من شعر الأجيال إلى شعر الأفراد

ارتبط مفهوم الجيل، في الشعر المغربي، بظهور حركة الشعر المعاصر في المغرب في بداية
ستينيات القرن المنصرم، مع جيل من الشعراء الرواد من أمثال، أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني ومحمد السرغيني وعبد الكريم الطبال وأحمد الجوماري وإبراهيم السولامي… الذين حاولوا استنبات هذه النبتة الشعرية الجديدة في تربة الشعر المغربي، تأثرا بما يقع في المشرق العربي.
بعد ذلك سيتطور الشعر المغربي المعاصر في سبعينيات القرن الماضي، مع جيل آخر من الشعراء، أذكر من أهمهم، عبد الله راجع ومحمد بنيس ومحمد بنطلحة ومحمد الأشعري وأحمد بلبداوي وغيرهم، الذين حاولوا مغربة الشعر المعاصر في المغرب، وكذا طبعه بطابع المحلية، من خلال جعله يتنفس من رئة الواقع والصراع السياسي والأيديولوجي القائم آنئذ. إلا أن هذا الحضور اللافت، أقصد حضور الأيديولوجي في الشعر، وبشكل مبالغ فيه جدا، سيزج بالقصيدة المغربية المعاصرة في شرنقة الاختناق، وإسار الانحباس، الشيء الذي سيرفضه شعراء الجيل الثمانيني من أمثال صلاح بوسريف وأحمد بركات وإدريس عيسى وعبد الله زريقة وعبد السلام الموساوي ووفاء العمراني ومحمد بودويك وآخرين، إذ سيعملون على تقويض الأيديولوجي في الشعر بالانتصار للذات في تصدعها وتشظيها، الذات المشرعة على أسئلة الحداثة الحقة.
بالتساوق مع هذا التطور الحاصل في المشهد الشعري المغربي المعاصر، سيحاول النقد المغربي، انطلاقا من معيار الجيل، وبالنظر إلى عنصر الانسجام الحاصل بين شعراء كل جيل على حدة، مواكبة هذا التطور بالمدارسة والتحليل، بدءا بدراسة محمد بنيس القيّمة والموسومة بـ«الشعر المعاصر في المغرب»، مطبقا المنهج البنيوي التكويني على منجز جيل الستينيات، جيل الرواد. وقد انتهت الدراسة إلى أن ما يحكم هذا المنجز الشعري، ثلاثة قوانين هي: قانون الغرابة، وبلاغة الغموض، وبنية السقوط والانتظار. وسأعود إلى هذه البنية لاحقا. بعد ذلك سيأتي زميل محمد بنيس، الشاعر والناقد عبد الله راجع، ليخصص دراسة مهمة لمدارسة المنجز الشعري السبعيني، تحت عنوان «القصيدة المغربية المعاصرة/بنية الشهادة والاستشهاد»، مطبقا المنهج نفسه، أعني المنهج البنيوي التكويني، ليخلص إلى أن ما يحكم قصيدة هذا الجيل، بنيةُ «الشهادة والاستشهاد»، كما هو جلي في عنوان الدراسة. والفرق في إطار المفاضلة، بين هذه البنية والبنية السالفة (السقوط والانتظار) واضح ومفضوح. فالسقوط والانتظار بنية نكوصية، استسلامية وانتظارية، تتضمن طاقة سلبية، فيما بنية «الشهادة والاستشهاد»، بنية مبادرة ومشاكسة، تتضمن طاقة إيجابية. وقد انتصر الناقدان، في ذلك، إلى الجيل الذي ينتميان إليه كشاعرين، علما أن هذا الحكم أثار نقاشا واسعا في حينه.

راهن الشعر المغربي لم يعد يعني جيلا بعينه «وإنما كانت تخلقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصورها للفعل الكتابي وتدبر طرائق إنجازه، بحكم تنوع مصادر العمل الشعري لدى الشعراء

أما منجز الشعر الثمانيني، فقد تكلف بمدارسته الناقد صلاح بوسريف، من خلال دراسة قيّمة عنونها بـ«المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر»، منتهيا إلى أن هذا الجيل دمَّر الشرط الأيديولوجي للقصيدة السبعينية، منتصرا للشرط الجمالي، وللحداثة الجمالية الحقة.
بعد تسعينيات القرن الماضي مباشرة، وإلى يومنا هذا، سيختلف الوضع، وسيتبدد الانسجام الذي تحقق لدى شعراء الأجيال الثلاثة تباعا، لصالح ما سماه الناقد عبد اللطيف الوراري بالحساسية الجديدة. لقد فُتح أفق شعري جديد، وأصبح الشعر شعر أفراد لا شعر أجيال. اختيارات جمالية عديدة ومتنوعة، شكلت عند بعض الشعراء طفرة نوعية، وإضافة حقيقية. أضرب مثالا على ذلك بالشاعر صلاح بوسريف. شاعر ينتسب إلى الجيل الثمانيني، إلا أن نصف، أو أكثر من نصف ما كتبه من شعر في مساره الشعري، تحقق خلال وبعد تسعينيات القرن الماضي. بما يفيد أنه شاعرٌ ينتسب إلى هذا الأفق.
أعماله الشعرية أعمال مؤسِّسة بالمعنى الحقيقي.أعمال تتميز بنفس ملحمي هوميروسي غير مسبوق كما في الإلياذة والأوديسة تواصلا وتفاصلا. أعمال قوضت الحدود الوهمية بين الشعر والنثر، بين لغة صالحة للشعر ولغة خاصة بالنثر، وكأني به يتواطأ ضمنيا مع أبي حيان التوحيدي على نحو ما جاء في قوله المسكوك «أحسن الكلام ما قام بين الشعر والنثر». أعمال كتبت بمعرفة، وعلى المُقبل عليها أن يقرأها بمعرفة كذلك. أعمال استثمرت كل الإمكانات الكتابية التي من شأنها أن تكسر غنائية وإنشادية العمل، من صفحة وسرد وصراع درامي… وهو بذلك، أسس ميثاقا تخييليا جديدا في الشعر العربي. ما قلته عن هذا الشاعر، يجري على منجز شاعر آخر ينتمي إلى الجيل السبعيني، أخص بالذكر المنجز الذي تحقق لديه خلال وبعد تسعينيات القرن الماضي، إنه الشاعر محمد بنطلحة. شاعر شكل بمفرده حساسية أخرى قائمة بذاتها. الحكم نفسه يمشي على ذلك مجموعة من التجارب الواعدة التي لا يسع المجال لذكرها.
أما النقد، الذي من المفروض أن يواكب هذا التحول، فقد ظل شبه غائب لاعتبارات عديدة، لكن الملاحظ، في ما يخص النقود التي واكبت هذه التجربة، على قلتها كما أسلفت، هو غلبة النقد الإخواني، ونقد المجاملات الذي يأتي إلى النصوص من خارجها، الشيء الذي فوت علينا فرصة التعرف على التجارب التي غيرت مجرى النهر الشعري، أو أخذته عكسيا. ومع ذلك لا يسعنا إلا أن نثمّن بعض المحاولات النقدية الجادة التي حاولت تجميع شتات هذه الحساسيات بحرفية مبهرة من حدوس أكاديمية خلاقة، مثل ما قام به الناقد عبد اللطيف الوراري، في كتابه الموسوم بـ«في راهن الشعر المغربي- من الجيل إلى الحساسية» الصادر عام 2014 بدعم من وزارة الثقافة المغربية. وحسب علمي فإن عبد اللطيف الوراري، هو أول من استعمل مفهوم الحساسية في مجال الشعر في المغرب، وهو سبق يحسب له. إن من حسنات هذه الدراسة، استثمارها لعُدّة مغتنية من مصادر معرفية متعددة ومتنوعة، من تراث لغوي ونحوي وبلاغي وفلسفي على نحو منحها «أوفى ما يكون من التماسك، الصلابة، والصدقية التحليلية» على حد قول الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة في تقديمه للكتاب.
ولعل أهم ما انتهى إليه هذا البحث، أن راهن الشعر المغربي لم يعد يعني جيلا بعينه «وإنما كانت تخلقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصورها للفعل الكتابي وتدبر طرائق إنجازه، بحكم تنوع مصادر العمل الشعري لدى الشعراء، واختراقاتهم المعرفية والجمالية لآفاق أخرى من الكتابة». (الوراري)

٭ شاعر وكاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية