من صرخة «مونش» إلى صرخة مالك الفلسطيني

كيف يمكننا أن نفسّر هذه اللحظة الفلسطينيّة، ونحن في الثلث الأوّل من القرن الحادي والعشرين المتعدّد المتنوّع حيث يتشكّل التاريخ في ثنايا صخب العالم وضوضائه بل هرجه ومرجه كما هو الأمر عندنا أو في الديمقراطيّات الغربيّة مثل أمريكا وفرنسا: شاشات وصور تزحمنا من كلّ صوب، ناهيك عن السينما والتلفزيون والراديو والإنترنت والشبكات الاجتماعيّة التي تصنع وعينا ورؤيتنا بنسبة أو بأخرى بما يتجاوز المنطق المجتمعي والوطني؟ بل كيف سيحدّد الآتون من مؤرّخين ومبدعين وبسطاء عاديّين هذه الحقبة المعاصرة التي تمتدّ من منتصف القرن الماضي تاريخ احتلال فلسطين، إلى اليوم؟ جميع البشر الذين سبقونا أو هم يعاصروننا، عاشوا ذات يوم حدثا ما عظيما أو فارقا مثل الحرب العالميّة الثانية وحرب فيتنام وحرب التحرير في الجزائر أو سقوط جدار برلين أو تفكّك الاتحاد السوفياتي أو صعود العملاق الصيني أو غزو القمر والمرّيخ والتطلّع إلى مجرّات بيننا وبينها آلاف أو ملايين السنوات الضوئيّة… فهم على علاقة خاصّة بالزمن، لا تقوم على أساس من فرضيّة تقدّم الزمن خطّيّا؛ وإنّما في حركة لولبيّة، أو اختلاط زمنيّات يسلسل فيها الحاضر الماضي، أو يمتثل فيها المستقبل توقّعا أو حلما، أو هو يتولّد قيصريّا مثل الطفل الفلسطيني «مالك» في مستشفى الأقصى وسط قطاع غزّة، بعيدا عن حضن والدته «علا الكرد» التي أخرج من رحمها بعمليّة قيصريّة، بعد أن فارقت الحياة، نتيجة غارة جويّة إسرائيلية استهدفت منزل العائلة. في صرخة «مالك» الذي أُخرج من رحم ميّت، يختبئ اسم شبحيّ: اسم القاتل. وكلّ يوم في غزّة وفلسطين عامّة هو «محطّة» في تاريخ العالم، وصرخة مثل «صرخة مونش» في وجه العالم (عمل تعبيريّ شهير للفناّن النرويجي إدفارد مونش، يرمز إلى الإنسان الحديث وهو يكابد أزمة قلق وجودي فظيع).
عام 2024 تم اكتشاف جملة مكتوبة على اللوحة بقلم صاحبها: «لا يمكن أن يرسمها إلاّ رجل مجنون» وهل وما يرتكبه جنود الاحتلال من بشاعات في فلسطين غير عمل مجانين؟ عام 1892 كتب مونش في مذكّراته وكأنّه يصف غزّة وحرب الإبادة: «كنت أسير في طريق مع صديقين – كانت الشمس تَبِيدُ – فجأة اكتست السماء باللون الأحمر الدموي. توقّفت، منهكًا، واستندت إلى السياج – كان هناك دماء وألسنة من النار فوق مضيق المدينة الأزرق الداكن – واصل أصدقائي سيرهم، وبقيت هناك، أرتعد قلقا – وأصغيت لصرخة لا نهاية لها تخرق الكون وتمزّق الطبيعة». وقد يستغرب القارئ استعمالي الفعل باد يبيد للشمس بدل غرب أو أفل، والحقّ أنّ هذا من لطائف العربيّة: بادت الشمس بيودا: غربت. وفي الحديث :»فإذا هم بديار بادَ أهلها أي هلكوا وانقرضوا».
الشخصيّة في لوحة مونش تكاد تشبه العديد من الموميات، بما في ذلك مومياء تشاشابوياس نسبة إلى الشعب المسمّى بـ«محاربي الغيوم». وهي ذات وجه متجمّد من الموت، ناهيك عن رمزالجنين المثال الذي يومئ إلى الولادة. على أنّي لست بصدد تحليل هذه اللوحة، وكنت وظّفتها منذ سنوات في قصيدة لي، فهذا موضوع له أهله من المختصّين. والمومياء نفسها ألهمت أيضًا بول غوغان في لوحاته التي رسمها عام 1889 بعنوان «البؤس البشري» و«حواء بريتون»؛ وكلّها تناسب اليوم حال فلسطين.
كان الشهيد غسّان كنفاني ابن عكّا (1936/ 1972) يقول إنّه أكبر من «إسرائيل» التي أقاموها في 14 أيار (مايو) 1948 بعد ثماني ساعات فقط من انتهاء الانتداب البريطاني، وكان سبقها قرار التقسيم عام 1947 الذي منحها شهادة ولادتها غير الطبيعيّة على أرض عربيّة.
وأمّا نحن معاصري فلسطين، من الذين ولدوا إبّان النكبة أو بعدها، فنعيش الحدث الفلسطيني، وندرك يوما بعد يوم أنّ أطفال فلسطين هم أيضا أكبر من دولة الاحتلال؛ ونحن نشاهد بكلّ جوارحنا كيف يُقتلون، وكيف يولدون في سياق ثلاث حالات مخاض هي أشبه بثلاث مرايا: تواقتيّة حيث يقع الحدث في أماكن مختلفة من فلسطين من غير انتقال، فلا فرق بين دمار دير البلح أو خان يونس أو جنين… ونعيشه في تزامن مرايا عالميّة تتخطّى الحدود القوميّة، مبنيّة على اتّحاد ما «واقعيّ» في ثورة طلاّب الغرب انتصارا لفلسطين، و«خياليّ» أشبه بمزامنة الصور والأصوات في فيلم سينمائي في ندوات السياسيّين من أهل الغرب، وفي مرايا زخرفة العولمة، وهيمنة لوبيات الإعلام التي تجعلنا نعيش أشكالا مختلفة متباينة من الزمنيّة الفلسطينيّة.
ومن ثمّة تظهر غزّة ذات المساحة الصغيرة ساحة صراع عالميّ؛ وكأنّها عابرة للتاريخ والجغرافيا معا. كأنّنا نحن معاصري فلسطين البعيدين جغرافيّا، ونحن تحت وابل الإعلام، صورة من برتولت بريخت الذي كان واحدا من أكبر المؤمنين بالتقدّم والمساواة والعدالة، بينما كان منغمسا أيضا في ضجيج الصحف والشعارات والأفلام الإخباريّة المصوّرة. وهذا لم يمنعه بأيّة حال من الأحوال من تطوير تفكيره العميق في العوالم التي كانت معاصرة له.
إنّ المطلوب اليوم هو توسيع هذه الرؤية العابرة للجغرافيا وللتاريخ المعاصر، عندنا أو عند الذين سعوا إلى التفكير في المعاصرة الحقّ؛ وهي اليوم الزمن الفلسطيني بامتياز.
لكن كلّ من يستطيع أن يقول: «الزمن الفلسطيني» على نحو ما نقول، فقد لا يكون له ذلك إلاّ إذا استطاع في هذه اللحظة الفارقة أن يقسّم الزمن، ويشرخه، عسى أن يرى كيف تنقلنا فلسطين من زمن خطّيّ خامل، إلى حضور الحاضر نفسه، وهو الذي لا يثبت على حال؛ بل يكون حيث لا يكون. تلك هي فلسطين مكان لقاء والتقاء أزمنة وأمكنة وأجيال. وهذا يعني من ضمن ما يعني، في ما قرأت، أنّ المعاصر ليس هو الذي يدرك ظلمات الحاضر وحسب، وإنّما يدرك أيضا نوره القادم لا شكّ. إنّ المنتمي حقًا إلى هذا الزمن الفلسطيني الحقيقي، هو الذي يرى شروخ الحاضر، ومنها يتطلّع إلى النور الآتي. وهذا لا يعني أنّ المعاصر يعيش في زمن آخر، أو هو ممّن يستبدّ بهن الحنين إلى الماضي. أعرف أنّه يمكن أن نكره عصرنا ووقتنا، وننقم ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف ترتكب جريمة الإبادة دون رادع ممّا يسمّى «المجتمع الدولي»؛ ونعرف أنّ أكاذيب دولة الاحتلال وتحريف الوقائع، هي روايات محكومة في تاريخنا المعاصر بهذا «الخطاب المزدوج» الذي لم يبرأ ممّا  يسمّيه المؤرّخون «الخبرة الاستعماريّة» التي أحدثت منذ منتصف القرن التاسع عشر تغييرا جذريّا وتحوّلا نوعيّا في الإعلام الغربي «الأعور» وفي ثقافة الغرب وتاريخه. لكنّها أفضت عند كثير أو قليل منّا إلى «شعور بالدونيّة» إزاء التفوّق الغربي القائم على القوّة عسكريّا وتقنيّا وسياسيّا، وإلى تصدّع في البنية الإيديولوجيّة التقليديّة؛ وإن لم تتشظّ تماما أو تنحلّ كما يقول هؤلاء. مع أنّ التاريخ ليس ذاكرة تستحضر يوتوبيا مفقودة أو مكانا متخيّلا، والسياسة ليست دائما بـ«الفعل الكاذب» أو بـ«حِنـْث» في الصنيع وفي القول. وعزاؤنا أنّ جماهير الطلبة المناصرين لفلسطين ليسوا صنيعة السياسة الغربيّة، بالرغم من أنّ المدرسة الغربيّة هي التي اصطنعتهم وربّتهم وخرّجتهم؛ فها هم يهتفون بهذه الشعارات التي لا تناسب حكّامهم، ولا إعلامهم، حيث تختلط الدسائس والمكائد والمؤامرات في هذا الغرب «الخائف» من نفسه وعلى نفسه؛ أو هي تنتظم في حبكة أشبه بحبكة المسرحيّة أو الرواية البوليسيّة شخصيّات وممثّلين، وحيث يندمج كلّ شيء في نوع من السرد يمكن أن نصفه بـ«البراغماتي» أو «الذرائعي» الذي يُردّ فيه الحدث إلى الاختبار والتجربة، دون فصل بين العقل والحسّ أو بين العمل والفكر، أي جعل التاريخ في خدمة الحاضر؛ وليس استخلاص دروس منه حتى إذا استشعرنا لمح صلة أو أوجه شبه بين الماضي والحاضر.
عام 1864 كان بودلير قد استقرّ في بلجيكا، ممنّيا نفسه؛ ثمّ كانت خيبته فكتب رسالة هجاء ونقد لاذع، فيها بعض ما نعيشه في سياسة الغرب عامّة مع استثناءات قليلة جدّا. وأقصد قوله إنّه ليس ثمّة أكثر سخافة من البحث عن الحقيقة في الأرقام أو ما يسمّى «الاقتراع العام والطاولات الدائرة» تلك التي يُفرض في حركاتها أن تنقل حديث الأرواح. وهاتان كما يقول شاعر فرنسا الأكبر فيكتور هيغو، نزوتان، إحداهما عقلانيّة والأخرى غير عقلانيّة؛ وهما تتجاهلان بؤس الإنسان، وتشهدان على كبرياء الغرب ونرجسيّته.
تلك هي فلسطين تعلّمنا في صرخة ابنها «مالك» قراءة التاريخ بطريقة جديدة، لا اعتباط فيها ولا صدفة. صرخة تعلّمنا أنّ التاريخ لا يجري في خطّ مستقيم؛ وأنّ الزمن ليس خطّيّا وإنّما هو ثقافيّ أو لولبي. صرخة من نور غير مرئي، لمن على أعينهم غشاوة الهزائم وظلّ اليأس أو ظلّ الماضي.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية