ssمحمد عبد الحكم ديابssspp يوم دام جديد سجلته صفحات تاريخ مصر الراهن. ومن تابع أحداث يوم الثلاثاء الماضي في القاهرة وعدد من المدن والمحافظات المصرية رأى مستوى القلق والرعب المسيطر على سلطات الإدارة والأمن، وما تركه من تصرفات وحشية.pppبدت أقرب لتصرفات قوات احتلال مذعورة من مجرد احتجاج سلمي في ذكرى إضراب؛ قام به عمال مصانع المحلة الكبرى بوسط الدلتا. وكان في مثل ذلك اليوم من عام 2008 و سقط فيه ثلاثة شهداء وعشرات الجرحى. ورغم العنف المفرط الذي جوبهت به مظاهرات الثلاثاء الماضي إلا أنها اختلفت نوعيا عن أحداث أخرى مماثلة. خاصة أحداث 25 ايار/مايو 2005، الاختلاف الأساسي هو ذلك الذي بدا من انتقال مركز التأثير المعتاد من منطقة عرفت بمثلث الرعب بوسط القاهرة؛ اجتمعت فيها نقابتا الصحافيين والمحامين ومعهما نادي القضاء، والانتقال إلى مثلث آخر مكون من مجالس الشعب والشورى والوزراء. حمل المثلث الأول صفته عن جدارة. فأضلاعه تمثل أصحاب الرأي وسدنة القانون وحماة العدالة. وبينها قامت قيامة مصر السياسية خلال العقد الأخير. وشهدت فيها البلاد أخطر تحولاتها السياسية والاجتماعية. وعلى عتباته وبين أروقته ولد الحراك الوطني وظهرت حركة كفاية، لتكسر حاجز الخوف، وتعيد الروح للطبقة الوسطى وتحول الشارع ميدانا وساحة للمواجهة والسجال بين قوى التغيير وحكم انتهت صلاحيته وفقد مبرر وجوده. ومؤخرا تراجع دور مثلث الرعب كمركز جامع لقوى التغيير وللمتطلعين إلى الخلاص من وطأة ذلك الحكم، الذي يقتات على الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار والصهينة. ونفذت سلطات الأمن واخترقت أموال رجال المال والاحتكارات، ممن استولوا على الثروة والسلطة والقرار في الحزب والحكومة. نفذت واخترقت جدران ذلك المثلث حتى كسرته. أُزيح تيار الاستقلال عن نادي القضاة، واحتل نقيب حكومي موقع نقيب الصحافيين مجددا، ومكنت لجنة جمال مبارك نقيبا للمحامين يتفانى في خدمتها ويعمل لحسابها. وكانت المواجهات قد اندلعت مع منع المواطنين من الوصول إلى ميدان التحرير، واستمرت ضد مئات المحتشدين من حركة 6 إبريل وحركة كفاية وحركة استقلال الجامعة، يشاركهم ممثلون لأحزاب الكرامة والوسط والعمل المجمد والاشتراكيين الثوريين والغد ( جماعة أيمن نور ). تحول وسط القاهرة لثكنة عسكرية وميدان قتال تخلله كر وفر بين المواطنين وقوات الأمن . ولما وجدوا أن الوصول إلى ميدان التحرير مستحيل توجهوا إلى مجلس الشعب بحثا عن نواب المعارضة والمستقلين لتسليمهم عريضة بالمطالب . وكان عدد آخر من أعضاء نقابة المحامين قد تجمع أمام مقر النقابة استعدادا للتوجه إلى مجلس الشعب. وجدوا أنفسهم محاصرين، ودفع الضغط الشديد بهم إلى داخل مبنى النقابة، وحيل بينهم وبين الوصول إلى مقصدهم . و في الإسكندرية سبقت قوات الأمن والشرطة بأعدادها الضخمة واحتلت ميدان المحطة، ومنعت المواطنين من الوصول إليه، وحدث لهم ما حدث لزملائهم في العاصمة. اختطف الأمن عددا منهم، بينهم طالبة جامعية . وتكرر المشهد في أكثر من مدينة ومحافظة، إلا أن كفر الشيخ تميزت بسيطرة العنصر الطلابي ، وخروجه بأعداد كبيرة احتجاجا على فصل عدد من زملائهم بكلية الهندسة، الذين خرجوا الشهر الماضي لنصرة الأقصى، وللمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ . وتحوطا لاتساع العصيان قامت قوات الأمن المركزي بتطويق نقابات المحامين والصحافيين والمهندسين والأطباء وحالت دون التحام كان متوقعا بين نقابتي الصحافيين والمحامين، وكانت قوات الأمن قد تولت مبكرا سد مداخل ومخارج وسط العاصمة؛ ميدان التحرير وشوارع قصر العيني والكورنيش وعبد الخالق ثروت ورمسيس، وتم منع المواطنين من الوصول إلى أعمالهم . وقدرت تقارير صحافية عدد ضباط الشرطة الكبار من رتبتي اللواء والعميد بأكثر من خمسين ضابطا. وبدت المواجهة بوليسية خالصة، لم تظهر فيها مليشيات رجال الأعمال، ولا بلطجية الحزب الحاكم، ولا أرباب السوابق. ممن يطلق سراحهم خصيصا للتنكيل بالمواطنين، وبدت المواجهات بيانا عمليا لتطبيقه في حالة اتساع العصيان وحرب الشوارع. وكانت التصرفات خليطا من الجنون والرعب والعنف. تعكس حال أهل الحكم، في ظروف يرون فيها كبيرهم يرقد في منتجعه الخاص بشرم الشيخ، في غيبة قد تطول، وليس هناك غير إظهار ‘ العين الحمراء ‘ للعصاة من المواطنين. وكشفت مواجهات الثلاثاء الماضي أن الطبيعة الاستبدادية لأهل الحكم جعلتهم لا يتعظون فيتخلون عن تجبرهم ولو قليلا. وكانت رسالتهم واضحة؛ إذا اختفى أو وهن منهم جلاد فلديهم ألف جلاد آخر.ويلزم التنويه في هذه المناسبة إلى أن دعوة الإضراب في 6 نيسان/ابريل 2008 كانت عمالية في الأساس، وا لغريب أن الحركة التي خرجت من رحمه ليست كذلك، كانت وبقيت من بين خريجي الجامعات والعاطلين منهم عن العمل، وهذه مفارقة تحتاج اهتمام الباحثين والدارسين. بقيت الحركة العمالية على مسافة بعيدة نسبيا عن الحراك السياسي. حصرت مجالها الحيوي ونشاطها فيما يمكن تسميته الحراك النقابي والاقتصادي. ركزت على الأجور وتحسين شروط العمل ومواجهة غلاء الأسعار والبطالة ومقاومة الخصخصة . وعلينا أن نعترف أنها حققت نجاحات ملموسة على ذلك الصعيد، و أقامت أول نقابة مستقلة لمأموري الضرائب العقارية، في وقت لم يتمكن فيه المهنيون والأكاديميون والخبراء من تحرير نقاباتهم من الحراسات التي فرضت عليها. أقيمت تلك النقابة في الذكرى الأولى للاعتصام، وأُعلنت من على منبر نقابة الصحافيين. وكان المعتصمون قد احتلوا المنطقة المقابلة لمجلس الوزراء في كانون الأول/ديسمبر 2007 ، وحققوا الهدف منه؛ بمساواة من يتبعون وزارة المالية بمرتباتهم العالية، ومن يتبعون المحليات بدخولهم المتدنية. وتلك أول نقابة مستقلة منذ تأسيس اتحاد العمال في مصر 1957. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي . موعد الذكرى الثانية افتتحت مقرها بضاحية الهرم. وكانت بنجاحاتها ومنجزاتها في ذلك المدى الزمني القصير نسبيا حافزا على تصعيد التحركات العمالية. فعمت مصر من أقصى شمالها في الإسكندرية إلى أقصى جنوبها في أسوان. ولا يخلو يوم من إضراب هنا أو اعتصام هناك. وبدا الأمر وكأن هناك تقسيما للعمل؛ المطالب السياسية والعامة شأن الجماعات والحركات الجديدة، التي نشأت خارج الأحزاب، بداية بحركة ‘كفاية’ بشعار لا للتوريث ولا للتمديد، وصولا إلى شعار باطل، بمعنى بطلان الحكم عدم شرعيته، ومعها وبعدها تكاثرت حركات أخرى؛ كحركة استقلال الجامعة (معروفة بحركة 9 مارس) وحركة 6 إبريل ، إلى أن جاء ظهور محمد البرادعي والزخم الذي أحدثه في الحراك السياسي ، وإذا بظهوره يتيح لحركة 6 إبريل مدارا جذبها إليه، فدارت في فلكه. واعتقد أن السبب يكمن في طبيعة الشخص والحركة وتطابق مطالبهما تقريبا. كلاهما ينشد إصلاحا دستوريا وقانونيا ليس شرطا فيه المساس ببنيان وقواعد الحكم القائم . وعليه بدت مصر وكأنها محكومة بوجود حراكين متوازيين. أحدهما للطبقة الوسطى والآخر للقوى العاملة وإن تداخلا أحيانا ، والتحول الذي رافق الإضراب الأخير، وانتقاله من مثلث الرعب إلى مثلث مختلف لا يعني مجرد استبدال مكان بآخر إنما يعني نقلة في طبيعة المواجهة ، و إذا كانت المواجهة في السابق قد شقت طريقها وتهيأت بإمكانيات توفرت في نقابة الصحافيين في عصر النقيب السابق جلال عارف، قبل تحولها من الاستقلال إلى التبعية. التبعية هنا بمعناها الحكومي والحزبي. فور أن حل النقيب الحكومي محل سلفه ، ثم تلتها نقابة المحامين.واستهداف التوجه نحو مجالس الشعب والشورى والوزراء ما هو إلا تعبير عن الانتقال من موقع اللقاء والحشد إلى مركز الاتصال المباشر مع أهل الحكم. صحيح أنها مجالس تخصخصت بالكامل لحسابهم. إلا أن وجود كتلة مستقلة داخل مجلس الشعب. مكونة من نواب الإخوان المسلمين والمستقلين يساعد على حمل الرسائل وإيصالها للجهات المعنية. ونعود مرة أخرى لاعتصام مأموري الضرائب العقارية الجريء أمام مجلس الوزراء واستمر لعدة أسابيع، وشا ركت فيه أسر وأولاد المعتصمين. وقد وجدوا دعما غير متوقع من الأهالي. زودوهم بالطعام والشراب وأ مدوهم بالأغطية، فتحملوا البقاء في العراء، كان لذلك الاعتصام فضل لفت الأنظار وإعادة اكتشاف ذلك المثلث. بجانب أن دور النقابي الأسطوري كمال أبو عيطة بث في المعتصمين روح التحدي وشد عزائمهم وفجر قدراتهم وطاقاتهم على التحمل والصمود . وحمل الحراك جوانب متعددة ووظائف متنوعة. يكمل بعضه بعضا. ورغم كل هذا لا تشعر به عائلة مبارك. حيث وقعت في أسر حالة أشبه بحالة عائلة البوربون الفرنسية. هي الأخرى لم تشعر بما جرى في باريس، حتى أن الامبراطورة ماري انطوانيت سألت وهي تتطلع من شرفتها على الجماهير الثائرة، وكانت قد اقتربت من أبواب قصرها . تطالب برأسها ورأس الامبراطور. سألت ببلاهة معتادة من ذلك النوع من البشر : ماذا يريدون؟ قالت لها حاشيتها يريدون خبزا. عندها قالت قولتها التي صارت مثلا. إذا كانوا لا يجدون خبزا لماذا لا يأكلون الفطائر!!، وصارت مثلا للغباء والانفصال عن الواقع والناس. وبعد جرائم 2005 البشعة، وسحل الصحافيين وهتك أعراض الصحافيات، بسادية غير مسبوقة . نقلتها وكالات الأنباء والفضائيات مباشرة. بعدها ادعى الناطقون باسم جمال مبارك أن ما حدث لن يتكرر. وتكرر بعدها مرارا، وما شهدته مصر يوم الثلاثاء الماضي من المشاهد التي سوف تتكرر ما دامت عائلة مبارك تعتلي سنام الحكم.والشيء بالشيء يذكر: فقد أفصح مراقبون عما نقل إليهم من ردهات مستشفى هايدلبرج بألمانيا. وكم الكآبة والسخط الذي كان على الملامح والتصرفات. ووصف الشعب بأنه ناكر للجميل ولا يستحق ما ادعوه من تضحيات بذلوها من أجله، وأنها كانت ‘خسارة فيه’، ونسب إلى مسؤول البلاط وكبير الحاشية قوله بأن الشعب ‘ما يستاهلش وما يتمرش فيه’ أي لا يثمر فيه الإحسان أو المعروف’. لغة ‘بوربونية ‘ أخرى؛ ترى أن الإذلال والإفقار والمهانة قَدَر على الشعب التسليم به والإذعان له، وإلا صار في نظرهم ناكرا للجميل! . وإذا كانت كل تلك القوة المدججة بالحديد والنار قد وضعت في مواجهة أناس عزل. فماذا لو اندلعت ثورة. وهذا الأمر المتوقع قد نتناوله في قادم الأيام.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqr