين، أخوة الملك سلمان، الذين معظمهم أكبر منه بكثير. في مجتمع تقليدي كهذا كالسعودية، يشكل العمر عاملاً أساسياً في الاعتبارات عند تعيين شخص ما في منصب عام مهم، وعليه فإن تعيين شاب مع تجاوز الكبار في السن يعتبر غير شرعي.

نقيصة أخرى هي أن بن سلمان كان بلا تجربة في إدارة أجهزة وسياسة حين عين ولياً للعهد، مقابل سابقيه الذين كانوا وزراء، وسفراء، وقادة في الجيش أو مديري شركات كبرى، وبالتالي أكثر ملاءمة بكثير منه في إدارة الدولة والسياسة.

تحدثوا ضده ليل نهار، وهو يعرف من هم ضده. في تشرين الثاني 2017، بعد نصف سنة من تعيينه ولياً للعهد، اعتقل بن سلمان العشرات من أبناء أعمامه، أمراء من أبناء العائلة المالكة في فندق ريتس كارلتون في الرياض، وأهانهم وابتز منهم مليارات الدولارات (اثنان منهم قتلا)، ولم ينسوا ولم يغفروا له هذه الإهانة.

كثيرون في العائلة المالكة يتهمون بن سلمان بالتدخل السعودي العميق في اليمن وبالثمن الدموي الذي تدفعه المملكة على هذا التدخل، بل إن الكثيرين يتهمونه بمهزلة “اختفاء” الصحافي السعودي المنفي جمال خاشقجي في إسطنبول في تشرين الأول 2018 وتداعياتها على صورة الرياض وعلاقاتها الخارجية مع الولايات المتحدة وتركيا.

كما أن الإصلاحات التي أدخلها بن سلمان على مكانة النساء لا تروق لكثيرين في المملكة، مع أن الأغلبية الساحقة من الشبان يؤيدونها. وعليه، فإن احتمال أن يكون بن سلمان مع حلول اليوم ملك السعودية القادم ليس 100 في المئة. كم؟ من الصعب التوقع، إذ لم يسبق للعائلة المالكة أن كانت في مثل هذا الوضع. الهيئات الرسمية تتعاطى مع بن سلمان كولي العهد، أي الملك التالي، ولكن توجد تيارات عميقة في اتجاه آخر.

سبب آخر للتردد السعودي هو ثقافي. فهناك في التراث البدوي للمملكة قاعدة للحديث النبوي: “العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن”. ففي الصحراء لا يحصل شيء، وبالتالي لا يوجد شيء عاجل، ومن الأفضل الانتظار ما سيحصل من المخاطرة والانطلاق في عمل قد يكون خطيرًا. هذه ميزة ثقافية متجذرة عميقاً في طريقة التفكير والسلوك في المجتمعات التقليدية في الشرق الأوسط، وأهل الغرب – من أبناء الثقافة المعاكسة، ثقافة “المذاب”، ممن يريدون كل شيء “الآن”، مثل “السلام الآن” – لا يفهمون هذه الثقافة وآثارها على سلوك الأفراد والجماعات في منطقتنا.

يبدو أن السعودية تتردد في التقدم في علاقاتها مع إسرائيل لجملة متنوعة من العوامل الداخلية والخارجية والثقافية. وسبب قوي فقط يمكنه أن يغير طبيعة هذا السلوك، ولا أرى سبباً كهذا في هذه اللحظة.

بقلم: المقدم احتياط د. مردخاي كيدار

“نظرة” – معهد بيغن – السادات 10/12/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية