هآرتس العبرية: مقال العتيبة… رسالة إلى ترامب ونتنياهو أم وثيقة تتجاوز إسرائيل؟

حجم الخط
2

“كنا نريد أن نصدق بأن إسرائيل فرصة وليست عدواً، ونقف أمام أخطار كبيرة جداً من الشراكة ونرى الإمكانية الكامنة الضخمة في إقامة علاقات دافئة أكثر. قرار إسرائيل بالضم سيشكل علامة لن يكون بالإمكان تجاهلها بخصوص مسألة إذا ما كانت إسرائيل ترى الأمور بالطريقة نفسها”. بهذه الجمل التي كتبها سفير اتحاد الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، في مقال نشر في “يديعوت أحرونوت” يكمن جوهر الرؤية التي توجه الإمارات، بل ومعظم الدول العربية. فمن جهة، إسرائيل حقيقة واقعة، شريكة في طور الإمكان وحتى –فعلياً- في الصراع الذي يجري ضد نفوذ إيران في المنطقة وضد الإسلام الراديكالي، وهي حيوية لتعزيز العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، تقف المشكلة الفلسطينية التي لا يمكن دون حلها أن تتحقق هذه الإمكانية.

مقال العتيبة يوضح بصورة واضحة وقاطعة أن التقارير حول تأييد الدول العربية، خاصة دول الخليج، لخطة الضم، لا أساس لها. وحتى لو كانت شخصيات عربية كبيرة قد أسمعت في الغرف المغلقة إدانات لموقف الفلسطينيين ورفضهم خطة ترامب للسلام، فإن للموقف العلني المعلن هناك وزناً أكبر. هذا ليس موقفاً أيديولوجياً أو تمسكاً لا هوادة فيه بالقانون الدولي. فقد تكون للضم تداعيات سياسية خطيرة، منها ما سيضع الأنظمة العربية أمام رأي عام محلي مناكف يلزمها بالامتثال له. تم التعبير عن هذا الرأي العام في الردود القاسية عبر الشبكات الاجتماعية، وفي أقوال محللين عرب، سواء بسبب نشر مقال العتيبة في صحيفة إسرائيلية أو بسبب مضمون الأمور التي تعرض إسرائيل كفرصة. وقد كانت حماس والجهاد الإسلامي أول من أدانا المقال وكاتبه، وانضمت إليهما أيضاً حركة فتح ونقابة الصحافيين الفلسطينيين الذين يرون في هذا النشر خرقاً واضحاً لسياسة عدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ولكن الردود التي جاءت على المقال تتقزم إزاء الخوف الفوري من استخدام الضم ذريعة لمظاهرات صاخبة في الأردن تضع الملك عبد الله أمام معضلة استمرار اتفاق السلام مع الأردن، وقد تنزلق أيضاً إلى دول أخرى. كما أن الضم أيضاً يحطم جوهر مبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية في العام 2002، التي طلب فيها من إسرائيل الانسحاب من جميع المناطق المحتلة مقابل التطبيع وحزام أمني عربي. وهي مبادرة تم اعتبارها كحجر أساس في أي مفاوضات سياسية.

تدعي إسرائيل في الحقيقة أن الضم مدرج ضمن خطة ترامب للسلام، لكنها تتجاهل أن واشنطن تعتبر الضم جزءاً من خطة كاملة تشمل في النهاية إقامة دولة فلسطينية، واستهدفت بناء شبكة علاقات جديدة وطبيعية بين إسرائيل والدول العربية. محاولة ترجمة تأييد عدد من الدول العربية لخطة ترامب إلى موافقة على ضم أحادي الجانب هو تضليل متعمد، يمس باحتمالية تعزيز العلاقات مع دول الخليج، كما يمس أيضاً بمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لذلك، فإن الأمر يتعلق بمقال مهم ينقل رسالة شديدة ودقيقة، سواء لحكومة إسرائيل أو للإدارة الأمريكية. مقالات كهذه، استهدفت التحدث مباشرة إلى الجمهور من فوق رؤوس الحكومات، تنشر بشكل عام بعد فشل جهود دبلوماسية وسرية أو علنية بين زعماء الدول وممثليها. لا تتحدث الإمارات في الحقيقة باسم دول الخليج الأخرى، ولا تمثل زعماء عرباً آخرين، لكنها تعرض قاسماً مشتركاً غير رسمي، يوضح الخط الأخضر الذي يقيد المواقف العربية الأكثر اعتدالاً بالنسبة لإسرائيل. محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، لا يتحدث فقط عن علاقات الدولة مع إسرائيل، مثلما تم التعبير عن ذلك في زيارات رجال أعمال إسرائيليين إلى دبي، أو إرسال طائرات المساعدة التي هبطت في مطار بن غوريون، بل هو يعمل بالتشاور مع ولي العهد السعودي من أجل الدفع قدماً بخطة ترامب.

تعتبر دولة الإمارات الدولة العربية الأكثر تأثيراً في واشنطن بعد خفوت نجم السعودية في أعقاب قتل الصحافي جمال الخاشقجي من قبل رجال أمن سعوديين، بتعليمات مباشرة -كما يبدو- من ولي العهد محمد بن سلمان. يوسف العتيبة (46 سنة) يشغل منذ العام 2008 منصب سفير بلاده في واشنطن التي تعلم فيها للقب الثاني في العلاقات الدولية. في سن الـ 26 تم تعيينه ليترأس مكتب الشؤون الدولية في مكتب ولي العهد والحاكم الفعلي للدولة، الشيخ محمد بن زايد. وهو أحد الأشخاص المقربين جداً من الولايات المتحدة والصديق المقرب لجارد كوشنر، صهر ترامب. العتيبة كان الوسيط الذي ربط بين كوشنر ومحمد بن سلمان. وعمل كمرشد لكوشنر في شؤون الشرق الأوسط.

شبكة العلاقات هذه، والمكانة التي حظي بها في واشنطن، يمكن أن تشيرا إلى أن أعين كبار الشخصيات في أمريكا شاهدت هذا المقال، وربما حتى أعين كوشنر، قبل نشره. كوشنر معروف بمعارضته للضم أحادي الجانب، خلافاً للسفير الأمريكي في إسرائيل دافيد فريدمان، ولن يكون من الخطأ فهم المقال كجزء من الصراع السياسي الداخلي في البيت الأبيض حول مسألة الضم. وإذا كان المقال قد تم طلبه أو على الأقل استهدف مساعدة كوشنر من أجل التأثير على صهره ترامب، ووقف نية إسرائيل بالضم، فيمكن أن يبرهن على قوة التجند ضده وربما حتى على الغضب الذي على الأقل يظهره عدد من الشخصيات الرفيعة في البيت الأبيض تجاه فكرة الضم. وسلوك العتيبة يذكر بدرجة كبيرة بسلوك السفير السعودي (الخالد) في واشنطن، بندر بن سلطان، الذي أملى باسم المملكة، خلال عشرات السنين، سياسة الولايات المتحدة تجاه الدول العربية.

موقف دولة الإمارات يسمع جيداً في واشنطن، وليس في القضية الفلسطينية فحسب: هي مشاركة بصورة فعلية في القتال بليبيا بين الزعيم الانفصالي خليفة حفتر وقوات الحكومة المعترف بها، إلى جانب روسيا ومصر، ويمكنها أن تدفع قدماً باتفاق سلام بين الخصمين، وهو حل يسعى إليه الرئيس ترامب. وهي أيضاً كانت شريكة للسعودية في الحرب ضد اليمن، وبعد أن قامت بسحب قواتها بضغط من أمريكا، اضطرت السعودية إلى البدء في مفاوضات مع الحوثيين. وبفضل استثماراتها الضخمة في دول الشرق الأوسط، لا سيما في مصر والأردن والسودان، وقرار استئناف العلاقات الدولية مع سوريا، تحولت من دولة هامشية على الصعيد السياسي إلى دولة لها روافع ضغط مهمة في الخطوات السياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك في إيران التي وقعت معها على اتفاقات بشأن الدفاع عن الملاحة في الخليج الفارسي.

على هذه الخلفية، مطلوب من بنيامين نتنياهو التعامل مع مقال العتيبة على أنه وثيقة سياسية وُزعت كي يفحصها زعماء الدول، وليس فقط لتشاهدها عيون مواطني دولة إسرائيل. لا يعتبر العتيبة وسيطاً يحاول أن يبيع إسرائيل سياسة سيئة، إنما يثير عدداً من المصالح التي سيخدم تحققها دولة إسرائيل أكثر مما يخدم مصالح دولته. وهو لا يمكنه البقاء من دون رد.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 14/6/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية